هناك انحياز فطري للتفاؤل لدى الناس، وهو ما يوسع فسحة العيش كلما ضاقت الحياة، وما يفسر أيضا رغبات أكثر من فطرية للنظر إلى المأساة من نافذة صغيرة لعل أملاً أو بصيص أمل يلوح في أفق ما.. منذ سنوات لم أكتب مقالاً متفائلاً أسوة بعدوى (ترى الوجود جميلاً) ربما لأنني لم أجد تلك النافذة التي تضيء مستقبل هذه الأمة، وخاصة بعدما وصل العطب إلى مفترق العجز واليأس.
وخلال تلك السنوات كلما التقيت بقارئ أو صديق قال لي إنك تكتب بيأس شديد وكأن العالم انتهى بالنسبة لهذه الأمة. وكنت أكرر دوما هذه اللازمة ليدلني أحدكم إلى ضوء في هذا النفق وسأدبج في مدحه مئات الصفحات.
ليس واقع الكتابة الصحافية أن تعدد محاسن الأحداث والأيام ومزايا الأشخاص، لأن هذا هو الطبيعي في الحياة، ولكن أن تكون الأمة ذات لون قاتم ومستقبلها غامض ولا يبشر، فهذه هي المأساة التي علينا أن نعطيها من مساحة الكتابة ما يناسب الانتباه، ويشد الرأي،
وخاصة المقارنات التي يجريها أي باحث أو محلل بين حال العرب قبل خمسين سنة وبين اليوم على جميع الأصعدة، والتي تحيله مباشرة إلى مستوى من اليأس لم تعشه أمة أو لم يحدث في مكان، لقد كان حال العرب أفضل قبل نصف قرن، وكلما أوغلوا في عصر التقنية الرقمية كلما تراجعت قيم المعرفة والجمال وارتفعت أسوار السجون، وزاد الحجر على الفكر، وضربت المرأة ستارا على عقلها وعاد بها المجتمع الذكوري إلى أيام الحرملك.
من واجب الكاتب أن يقول الحقيقة كما هي وليس أن يجملها ويلبسها ثوبا ليس لها، فالواقع حولنا يشي بما هو أسوأ من حقيقته، وهنا كان دور المثقف أن يقول كلمته بعيدا عن المحاباة والتدليس، كلمة تذهب إلى التاريخ وليس إلى عقول الصغار في مواقع القرار المعرفي سواء كانت مؤسسات أو أشخاصاً أو أصحاب تأثير، تلك الكلمة هي واجب الكاتب ولأجلها ينتصر العارف على الجاهل.
جهل أمتنا اليوم أكثر بؤسا من جهل الأمس، وقد انغلقت أمام العالم ولم تتقبل منه سوى ما تستهلكه، وتهاب ما تفكر به، ولأشد ما أغاظني رأي شاب في مقتبل العمر بالكتب الغربية التي يرى أنها كفر وجنس وأن الكتب العربية كتب تقوى وعبادة !
كيف لكاتب أن يسمع ذلك ويتفاءل أن أمته بخير، من أين جاء هذا الشاب بهذا الرأي البغيض، ومن أوحى إليه بذلك، أجزم أنه جاء به من إحدى مدارسنا أو من بيوتنا أو شوارعنا، أو من مكان يرى الحياة من ثقب إبرة.. ضيق لا يعيش فيه سوى أمثاله وباقي الأمم إلى زوال.
هل نحن بخير..؟!