ريجيس دوبريه، أحد أشهر المفكرين الفرنسيين المعاصرين، بدأ سنوات شبابه مناضلا يساريا. ترك فرنسا وحياتها «البورجوازية» كي يعيش مع ثوار أميركا اللاتينية. هناك تعرّف على تشي غيفارا وفيدل كاسترو وأمضى عدة أشهر في السجون بسبب نشاطاته الثورية المحظورة.
عمل لفترة من الزمن مستشارا لشؤون أميركا اللاتينية لدى الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران. تفرّغ بعد ذلك للكتابة حيث أولى في السنوات الأخيرة اهتماما خاصا بدور وسائل الإعلام في المجتمعات الحديثة. ألّف ريجيس دوبريه حوالي أربعين كتابا في الفكر والسياسة والأدب والفلسفة من بينها «الثورة في الثورة»
و«السلطة الفكرية في فرنسا» و«نقد العقل السياسي أو اللاوعي الديني» و«حياة الصورة وموتها» و«من أجل الفن» و«الدولة الجذابة» و«على جسر افينيون»، وهذا كتاب عن المسرح. ومن رواياته: «غير المرغوب به»، الخ.
فرنسا هي بلاد «عصر التنوير»، خاصة في القرن الثامن عشر، «قرن التنوير» كما يطلقون عليه. لكن رغم هذا كله تعود اليوم إلى المسرح تعابير وممارسات كان قد ساد الاعتقاد أنها قد أصبحت «محنّطة» في متحف التاريخ. بكل الأحوال كانت غائبة عن «إنسان التنوير»
حسب تعبير ريجيس دوبريه الذي يشير في مقدمة كتابه: «الأنوار التي تعمي» إلى بروز عدة ظواهر اجتماعية جديدة مثل مشاهدة نصف مليار نسمة لمباريات كرة القدم وقيام ستة ملايين شخص سنويا بزيارة ضريح للعذراء في بلدة «لورد» الفرنسية طلبا ل«الشفاء» من الأمراض المستعصية، وذلك على خلفية القناعة أنها قامت بمعجزات من هذا النوع، وأمثلة أخرى كثيرة تدل بمجملها على نوع من «استقالة الذكاء».
إن ريجيس دوبريه يؤكد على مدى صفحات هذا الكتاب أنه تجري عملية تزييف وتضليل كبيرة ضد أفكار عصر التنوير ولكن باسم هذه الأفكار تحديدا. ثم إن شعارات كبيرة يتم رفعها باسم «العلم والعدالة والحرية»، ولكن يكفي «التمعن فيها عن قرب» كي يراها على حقيقتها.
وما يؤكده دوبريه أن الشعارات لا تكفي ولا الاحتماء وراء أفكار التنوير من أجل كسب المعارك الراهنة. وإنما ينبغي التأقلم مع معطيات العصر إذ «لا يمكن لأي إنسان أن يقفز فوق زمنه»، حسب تعبير ريجيس دوبريه. هذه القاعدة المتمثلة في التأقلم مع العصر يطبقها المؤلف على ضرورة مواجهة أشكال التطرف اليوم مثلما تمّت من قبل مواجهة غيرها من تطرف الماضي.
ويتساءل: «كيف يمكن اليوم الانتصار في حرب دون أقمار صناعية وأجهزة استخبارات ومراقبة دقيقة لما يجري على الأرض؟». إنها معطيات العصر الضرورية. تضاف لها ضرورة معرفة العدو في كل الأحوال. وينقل في هذا السياق عن أهم منظّر إستراتيجي في تاريخ الصين «صن تسو» قوله: «اعرف عدوك كما تعرف نفسك وسوف تكسب مائة معركة».
لكن احتقاره والسخرية منه «سوف يدفع السرور في نفسك لكنك سوف تخسر الحرب». هكذا يتم تفسير انتصار الولايات المتحدة على «إمبراطورية الشمس المشرقة»، أي اليابان، عام 1944 تعود إلى اعتمادها على دراسات تخص الحالة الذهنية اليابانية من الداخل.
ثم ماذا أنتجت أفكار التنوير على صعيد دفع النزعة الإنسانية إلى الأمام؟ هنا يشير المؤلف إلى المجازر والمجاعات والمذابح الجماعية التي تشهد بلدانا عديدة في العالم، وذلك على قاعدة عدم قبول الآخر، بل محاولة إبادته وإزالته من الوجود عبر إلباسه ثياب العدو.
مع كل ما يتنافى هذا مع مبدأ حرية البشر وتساويهم في الحقوق والواجبات. ثم ماذا جلبت مكتسبات قرن التنوير على صعيد التقدم؟ يجيب المؤلف أنها انجزت الكثير ولكنها أنجزت أيضا «آلات التدمير والقتل» و«غرف الغاز». كما أن «الحداثة ليست مجرد القضاء على الملاريا وزيادة متوسط عمر الإنسان ثلاث مرّات خلال قرن واحد». ما يؤكّد عليه المؤلف أن المطلوب هو «رؤية للعالم تقبل تعددية أقطاب الواقع والخيال وأيضا تلاقي الأضداد».
إن ريجيس دوبريه ينطلق في العديد من شروحاته بالاعتماد على «أحداث» راهنة لها علاقة ب«عصر التنوير». هكذا يضم الكتاب عددا من الصفحات بمناسبة المعرض الذي ضمّته المكتبة الفرنسية الوطنية الجديدة - مكتبة فرانسوا ميتران- في عام 2006 تحت عنوان «الأنوار! إرث من أجل الغد». ولماذا إشارة التعجب؟ يتساءل دوبريه.
