مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور ر. ج. كرامبتون أستاذ علم التاريخ المعاصر في جامعة اوكسفورد وأحد كبار المختصين ببلغاريا وتاريخها. وهو يقدم في هذا الكتاب صورة عامة عن أحوال هذا البلد ماضيا وحاضرا: أي قبل دخوله إلى الاتحاد الأوروبي مؤخرا وبعد دخوله. وبالتالي فالكتاب يشكل مرجعا عن بلغاريا من كافة النواحي: التاريخية، والسياسية، والاقتصادية، والدينية، والاجتماعية، الخ.

ومنذ البداية يقول المؤلف بما معناه: إن الجمهورية البلغارية هي إحدى دول أوروبا البلقانية. وهي تقع على شواطئ البحر الأسود شمال اليونان وتركيا وجنوب رومانيا. وأما من جهة الغرب فتحدها جمهورية صربيا وكذلك جمهورية مقدونيا. وقد انضمت منذ بداية عام 2007 إلى الاتحاد الأوروبي تماما كرومانيا.

ويمكن القول بأن بلغاريا هي من أقدم وأعرق حضارات أوروبا. فهي تقع على مفترق طرق الثقافات الأوروبية والآسيوية وبالتالي فقد اغتنت من كلتا الجهتين وجمعت بين حضارة الشرق وحضارة الغرب في آن معا. وقد شهدت بلاد البلغار تعاقب سبع حضارات على أرضها على مدار ألفين وخمسمائة سنة من التاريخ.

ففي البداية كانت بلغاريا مسكونة من قبل شعب يدعى بالتراسيين، وهم عبارة عن قبائل بدوية أو رعاة ومزارعين أو الكل دفعة واحدة. وقد تحدث عنهم المؤرخ الشهير هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد وأبدى إعجابه بحضارتهم.

ثم خلفهم الإغريق بعدئذ عندما احتلوا بلغاريا في القرن الرابع قبل الميلاد. وقد تأثرت بلغاريا بحضارتهم التي كانت من أرقى الحضارات في ذلك الزمان. فاليونان كانت آنذاك في عز مجدها، وكانت مركز العلم والفلسفة والعمران الحضاري.

ثم جاء بعدهم الرومان الذين نشروا إمبراطوريتهم في مناطق واسعة من الأرض. وخلفوا وراءهم آثارهم وفنونهم وقوانينهم وعصارة حضارتهم. وسرعان ما خلفهم البيزنطيون. وأصبحت بلغاريا عندئذ مسيحية وسلافية في آن معا. فقد نشر البيزنطيون فيها عقيدتهم المسيحية كما فعلوا مع كل البلدان المجاورة. وأشعوا على العالم من القسطنطينية التي أصبحت اسطنبول لاحقا.

ثم يردف المؤلف قائلا: وفي عام 1240 ضعفت السلطة المركزية كثيرا في بلغاريا بسبب غزو التتار لها. وانقسمت عندئذ إلى مملكتين اثنتين متناحرتين. ولذا فلم تعودا قادرتين على مواجهة الغزو العثماني الذي احتل البلاد على مرحلتين: عام 1393 وعام 1396.

ولا ريب في أن الاحتلال التركي يمثل بالنسبة للبلغاريين الفترة الأكثر ظلاما وتعاسة في تاريخهم. نقول ذلك وبخاصة أنه دام خمسة قرون متواصلة !وهي أطول فترة احتلال يشهدونها. لقد استمر من عام 1396 إلى عام 1878. طيلة كل تلك الفترة أصبحت بلغاريا أحد أقاليمهم الإمبراطورية العثمانية تماما مثل سوريا، أو مصر، أو مقدونيا، الخ.

ثم يردف المؤلف قائلا: لقد دمر الأتراك معظم الكنائس في بلغاريا وبنوا محلها الجوامع، ووجهوا بذلك ضربة موجعة للشخصية الدينية والقومية لبلغاريا التي كانت شديدة الارتباط بعقيدتها المسيحية والأرثوذكسية. ولا تزال آثار هذا الاحتلال ماثلة في ذاكرة البلغاريين حتى اليوم. ولذلك فهم يخافون عندما يسمعون بكلمة ترك، أو أتراك، أو عثمانيين، أو حتى إسلام ومسلمين. فالذكريات الأليمة لذلك التاريخ لم تمح من أذهانهم حتى اليوم.

ولكن بلغاريا انتفضت ضد الاحتلال العثماني في القرن التاسع عشر كما فعلت بقية الأقاليم المحتلة بما فيها الأقاليم العربية والإسلامية. واستطاعت أن تتخلص من نير العثمانيين في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. ومعلوم أن الإمبراطورية العثمانية كانت قد ضعفت كثيرا آنذاك ولم تعد قادرة على تهديد أوروبا بجيوشها الجرارة كما كان يحصل سابقا.

