كان عزوز بقاق وزيراً مفوضاً لشؤون تشجيع المساواة في الحظوظ (فرص العمل وغيرها) في حكومة دومنيك دوفيلبان الفرنسية الحالية حتى استقالته منها قبل أيام.. هو فرنسي من أصل جزائري كان والده قد هاجر من الجزائر بحثاً عن فرصة عمل في فرنسا..
وعرف ذلك الأب حياة قاسية جداً. كان أمياً لم يضع قدمه أبداً في المدرسة، كما يصفه ابنه المؤلف في هذا الكتاب والذي رأى النور في بيت متواضع بأحد الأحياء الفقيرة «خشابية بالأحرى».عزوز بقاق دخل المدرسة حسب رغبة والده الذي كان يردد على مسامعه باستمرار: «المدرسة يا بني تُطعم خبزاً»..
وقد حصل عزوز على شهادة الدكتوراه.. وقدم للمكتبة الفرنسية ما يزيد عن عشرين كتاباً من بينها «موسيقى المغرب» و«زمن القرى» و«أحمد من بورغونيا» و«سارقو الكتابات» و«أمي أصبحت نجمة»...إلخ. «خروف للذبح» كتاب صدر رسمياً يوم 11 ابريل 2007..
أما هذا العنوان فقد اختاره المؤلف من وحي مقولة سادت في فرنسا ورددها عدد من المسؤولين السياسيين، ومن بين هؤلاء نيكولا سركوزي المرشح القوي لرئاسة الجمهورية الفرنسية، والذي اختار المؤلف إحدى جمله كي تكون تصديراً للكتاب: هكذا ينقل المؤلف عن سركوزي قوله: ينبغي احترام قواعد فرنسا، أي لا تتم ممارسة تعدد الزوجات ولا يتم ختان الفتيات ولا ذبح الخرفان في البيوت (بمناسبة عيد الأضحى) مع احترام القواعد الجمهورية».
إنه عنوان يشير إلى «ذبح» المسلمين للخرفان في فرنسا بأحواض حماماتهم. تجدر الإشارة أيضاً إلى أن تأليف هذا الكتّاب كلّف صاحبه منصبه الوزاري وجرت محاولات عديدة من أجل منعه من الصدور، كما يشير عزوز بقاق نفسه.
ويأتي نشر هذا الكتاب في سياق دقيق فالانتخابات الرئاسية الفرنسية على الأبواب والقسم الرئيسي منه يتعلق بعلاقة مؤلفه مع نيكولا سركوزي، المرشح القوي للمنصب الرئاسي، ووزير داخلية فرنسا حتى فترة قريبة.. وكان عزوز بقاق قد أعلن انه يؤيد المرشح فرانسوا بايرو، مرشح تيار الوسط، متخلياً بذلك عما يسمى بـ «التضامن الحكومي» مع مرشح حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية الذي يتزعمه سركوزي وهو الحزب الحاكم أيضاً. هكذا رأى سركوزي في عزوز بقاق «عنصر تشويش» ضده.
في هذا الكتاب يعود عزوز بقاق إلى تجربته في المشاركة بالحكومة الفرنسية الحالية منذ بداية شهر يونيو 2005 عندما قال له دومينيك دوفيلبان رئيس الوزراء المكلف آنذاك بالهاتف: «عزوز، انا دومينيك.. إنني أجلب لك الهموم إذ قررت تعيينك وزيراً مفوضاً لتشجيع المساواة في الحظوظ.
وستكون مهمتك مرتبطة بي مباشرة.. إلى اللقاء غدا، ويذكر عزوز بقاق بفخر كبير يوم 14 فبراير 2003 عندما شاهد دومينيك دوفيلبان الذي كان آنذاك وزيراً للخارجية وهو يلقى كلمته على منبر الأمم المتحدة ضد حرب العراق. يقول: «لقد نظرت بإعجاب كبير ذلك الخطيب الذي إعطاني للمرّة الأولى في حياتي إحساساً عميقاً بالاعتزاز كوني فرنسيا..»
وكان اللقاء الشخصي بين الرجلين في شهر نوفمبر من عام 2003 في احد معارض الكتب الذي نال فيه دوفيلبان «جائزة ادبية» على مجموعة شعرية كان قد أصدرها. ويحكي عزوز بقاق كيف انه لم يعرف النوم في الليلة الأولى لتعيينه وزيراً مفوضاً وهو «ابن الفقير الذي ترعرع في أحد الأحياء الفقيرة وتغذى بالطبق الشعبي الجزائري ـ كوس كوس ـ المشرب بحليب الماعز».