هل هي صرخة لطلب الإنقاذ؟ أم هي دعوة للانضباط؟ اعتراف بالمديونية أم إعلان عن التعبئة؟ وتساؤل آخر من قبل المؤلف عن سبب كتابة تعبير «عد يا فولتير» على خلفية كل صفحة من صفحات «الكتاب الذهبي» الخاص بالمعرض؟ ما أراد منظمو هذا المعرض قوله هو أن «فكر الأنوار يشكل أساس هويتنا الحديثة». وما يفنّده المؤلف هو الأسس التي تقوم عليها «نزعة الحنين إلى الماضي وتمجيده» والتي تستطيع تعبئة الجماهير الشعبية حولها.
لا ينكر دوبريه بالطبع أهمية أفكار عصر التنوير «القرن الثامن عشر» وما نجم عنها من «تكسير للقيود» التي كانت تكبل حياة البشر. لكنه يرى أن شعار «الأنوار! إرث من أجل الغد» وجعله مثل «منارة» للاسترشاد بها، إنما يعني إهمال «هيروشيما وحربين كونيتين وآلاف المجازر» تدل كلّها أن أفكار التنوير «لم تفِ بوعودها».
وعلى أولئك الذين قد يقولون أن العيب ليس في «الأفكار» وإنما في الممارسة» يجيب ريجيس دوبريه: «ربما يميل المرء للتفكير أنه بمقدار ما تحسّنت شروط هيمنتها على الأشياء -بما في ذلك على الجسد الإنساني بواسطة الطب- زادت لدينا نزعة استعباد بعضنا للبعض واقتتالنا».
ويعود مؤلف هذا الكتاب إلى «حدث» كبير آخر عرفه عام 2006 وتمثل في بطولة كأس العالم لكرة القدم التي شهدتها ألمانيا. إنه يتحدث أولا عن العديد من قراءاته التي يندد أصحابها ب«طغيان الرياضة» و«أفيون كرة القدم» و«الطاعون الانفعالي على مدرجات الملاعب».
وغير هذا من التوصيفات التي تصب كلها فيما عبّر عنه أحدهم، وينقله المؤلف، عندما قال: «إن الشرور كلها تتعاظم بينما ينحسر الفكر»، وذلك على قاعدة منطق يرى أن «حالات الهستيريا» التي تساعد عليها «وسائل الإعلام والرأسمالية المالية» وما ينجم عن هذا من «انفلات أشكال البغض على قاعدة انتماءات الهوية والنزعات القومية» إنما تعود كلها إلى «انهيار قيم عصر التنوير».
هنا أيضا لا يبدي المؤلف «قسوة أقل» حيال ما أنتجه عصر الأنوار على صعيد تنامي الروح الفردية بل و«النزعة الإنسانية» لدى المجتمعات التي تبنّت أفكاره كمرشد لها. إن البشر لم يعودوا يذهبون كثيرا إلى حضور «قدّاس يوم الأحد» أو إلى «سوق القرية» أو إلى الاحتفالات العامة.
وبالتالي: «ماذا يقترح مجتمعا مصنوعا من الجدران والحواجز والأبواب الموصدة بالمفاتيح كي يقدم لأبنائه بعض ساعات من المرح؟» يتساءل المؤلف. مثل هذه الحالة من «العزلة» هي التي تدفع الناس للجلوس ساعات أمام أجهزة التلفزة، والتعبير عن «الانفعال» لمدة ساعة ونصف أمام ما يجري على أرض ملعب كرة القدم.
بهذا المعنى يرى دوبريه أن «كرة القدم تصنع رابطة»، بل و«رابطة ذات طابع ديني»، و«من هنا تأتي طقوس التمجيد لزين الدين زيدان الذي يوحّد العواطف حوله». لكنه يردف القول بأنها رابطة «لا غد لها» وأنها مجرد تعبير عن هوية جماعية، عن «نحن» عابرة... ولا تحمل في عمقها أية «ذكرى» دائمة أو أي «أمل».
هنا أيضا يرى «ريجيس دوبريه» أن القرن الثامن عشر «قرن الأنوار» يبدو وكأنه أنتج «فراغا تاريخيا» يتم التعبير عنه اليوم بازدهار «ألعاب الصدفة والحظ» وألعاب «الإثارة الجنسية» بينما ضاق هامش ألعاب القوة والمهارة. ثم إن «الأنا» الفردية قد تضخّمت على حساب «الأنا» الجماعية، وذلك كله باسم «حرية الفرد».
ويحكي مؤلف هذا الكتاب أنه تلقى ذات يوم «في علبة بريده» كُتيّبا حول «تعليم الفلسفة للصفوف النهائية» في المدارس الثانوية، تحت عنوان «الفضيلة تجعل المرء سعيدا والمعرفة تجعله حرا». وهذا ما رأى به إرادة الجمع و«إيجاد علاقة مباشرة بين تاريخ الحقيقة وتاريخ الحرية».
لكن وبعيدا عن الشعارات «الجميلة» يرى أن ما هو سائد اليوم تترجمه مقولة «الغاية تبرر وسائل تحقيقها» وليس «الفضيلة والحرية». والسعادة السائدة لا تتغذى من «الفضيلة» وإنما بالأحرى تتأسس على مفهوم «السعادة الفردية» وأتباع الغرائز.
كتاب يوميات وأحداث ووقائع وقراءات يرمي مؤلفه، الفيلسوف والمفكر، إلى المساعدة على «إمكانية التوجه أفضل في الظلام، أو على الأقل بصورة أقل سوءا»، حسب أحد تعابيره. وكأن حال لسانه يقول: «أيتها الأنوار كم يُقترف باسمك من آثام».
*الكتاب: الأنوار التي تعمي
*الناشر:غاليمار ـ باريس 2006
*الصفحات:204 صفحات من القطع المتوسط
Aveuglantes lumières
Gallimard- Paris 2006
P.204
