نيكول باشاران مؤرخة وكاتبة سياسية فرنسية، أخصائية بالتاريخ والمجتمع الأميركي الحديثين. لها العديد من الكتب كان آخرها بالاشتراك مع انطوان صفير تحت عنوان «الأميركيون والعرب: المواجهة» ـ قدمه «بيان الكتب» في أحد أعداده السابقة ـ و«هل ينبغي الخوف من أميركا؟» و«تاريخ السود الأميركيين في القرن العشرين»، و«صباح الخير أميركا»، الخ.
«لماذا نحن بحاجة للأميركيين؟» كتاب ينبئ عنوانه عن مضمونه. أما «نحن» فالمقصود بها «الفرنسيون». وتشرح المؤلفة سبب «حاجتهم» للأميركيين في خمسة فصول تحمل العناوين التالية: «فرنسا وفانتازيا القوة الكبرى» و«هل القارات جانحة حقا؟» و«الولايات المتحدة: خيانات القوة العظمى» و«التوتاليتارية القادمة» وأخيرا: «من أجل نزعة أطلسية جديدة».
تعود مؤلفة هذا الكتاب أولا إلى الخوض في تاريخية العلاقات الأميركية ـ الفرنسية. وتركز على شرح الدور الأميركي خلال الحرب العالمية الثانية حيث تؤكد أن «الفضل» في التحرير يعود بقسم كبير منه إلى الجنود الأميركيين الذين تمّ إنزالهم على شواطئ النورماندي الفرنسية.
وتطرح في هذا السياق السؤال التالي: وماذا لو لم يكن الأميركيون موجودين؟ كانت هناك «حاجة لهم» ولا تزال هناك «حاجة لهم»، تقول المؤلفة، وتكرر بل و«تصرخ» على قاعدة التأكيد أن «الجيل الجديد» في أميركا كما في فرنسا هو أمام «تحديات وتهديدات جديدة».
ما تشير إليه المؤلفة، وتعتبره نقطة انطلاق في تحليلاتها هو قولها أن «الأميركيين قد أصبحوا بالنسبة لعدد من الفرنسيين بمثابة أعداء»، وذلك على خلفية ما تصفه ب«الفانتازيا» الفرنسية حول «الاختلاف» أو ما يسمّى ب«الاستثناء الفرنسي». هذا «الاستثناء» الذي يدفع «هؤلاء الفرنسيين» إلى الاعتقاد أنهم هم الذين يمتلكون «الوصفة الصحيحة» للديمقراطية، وبالتالي يمتلكون «جوهر القوة» في مواجهة القوة العظمى الأميركية.
تقول المؤلفة: «أريد أن أعلن كم يمثل هذا الاستثناء الجيوسياسي الفرنسي وهما خطيرا، وأريد أن أبيّن أن فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، رغم الاختلافات الكبيرة بينهما، تشتركان في تبنّي نفس القيم، وفي مقدمتها حقوق الإنسان، وأنهما تواجهان نفس التهديدات وفي مقدمتها التطرف الوليد».
ثم تضيف: «أتمنى أن لا تفهومني خطأ، ليس المقصود هو صدام الحضارات ونزاع بين شرق وغرب أو بين مسيحية وإسلام، إنما المقصود هو شكل جديد من المواجهة في جميع القارات بين أولئك الذين يصبون إلى العيش بسلام في كنف دول القانون وبين المتطرفين المأخوذين بالعنف والسلطة».
إن المؤلفة لا تبحث عن نفي «الخصوصيات» و«التباين» بين أميركا وفرنسا، ولا بين مختلف البلدان فيما بينها. ذلك أن الواقع يؤكد وجود طموحات متمايزة ، بل وجود حالة من التنافس حتى بين الأصدقاء في أميركا وأوروبا. إن «خط الفعل الحقيقي لا يقسم بين البلدان والجنسيات والأديان وإنما يفصل بين التطلع للحرية والعدالة من جهة والبربرية من جهة أخرى».
