بطل الرواية هيرفي جونكور يعمل في مهنة غير مألوفة. يشتري ويبيع بيض دود القز التي تنتج الحرير. «إنه العام 1861م. كان فلوبير يؤلف «سالامبو»، والكهرباء لا تزال فرضية من الفرضيات، وعبر المحيط، كان ابراهام لنكولن يخوض حربا لن يشاهد نهايتها».
جونكور البالغ من العمر، آنذاك، اثنين وثلاثين عاما يسكن بلدة (لافيلديو) في الجنوب الفرنسي مع زوجته هيلين، وهي امرأة ـ كما تصفها الرواية ـ «ممشوقة القوام، تتهادى في مشيتها، لها شعر طويل منسدل دوما على كتفيها، وصوت غاية في الجمال». ورغم أن والد جونكور توسم فيه ضابطا في الجيش الفرنسي، لكن القدر قاده إلى مهنة مناقضة، تماما، «ذات طابع ساحر، ونكهة أنثوية غامضة»، وهو أتقن أسرار المهنة الطارئة، فكان يتفادى الآفات التي كانت تفتك بمراكز تفقيس البيض الأوروبية عبر السفر بعيدا إلى سوريا ومصر للتزود بالبيوض السليمة. لكن آفة «الببرين» التي فتكت بالبيض الأوروبي امتدت إلى افريقيا كذلك، بل وصلت الهند، وكان لابد من حل بديل. هنا تظهر براعة بالدبيو، الرجل الذكي، الغريب الأطوار، الذي يعمل كذلك في المهنة. يقول لجونكور: «إذا أردنا البقاء على قيد الحياة. يجب أن نذهب إلى هناك. إلى اليابان»، وإذ يستفسر جونكور عن موقع هذا البلد الغريب، يرفع بالدبيو طرف عصاه، مشيرا إلى ما وراء سطح كنيسة البلدة: «من هناك وتواصل سيرك..إلى نهاية العالم». أرخبيل من الجزر عاشت لمئتي سنة مقطوعة، كليا، عن سائر المعمورة. تنتج أفخر أنواع الحرير في العالم.
خابت جميع المحاولات لخرق تلك العزلة اليابانية. فكر بالدبيو: «إن جزيرة لم ينجح أحد في أن يطأها طوال مئتي سنة على الأقل، هي جزيرة لن يصل إليها أي مرض». وهكذا ينطلق جونكور من بلدته نحو اليابان مجتازا أوروبا والسهوب الروسية وجبال الاورال وصولا إلى سيبيريا فالصين ومن ثم اليابان.
بعد مصاعب وعقبات كثيرة يلتقي بالزعيم المحلي هارا كاي الذي وجده جونكور في غرفة، «متربعا على الأرضية في زاويتها القصوى، يرتدي عباءة داكنة اللون، ولم يكن يتزين بأية مجوهرات. العلامة الوحيدة على سلطته، امرأة مستلقية إلى جانبه بلا حراك، رأسها في حضنه، عيناها مغمضتان،
وذراعاها مخبئتان في ثنايا ثوب أحمر فضفاض منتشر حولها مثل شعلة نار على بساط رمادي اللون. وكان هارا كاي يمرر أصابعه ببطء في شعرها كأنه يداعب قطة ثمينة، نائمة». يسرد جونكور قصته، بصدق، للرجل الأكثر مراوغة في اليابان،
وما يلفت نظره، أثناء الحديث، أن عيني تلك الفتاة لا تحمل التقطيبة الآسيوية، وإنهما مصوبتان عليه بتركيز مربك، كأنها كانت تحدق فيه منذ البداية حتى من تحت جفنيها المغمضتين». يحصل جونكور على مبتغاه. يحقق المعجزة، ويعود إلى بلدته حاملا لتجار الحرير البويضات السليمة، لكن تلك النظرة الصامتة، تشعل قلبه بلهيب نار لن ينطفئ أبدا.
