مؤلف هذا الكتاب هو أحمد بيضون، المفكر والكاتب اللبناني، الذي عُرف بتعدد اهتماماته، وانحاز على الدوام إلى النهضة والحداثة. ولم تنحصر كتاباته على حقل الفكر بعدما اختبر التيارات الفلسفية الحداثية قراءة وعيشاً من خلال الماركسية والوجودية والبنيوية وسواها، بل تعددت لتشمل الأدب ولا سيما الشعر واللغة والتأليف والكتابة.
صدر له العديد من الكتب، منها: معاني المباني، 2007، ومغامرة المغايرة: اللبنانيون طوائف وعرباً وفينيقيين، 2005 والصيغة، الميثاق، الدستور: لبنان الطائفي بين ديمقراطية وسلام، 2003، والجمهورية المتقطعة: مصائر الصيغة اللبنانية بعد اتفاق الطائف، 1999
، وتسع عشرة فرقة ناجية: اللبنانيون في معركة الزواج المدني، 1999، وكلمن ـ من مفردات اللغة إلى مركبات الثقافة، 1997، والصراع على تاريخ لبنان، 1989 ومداخل ومخارج ـ مشاركات نقدية، 1985، ودوان شعر وحيد ديوان الأخلاق والأمزجة.
يطرح أحمد بيضون في كتابه الجديد هذه الحرب.. محنة لبنان المتمادية في بيانين، أسئلة كثيرة على لبنان واللبنانيون والعالم، لعلّ أهمها أسئلة: الحرب، والدولة، والاستقلال، والنظام الطائفي، والمواطنة المفقودة وسواها. ولا تنقصه الحيرة، كما لا يثنيه التأمل في أفق جديد للخلاص،
وهو ينظر في حال البنانيين وفي الأزمة وفي الحروب التي لم تنته بعد، عبر بيانين / مقالين، كتبهما بالتشارك والتشاور مع جملة من رصفائه من المثقفين اللبنانيين، عن اغتيال رفيق الحريري وتبعاته، وعن حرب تموز الأخيرة وتداعياتها وإرهاصاتها، على المستوى الداخلي اللبناني، والمستويين الإقليمي والدولي.
نقطة الانطلاق هي مفاعيل جريمة اغتيال الحريري، أي النقطة الحرجة التي أشرعت لبنان لرياح أزمة سياسية بالغة الخطورة، وكانت نذرها تتجمع منذ مدة طويلة، وأصابت العديد من اللبنانيين في أجسادهم أو في مساكنهم وأرزاقهم، وأنزلت ضرراً في منشآت ومصالح كثيرة.
وتحولت إلى أزمة واجهتها، بالنزول إلى الشوارع والساحات، كثرة من اللبنانيين، تنوعت مناشئها ومشاربها إلى حدّ خلت ذاكرة لبنان المستقل من نظير له. لكن وعي أصحاب البيان، دعاهم إلى التحذير من فخ استبدال هيمنة مدبرة بهيمنة مقبلة تنذر بالحلول محل الراحلة، فكان السؤال هو: كيف نصبح دولة مستقلة؟ وليس هو بحال كيف نبقى أرضاً وشعباً مباحين؟.
وقد اشتدت أزمة لبنان، التي لم تقف عن بعد بعينه، ما بين الموالاة والمعارضة لتسفر عن شارعين، أو مواجهتين، الأمر الذي كشف عن حال قصوى من الشقاق السياسي /الأهلي، على طول البلاد وعرضها. لكن الخطير في الأمر هو أن ينسب هذا الحال إلى هويات طائفية متقابلة ومتواجهة. هويات تنزع المواجهة بينها إلى تعديل الموازين الطائفية المنصوبة في لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية.
ويعمد بيضون ورصفاؤه إلى هذا التشخيص بغية إماطة اللثام عن الترجمة الفورية للنظام الطائفي، إذ عادة ما تفضي كل أزمة سياسية إلى تباشير خلل في الميزان الطائفي وإلى استنفار طائفة أو طوائف في وجه طائفة أو طوائف أخرى، حيث لم يحدث وأن انتهت أزمة سياسية إلى كتلة سياسية تقوى، ويُسلّم تفوقها،
وبأخرى تضعف ويُقبل تهالكها، بل فيما وراء المواجهة ما بين الكتل السياسية، هنالك على الدوام طائفة أو طوائف تقوى وأخرى تضعف. لكن العسف يجعل الغنم والغرم يشملان سواء بسواء من ينتمي إلى أبناء طائفة معينة إلى قوة سياسية رابحة أو خاسرة ومن لا ينتمي إلى القوة المذكورة، بأي وجه،
بل أيضاً من يناصبها العداء. ويفضي تحول الدولة من موقف إلى آخر في الصراع الإقليمي، إلى تهديد ما في يد هذه الطائفة وتعزيز ما في يد تلك من الحقوق والقدرة على تجاوز الحقوق والتمتع بثمار الباطل. والحاصل هو إفساح الطريق إلى استنفار جموع الطائفة خلف من ترى فيه حامياً للحق، وترى فيه، من وجه آخر، حامياً للباطل.