ولا تتردد مؤلفة هذا الكتاب في القول أن أميركا ليست النموذج ـ الموديل ـ القدوة، لكنها ومهما كانت لا بد من دورها من أجل مجابهة الكثير من التهديدات القائمة أو الكامنة. وتضع المؤلفة في مقدمة هذه التهديدات «حالة الفوضى القائمة في الشرق الأوسط»
و«الصعود المنذر لليمين المتطرف على صعيد القارة الأوروبية كلها» و«النزوعات النووية في آسيا، خاصة في إيران» و«خطر المجازر في إفريقيا» والجنوح الممكن لفلاديمير بوتين». هذه التهديدات وغيرها تدعو الفرنسيين، والأوروبيين عامة، إلى تفادي «سوء الفهم والتفاهم» مع الولايات المتحدة الأميركية، كون أن الجميع في خندق واحد.
وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب لا تتردد في تأييد الموقف الذي اتخذته فرنسا حيال الحرب الأميركية ـ الانجليزية الأخيرة على العراق، فإنها تحذّر من خطر «انطواء أميركا على ذاتها بعد نهاية مغامرة بوش». هذا «الانطواء» يعادل في تحليلاتها إمكانية جنوح الإدارة الأميركية القادمة إلى نوع من «اللامبالاة».
وبنفس الوقت تعلن عن قناعتها أنه «لن تكون هناك حماية وتقدم لدولة القانون والعدالة دون التزام أميركي نتمناه عاقلا وقويا ومستمرا». وتخلص من هذا إلى القول: «علينا أن نعيد بناء أسس تحالف قوي بين القطبين ـ الأميركي والأوروبي ـ ونسعى إلى اختراع نزعة أطلسية جديدة منفتحة ومتنورة ومتوازنة. نعم نحن بحاجة للأميركيين وهم أيضا بحاجة لنا».
وتناقش المؤلفة على مدى العديد من صفحات كتابها كيف أن فوز الديمقراطيين الأميركيين بأغلبية النواب في الكونغرس، وذلك ك«عقاب» لنزعة المغامرة لدى إدارة جورج دبليو بوش، قد أدّى إلى فتح أفق أوسع وأرحب للتعاون بين القارئين من خلال «العودة القريبة لأميركا ذات نزعة تدخلية أقل جموحا».
لكنها تفتح قوسين هنا لتشير إلى أن الفوز بأغلبية الكونغرس لا تعني أبدا الفوز في الانتخابات الرئاسية عام 2008، وعلى الديمقراطيين أن «يصيغوا برنامجا» ويجدوا «زعيما أو زعيمة». تقول المؤلفة: «إن أولئك الذين يشجبون اليوم إمبريالية أميركا قد يتأسفون غدا من لا مبالاتها».
بكل الحالات، لا يبدو احتمال عودة أميركا إلى تبني «سياسة العزلة» التي عرفتها خلال القرن التاسع عشر واردا، وذلك لسبب رئيسي هو أن الولايات المتحدة لها تداخلاتها الاقتصادية المتشعبة في عالم العولمة الراهن ولن يكون من الميسور «فك ارتباطها» به.
ثم إن أميركا لن تتخلّى، حسب التحليلات المقدّمة، عن «ضمانات» حماية بعض الدول وفي مقدمتها إسرائيل وكوريا الجنوبية وتايوان، لأسباب مختلفة. ربما أن «انخراط» أميركا في شؤون العالم سوف يقل، وعندها ستجد القارة الأوروبية نفسها على الخط الأول «غدا» في مواجهة التحديات الجيوستراتيجية.
وترى المؤلفة أنه بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001، وحرب العراق 2003، برزت في فرنسا نزعة العداء لأميركا. وتشير في هذا السياق إلى كتاب المؤرخ فيليب روجيه الصادر عام 2002 تحت عنوان: «العدو الأميركي». هذه النزعة،
كما يتم تقديمها، هي نوع من ترجمة «وسواس» قديم و«رؤية» فرنسية تتخذها من الصورة التي رسمها الفرنسيون لبلادهم «العريقة» و«العظيمة». هنا تتساءل المؤلفة: «هل فرنسا قوة عظمى؟ وتجيب: »لقد كانت كذلك على مدى فترة طويلة من الزمن. المشكلة هي أنها لا تقبل أنها لم تعد كذلك». ولا تقبل أيضا واقع أنها قد فقدت الكثير من «المصداقية».