لقد عرف أن المسألة ليست أن يرفل في أحضان الجاه والشهرة وإنما هي العمل في ظروف صعبة. يقول: «لقد احتل الخوف والقلق تفكيري في الحال»، ذلك أن الرهان كان هو نجاحه.. ويروي كيف انه لم يصدق نفسه وهو في طريقه للمرّة الأولى إلى قصر الاليزيه، مقر الرئاسة الفرنسية «الذي لم يكن قد رآه إلا في الصور».. حاول كثيراً أن يخفي قلقه إذ كان «يرتجف كورقة».
وهناك رأى نيكولا سركوزي «شخصياً» وليس على التلفزيون. وعند خروجه من القصر بعد «الصورة التذكارية» لأعضاء الحكومة مع رئيس الجمهورية جاك شيراك توجّه نحوه عشرات الصحافيين بالأسئلة عن أحاسيسه بالمنصب الوزاري.
يقول: «لقد تحدثت عن أجدادي، وقلت إنني أتذكر كثيراً أبي الذي توفي قبل ثلاث سنوات في مدينة ليون، كان أميّاً ولا يتحدث اللغة الفرنسية وأنه ربما ينظر لي الآن من السماء وأنا أخرج من قصر الاليزيه في هذا اليوم من شهر يونيو 2005، واعتقد أنه يزرف هو أيضاً دمعة فرح». بالطبع كان عليه يومها أن يشتري ثياباً تليق بالوزراء،
وقمصان بيضاء وربطات عنق.. أي ما كان لم يمتلك مثله من قبل، وعندما دخل للمرّة الأولى إلى مقر الجمعية الوطنية الفرنسية ـ قصر البوربون ـ وجلس في المقاعد المخصصة للوزراء أحس انه لم يعد «مشاهداً» من الخارج وإنما أصبح «دخيلاً» في ذلك «الديكور» الأسطوري. يقول: «كنت سعيداً لوجودي هناك في لوحة تاريخ فرنسا مباشرة».
وفهم عزوز بقاق، كما يقول منذ البداية أن أنظار الكثيرين تتجه نحوه، ترصده.. وكان عليه أولاً أن يكتشف «العالم الجديد» الذي يحيط به، والذي كان يجهله تماما.. ولطالما ترددت على رأسه فكرة واحدة وهي أن يخرج من ذلك المعتقل، الذي وجد نفسه به ويجري في شوارع المدينة ويلقى بزته في البحر ويخلع ربطة عنقه كي يحرره منها».
انه يصف مهمته الجديدة كما يلي: «سوف أتذكر طيلة حياتي يوم 2 يونيو 2005، إذ أصبحت آنذاك ممثلا، نهاراً وليلاً للعدالة وسلطنها، أنها سلطة هائلة. أحسست بالخوف. واعرف أنهم لن يغفروا لي أي خطأ ارتكبه الكثيرون رأوا بي وزيراً عربياً ووزير العرب. (...) لقد بدأت الهجومات على مواقع الانترنت. من قبل يهود متطرفين أولاً دون أن يعرفوني واعتدوا علي بتعليقاتهم لأنني عربي وبالتالي معادٍ لليهود بنظرهم».
ولا شك أن علاقة المؤلف ـ الوزير السابق مع نيكولا سركوزي» تشكل أحد المحاور الأساسية، بل ربما الجوهر، في هذا الكتاب، انه يعود للمرة الأول التي تناول بها طعام الإفطار الصباحي بدعوة من سركوزي في مبنى وزارة الداخلية.. بدا وافقاً آنذاك ان هناك خلافاً كبيراً في الآراء حول أوضاع المسلمين في فرنسا..
بل ولم يتردد سركوزي في أن يتركه بعد عشرين دقيقة من اللقاء، يقول عزوز بقاق: كنت اعتقد أننا سوف نمضي وجبة إفطار لطيفة، ولكن لا، أنا وزير يمكن تركه هكذا بلمح البصر.. أنا استحق ذلك ما كان علي أن أقبل الدعوة». أدرك عزوز بقاق، كما يقول: أنه شخص غير مرغوب به في الحكومة، «خروف مطلوب للذبح» منذ الفترة الأولى لوجوده فيها..