إن ما يقوي وجاهة هذا التشخيص الطائفي أسانيد عديدة، بالرغم من وجود بعض الأسانيد التي تحد من مطابقته واقع الحال اللبناني، والتي ضعفت مع الزيادة في حدة الاستقطاب الداخلي، وزيادة خطورة المواجهة، ونذر الانتقال نحو طور تعصى عواقبه على الضبط، ذلك أن أمد الأزمة اللبنانية المستحكمة قد طال أمره، وطاول أطراف عديدة،
داخل لبنان وخارجه، مع أن لبنان بحاجة إلى ضمانة من أهله وساسته ليسلم مغاضبة شعوب محيطة به هي اليوم في أقصى الغضب من التنمر الأميركي ومن التجبر الإسرائيلي، وأقربها إلى لبنان الشعبان السوري والفلسطيني، وبحاجة أكثر إلى اللقاء الوطني، لأن بناء سياسة دولة مستقلة تولدّ للبنانيين تحتاج إلى قاعدة عريضة من قوى هذه الدولة، وتحتاج إلى ما وراء ذلك إلى كسب الحرية في إدارة علاقات دولية متنوعة، وقائمة على الحساب الحر وعلى إكراه المصلحة لا على إكراه القوة.
وبخصوص حرب تموز الأخيرة، ينفرد أحمد بيضون في الموقف من الحرب، أو بالأحرى في الكتابة عنها، بوصفها عدواناً، أتى على أعمار غالية وأصاب بشراً في أجساهم، وأدمى نفوسهم، وهدفه الإجهاز على ثمرات التضحيات التي بذلها جيل من اللبنانيين، مجتمعاً ودولة، بعد حرب لبنان الماضية.
ويحدد الشرارة الأولى بخرق حزب الله الخط الأزرق عند عيثا الشعب وأسر جنديين إسرائيليين وقتل ثمانية. لكن الرد الإسرائيلي أطاح نظرية توازن الرعب بين إسرائيل والمقاومة الإسلامية إطاحة كلية، حيث ظهرت فداحة فقدان توازن الدمار إلى حد يجعل من تدمير لبنان تدميراً مفضياً إلى تمزيق كيانه الوطني مقابلاً راجحاً لتهديد إسرائيل تهديداً جاداً في أمنها. ولم يحصل حزب الله على مواجهة يستقيم، مع جني ثمارها،
أن تُحتوى عواقبها في أيام أو أسابيع قليلة بالقتال وبالسياسة، لأن إسرائيل اعتمدت جريمة الحرب المعممة على نطاق الوطن اللبناني من أقصاه إلى أقصاه، مع أن مقاتلي حزب الله دافعوا عن أرضهم وقراهم وبلداتهم دفاع البواسل. وأحيل ربع الشعب اللبناني إلى كتل بشرية لاجئة في بلادها وخارجها، فيما تمادت الإدارة الأميركية في تزكية العدوان وتمديد المهل، ويشهد تاريخ فلسطين وتاريخ العراق كذلك على إمعانها في الغدر والغزو والتحريض عليهما.
ويستنكر أحمد بيضون محاولات من يريد حصر اللبنانيين في أن يكونوا إما مع إيران وسوريا أو أن يكونوا مع إسرائيل وأميركا، واصفاً إياهم بأنهم ليس لهم نفوس تكفيهم ليكونوا مع أنفسهم، وبالتالي ليس لهم نفوس تكفيهم لمطالبة اللبنانيين بأن يكونوا مع أنفسهم، ولا اللبنانيون، في عينهم، من ذوي الأنفس بما هم لبنانيون. إنهم ليسوا موجودين في عين أنفسهم.
في النهاية، يعود أحمد بيضون إلى النظام السياسي اللبناني، من جانب الإصلاح السياسي، وإلى الصيغة التي قرنت الحصص الطائفية بحقوق الفيتو المتقابلة، إلى اتفاق الطائف الذي نُحر حين جعل الجانب الانتقالي منه أساساً لصيغة غير محددة المدة. فاكتفى بتعديل الأنصبة والصلاحيات وافترض الإجماع شرطاً باطنياً لعمل الهيئة الحاكمة، بينما كان الاتفاق يفرض السعي إلى تحرير مؤسسات الحكم والتمثيل والإدارة من التوزع بين متاريس الطوائف، و
يفترض كذلك أن يستحدث، على القاعدة الطائفية، مجلس للشيوخ يستوي مرجعاً في الشؤون المصيرية حصراً، أملاً في الخروج بصيغة الحكم من منطق المحاصصة الطائفية واختلاط السلطات وحقوق النقض المعممة إلى منطق الدولة المدنية الحديثة، منطق دولة القانون، منطق الضمانات المحدودة بالقانون، المانعة للتمييز بين المواطنين أو التفريط بحقوق جماعتهم ومصالحهم، وفي ذلك ما يحرر الحكم من مقايضة الشلل بالفساد، وما يجعله حكماً لجميع الناس.
إن ما يكتبه أحمد بيضون ينضح بالفكري البعيد الأفق، وبالعقلاني النقدي، وبالثقافي الحامل للهمّ العام، الإنساني والوطني، والباحث عن ممكنات دولة لا تنتهك سيادتها من الداخل أو الخارج، وعن أفق للخلاص من حالة الحرب والمواجهة والأزمة والخندقة.
ويشهد واقع الحال أنه حين يكتب المثقف، فإنه سيفترق عن السياسي - خصوصاً في الحالة العربية - الذي يستسيغ المراوغة والكذب، ويسوّغ، اجتزاء الحقائق وتزويرها أو قلبها أو طمسها أو إرجاء النطق بها. ذلك أن المثقف بعكس السياسي لا يدّعي تمثيل أحد أو التحدث باسمه أو الإنابة عنه، لذا فالمثقف شاهد على مرحلة ما أو على عصر ما، يفترض به عدم الاجتزاء رعاية لطرف أو لظرف ما، ولا يقلب ولا يرجئ النطق بحق يوجب النطق به، لأن قبوله بهذا كله يعني الذهاب مع شعبه إلى أقصى الكارثة كقطيع عميان.
عمر كوش
*الكتاب: هذه الحرب محنة لبنان المتمادية في بيانين
*الناشر:دار الساقي ـ بيروت 2007
*الصفحات: 68 صفحة من القطع المتوسط