ويتم التعرض في هذا السياق إلى دور فرنسا في منطقة الشرق الأوسط، وذلك على قاعدة محاولة الإجابة عن السؤال التالي: «هل فرنسا زعيمة تحالف أوروبي ـ عربي؟». إنها ليست كذلك، تقول المؤلفة، وتدلل على ذلك بواقع أن بلدان أوروبا الشرقية والوسطى أظهرت أنها «ذات ميول أطلسية» أثناء السنوات الأخيرة، خاصة حيال الحرب على العراق.
ثم إن البلدان العربية تبحث عن اللقاءات المباشرة مع أميركا في أية مفاوضات، وتعطي غالبا وزنا «متواضعا» للتصريحات الفرنسية. أمّا «العالم المسالم» الذي تقول به فرنسا وتؤكد على ضرورة بنائه فإنه أقرب منه إلى «الوهم» مما هو إلى «الواقع». المطلوب هو أولا، حسب رؤية المؤلفة، تكريس «طقوس الحوار» أمام جميع الأزمات.
وترى أن الحوار مطلوب أساسا، وخاصة، بين الخصوم ذلك أن «السلام لا يقام بين أصدقاء». وعلى الديمقراطيات أن تتفاهم فيما بينها ف«الكوكب الذي نعيش عليه أصغر وأكثر هشاشة من أن تسمح الديمقراطيات بحدوث انقسامات فيما بينها».
وفي هذا السياق تصل المؤلفة إلى نتيجة مفادها أنه «ينبغي على فرنسا وأوروبا أن تعلنا بوضوح وفاءهما للقيم المشتركة وللتحالفات وتصميمهما على ممارسة مسؤولياتهما». وذلك كله في منظور تحقيق أكبر قدر ممكن من «الحياة والحرية والسعادة المستمرة» كما كتب توماس جيفرسون في مقدمة دستور الاستقلال الأميركي.
وترفض المؤلفة المقارنات «المتحيزة» التي يقول بها العديد من الفرنسيين عندما يرون في تعدد الأحزاب السياسية في فرنسا تعبيرا أكثر ديمقراطية من ثنائية «الجمهوريين والديمقراطيين» المسيطرة في أميركا. أو عندما يقولون ان فرنسا «مثقفة» بينما أميركا «جاهلة»،
وأن الظلامية الدينية تسيطر على 90 بالمائة من الأميركيين بينما أن الأرجحية هي للعلمانية في فرنسا. بل والمقارنة بين «بربرية» أميركية و«تضامن» فرنسي. وإن فرنسا ذات نموذج جمهوري بينما يقدم النموذج الأميركي على أساس «الطوائف والأعراق».
كل هذه المقولات الفرنسية ترى المؤلفة أنه «لا معنى لها». وتدلل على تطور المجتمع الأميركي بتقديم الكثير من الحجج، مثل إحصائية تقول ان 13 بالمائة من السود الأميركيين كانوا ينتمون إلى الطبقة الوسطى عام 1965 أما اليوم فإنهم يشكلون 66 بالمائة من هذه الطبقة،
أو مثل القول: «من يستطيع أن يتظاهر، في فرنسا، ويحمل صور الديكتاتور صدام حسين مثلما فعل مناهضو الحرب في أميركا عام 2003؟ ثم كم من المسؤولين الأميركيين قد تعرّض لعقوبات صارمة لأنه كذب وهو «تحت القسم». وهل يمكن قول نفس الشيء بالنسبة لفرنسا؟
وماذا عن أكاذيب جورج دبليو بوش فيما يخص حجج شن الحرب على العراق؟ لقد «انخدع»، تقول لنا المؤلفة عندما تبنّى أفكارا بسيطة وتبسيطية وغير قابلة للتحقق مثل «صياغة شرق أوسط كبير وجديد». ولو أنه «نجح» كان النفط العراق يباع الآن في الأسواق، ولمصلحة العراقيين. «علينا أن لا نلقي أميركا ومعها جورج دبليو بوش»، هذه هي رسالة هذا الكتاب.
*الكتاب: لماذا نحن بحاجة للأميركيين؟
*الناشر:سويل ـ باريس 2007
*الصفحات: 135 صفحة من القطع المتوسط
Pourquoi nous avons besoin des Américains ?
Seui -Paris 2007
p.135