ولذلك تجرأت الأقاليم المختلفة في التمرد عليها لنيل حرياتها واستقلالها واسترجاع هويتها اللغوية في حالة العرب أو الدينية في حالة البلغار وبلاد البلقان. وهكذا انتهت مرحلة من أقسى المراحل في تاريخ بلغاريا لكي تبتدئ مرحلة جديدة. ولكنها سرعان ما وقعت تحت هيمنة إمبراطورية أخرى لا تقل استعبادا لها، هي الإمبراطورية السوفييتية الشيوعية.

وقد استمرت من عام 1947 وحتى عام 1990، تاريخ سقوط الاتحاد السوفييتي. وعندئذ أصبحت بلغاريا دولة حرة لأول مرة في تاريخها. ودخلت في مرحلة جديدة هي المرحلة الديمقراطية التي تتميز بحرية الصحافة وتعددية الأحزاب السياسية والقبول بالتناوب على السلطة بشكل سلمي. وعندئذ أصبح الشعب البلغاري لأول مرة في تاريخه هو الذي ينتخب حكامه أو يسقطهم من خلال العملية الديمقراطية الحرة.

ولهذا السبب قبل الاتحاد الأوروبي بدخولها إليه في الأول من يناير عام 2007، أي هذا العام بالذات. ولكن ينبغي القول بأن هناك وشائج قوية تجمع بين البلغاريين والروس والصرب وأولها اللغة السلافية. وأما ثانيها فهو المذهب الارثوذكسي. وهذا ما يقرب بينها وبين اليونان أيضا.

ثم يجمع بينهما بقوة الكره المشترك للمستعمر السابق، أي للأتراك. فصورة التركي هناك سوداء ومرعبة جدا. وهذا الأمر ينطبق على كل أوروبا في الواقع. ولهذا السبب فإن الاتحاد الأوروبي يؤجل في كل مرة دخول تركيا إليه. إنه يماطل باستمرار وسوف يظل يماطل لفترة طويلة.

ثم يردف المؤلف قائلا:ينبغي العلم بأن عدد سكان بلغاريا يقارب الثمانية ملايين نسمة، وأن مساحتها تزيد قليلا على مئة ألف كيلومتر مربع أي عشر مرات مساحة بلد كلبنان. وأما العاصمة صوفيا فيبلغ عدد سكانها مليونا ومئتي ألف نسمة.

وفيما يخص الدين نلاحظ أن 86 بالمئة من سكانها مسيحيون على المذهب الأرثوذكسي ولكن توجد أقلية إسلامية لا يستهان بها إذ تبلغ نسبتها 13 بالمئة من العدد الإجمالي للسكان. وأما النظام السياسي فهو الآن برلماني، ديمقراطي، تعددي. لقد انتهى عهد الحزب الواحد والقائد الأوحد منذ سقوط الشيوعية.

وأما من الناحية القومية فإن العنصر البلغاري السلافي يشكل أغلبية السكان بنسبة 85 بالمئة. ولكن هناك أقليات عرقية وقومية أخرى كالغجر، والأرمن، والأتراك، والتتار، والمقدونيين. ويمكن القول بأن الأقلية التركية هي أكبر الأقليات في البلاد لأنها تشكل حوالي العشرة بالمئة من العدد الإجمالي للسكان، وهم من بقايا العثمانيين الذين ظلوا في بلغاريا حتى بعد زوال الإمبراطورية أو السلطنة التركية.

وهم يتمركزون في منطقة واحدة شرق البلاد. وقد كان التعايش صعبا بين البلغار والأتراك على مدار التاريخ. وقد وصفه أحد المؤرخين بأنه يشبه التعايش بين الماء والنار! ولكن الأمور تحسنت نسبيا فيما بعد بفضل التطور والتقدم الذي تحقق في البلاد.

والواقع أن التعايش كان سائدا حتى قرر الزعيم الشيوعي جيفكوف عام 1984 تغيير الأسماء التركية لكي تصبح بلغارية بالخالص. وعندئذ ثار الأتراك على هذا القرار ونزحوا عن البلاد بمئات الآلاف. ويقال بأن عدد النازحين بلغ حوالي الأربعمئة ألف نسمة. وكلهم توجهوا نحو الوطن الأم: تركيا.

ولكن تركيا رفضتهم فاضطروا للعودة إلى بلادهم، وعرفوا عندئذ أن لهم بلدا واحدا هو بلغاريا. وبعد زوال الشيوعية والسماح بتشكيل الأحزاب السياسية نظم الأتراك أنفسهم في حزب واحد يدعى، حركة من أجل حقوق أتراك بلغاريا وحرياتهم. ويقود هذا الحزب الفيلسوف أحمد دوغان الذي يتمتع بشعبية واسعة في أوساط جماعته. ويشكل النواب الأتراك حاليا الكتلة الثالثة من حيث الأهمية داخل البرلمان البلغاري.

*الكتاب:بلغاريا

*الناشر: مطبوعات جامعة اوكسفورد 2007

*الصفحات :450 صفحة من القطع الكبير

Bulgaria

Oxford University Press2007

p. 450