ويحكي كيف أن احد النواب في البرلمان من حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية، أي الحزب الحكم، بقيادة سركوزي، رفض أن يصافحه عندما وصل إلى أحد الاحتفالات وقال له: «أنا لا أصافح وزيراً يحتقر البرلمانيين». ولم يكن هناك من يدافع عنه، أو حتى من يشجب مثل ذلك السلوك الصادر حيال وزير من وزراء الجمهورية الفرنسية.
ويحكي بقاق أيضاً الكثير مما حدث له مع وزراء عديدين ليس أقلهم شأنا فيليب دوست بلازي، وزير الخارجية وجان لويس يورلو وزير العمل والشؤون الاجتماعية، وفي المحصلة كانت تتعزز لديه القناعة انه ليس في المكان المناسب وانه من الافضل له ان يبحث عن «مخرج» او ربما «يقفز بالمظلة»..
ولكن عندها سوف يقولون: «انظروا لقد اعطينا لابناء المهاجرين الذين لا يكفون عن الشكوى مكانا في الحكومة، لكنهم لم يكونوا على مستوى المسؤولية.. ولم يقاوموا امام ادنى هزة سياسية كما نقرأ. ويعود عزوز بقاق أيضاً إلى الحديث عن أحداث العنف التي شهدتها ضواحي المدن الفرنسية الكبرى في شهر نوفمبر 2005.. وهي الأحداث التي اطلق فيها سركوزي صفة «رعاع» باتجاه مجموعة من الشباب المحتجين.
كانت احداثاً عنيفة شهدت اعمال حرق وتكسير وتخريب عرضتها شاشات التلفزة في العالم اجمع، ويومها قال بقاق لصحيفة ليبراسيون: انه ضد تلك اللغة ذات النكهة القتالية. واحسست عندها انه ينبغي ان يترك الحكومة وعندما سأله احد الصحافيين اذا كان يريد فعلا الاستقالة لم ينف ذلك.. يكتب: لقد اجبت انني ارغب بالاستقالة كل ليلة وعند الصباح استيقظ واذهب بفرح إلى عملي وكي لا ادفع السرور إلى قلب اولئك الذين يريدون رحيلي ولا يترددون يصف نيكولا سركوزي بأنه «عدو».
لقد اثارت تصريحات عزوز بقاق حول العنف في الضواحي غضب نواب حزب الاتحاد من اجل حركة شعبية، الذي يترأسه سركوزي بل وهاجم البعض منهم دوفيلبان نفسه بسبب تصريحات وزيره وطالبوا صراحة باستقالته بسبب عدم استقامته مع خط الحكومة ويقول: إن سركوزي طالب منذ البداية بحرية التعبير، ومنذ ان يستخدم أحدهم هذه الحرية يستشيط غضباً منه. (...) هناك آلاف السيارات التي تحترق كل ليلة في ضواحي باريس وفي مدن المحافظات.
إن حربي ضد وزير الداخلية مفتوحة بطوع إرادتي». وكانت حرباً بالفعل إذ قاطعت الصحافة ووسائل الإعلام عزوز بقاق «كما يقول» بل ويؤكد أن صحيفة «الباريسي» المقروءة من كل شباب الضواحي لم تنشر مقابلة أجراها معه رئيس تحريرها،
بل ولم يفلح بعد عدة أشهر من الهواتف المستمرة أن يتحدث معه، بل ولم يتم ذكر اسمه في الصحيفة لمدة عام، بل يقول: «لقد تجرأت فقط على القول أنه ليس من المقبول شتيمة شباب الضواحي وانه سيتم تكنيسهم». وكانت العاصفة التي أدت إلى الاستقالة هي جملة قالها عزوز بقاق ان اسمه ليس عزوز سركوزي. لقد أثارت غضباً حاسماً لدى نيكولا سركوزي، وطلب رئيس الحكومة دوفيلبان من عزوز بقاق إصدار بيان صحافي يشير فيه انه لم يكن يقصد أن يقول ما قاله..
بل وطلب منه الحديث مع وزير الداخلية سركوزي، لكن كان هذا الأخير هو الذي اتصل به وقال له: «أنت مغفل! مخادع، حقير! سوف أكسر رأسك. أنت تسخر من اسمي عزوز سركوزي.. سوف أجعلك ترى أنا عزوز سركوزي، وتسخر من شكلي.. سوف أكسر رأسك. حقير مخادع».
*الكتاب: خروف للذبح
*الناشر: فايار ـ باريس 2007
*الصفحات:377 صفحة من القطع المتوسط
UN MOUTON DANS LA BAIGNOIRE
FAYARD - PARIS 2007
P. 377