تتكرر رحلات جونكور إلى الجزيرة النائية، وتتكدس الثروات لديه، ولدى أقرانه في المهنة، وإذ يسأله بالدبيو: كيف هي نهاية العالم، يرد: «غير مرئية». وهو جواب ينطبق أكثر على الحب الذي عصف بفؤاده. حب أشبه بملمس الحرير، فإن أنت لمسته تخال نفسك تقبض على لاشيء. تندلع الحرب في اليابان، ويظل جونكور مصرا، رغم التحذيرات، على رحلاته، فهو الآن يبحث عن المرأة ـ الطيف، لا عن الحرير.
وحين يستفسر منه بالدبيو عن سر تعلقه بذاك البلد البعيد، وإقدامه على مغامرة الوصول إليه، يعترف له بحبه الغامض هذا، مختصرا الحكاية بعدة كلمات تختزل حيرته، واستسلامه لغواية فاتنة، وقاتلة في آن: «لم أسمع حتى صوتها. إنه نوع غريب من الألم أن تموت حنينا إلى شيء لن تختبره قط».
تشعر زوجته بهذا المزاج الجديد، مزاج الحب، الذي بدأ يطغى على زوجها، فتصنع له الأمل إذ ترسل له رسالة باليابانية من تلك المرأة البعيدة التي يعشقها زوجها، «فأغلى ما تمنته من هذه الدنيا هي أن تكون تلك المرأة»، وعندما ترحل الزوجة المخلصة يكتشف الزوح والعاشق في آن، أن زوجته هي التي أرسلت له هذه الرسالة، عبر الاستعانة بمدام بلانش التي تتقن اليابانية وتعيش في بلدة قريبة من لافيلديو.
وهذا الاكتشاف يعيد إليه بعض التوازن، إذ «أمضى السنوات التالية من حياته ملتزما بنمط شفاف لرجل غني يقضي نهاراته وفق نظام من المشاعر المحسوبة. كان يشع منه الهدوء الذي لا يقهر لرجل متصالح مع نفسه». وصار يروي، على غير العادة، حكاياته ببطء لزواره فيكتشفون معنى الدهشة، بينما هو يرنو إلى السماء، ويرى فيها أشياء لا يراها أحد سواه. «المشهد الملغز لحياته كما عاشها بكامل خفتها».يتبع باريكو في سرد هذه الحكاية أسلوبا محببا،
ورشيقا يتوافق مع عذوبة المشاعر التي تنتاب البطل المغامر، ويتناسب مع دفء الفضاء الروائي الذي يرسمه، وبساطته. حوارات مقتضبة تأتي على شكل ومضات خاطفة، أو عبارات سريعة موحية، ووصف دقيق، متقشف ولمّاح. إشارات عابرة إلى حوادث تاريخية وقعت في ذلك الزمن البعيد. لاشيء يقال سدى في رواية تقتفي آثار حب موهوم تمتد من الجنوب الفرنسي إلى الأرخبيل الياباني البعيد.
ولا يثقل باريكو روايته بالخوض في الفوارق العرقية، والثقافية، والأخلاقية بين الجنوب الفرنسي وذلك الأرخبيل البعيد، بل هو يخفف روايته من كل ما يعكر صفوها، فيختار من المسرحيين ما يعينه على نحت تمثال للحب بالمفردات. إنه يروي قصة حب لا تشبه في شيء قصص الحب المعروفة، الخالدة في تراث الشعوب. لا يمكن مقارنتها بروميو وجولييت، على سبيل المثال. نحن هنا إزاء حب يتأجج عبر المسافات، يضيء القلوب فحسب، ولاشيء ملموسا يبرهن عليه في أرض الواقع.
وربما تنبع فرادة «حرير» الحاصلة على جوائز عدة، من كونها تتحدث عن الحب لا في شكله التقليدي، بل تغوص إلى أعماق النفس التي تختبر الحب من خلال نظرة متخيلة، أو ضوء صغير هارب يشع في ركن قصي، أو صوت يتهادى عبر الدروب. وفي كل هذه الحالات يراقب باريكو بطله بعناية تامة، فهو لا يظهره كأبله يطارد السراب، بل يقدمه كعاشق وقور كشف أسرار الحب، فغرق فيه، وراح يمني القلب بوصال لن يتحقق أبدا.

