قام بتأليف هذا الكتاب المؤرخ والباحث الفرنسي المعروف كلود ليوزو، وهو أستاذ مادة التاريخ المعاصر في جامعة السوربون. وكان قد نشر سابقا عدة كتب لفتت الانتباه نذكر من بينها: (الاستعمار، حق الفرز) ثم «العنف والاستعمار، لكي ننتهي من حروب الذاكرات المختلفة والمتضادة»، «صراعات في حوض البحر الأبيض المتوسط» الخ.

وبالتالي فهو من كبار الاختصاصيين الفرنسيين في شؤون الاستعمار والعلاقات التاريخية القائمة بين أوروبا من جهة والعالم العربي الإسلامي من جهة أخرى. ولذا فإنه يستعرض في كتابه الجديد هذا قصة الصراعات التاريخية التي جرت بين الطرفين على مدار ثلاثة عشر قرنا من الزمن، أي منذ فتح إسبانيا ومعركة بواتييه جنوب فرنسا وحتى اليوم.

ولكنه يركز اهتمامه على الجانب الثقافي من الصراع التاريخي بين العالم المسيحي والعالم الإسلامي. ومنذ البداية يقول المؤلف بما معناه: إن شبح الإسلام يخيّم على الغرب، وشبح الغرب يخيّم على الإسلام. فكل طرف يخشى الطرف الآخر ويشك في نواياه ويكرهه. وهذا الكره قد يتحول إلى حرب فعلية في بعض الأحيان.

وهذا ما حصل أثناء فتح إسبانيا من قبل المسلمين، أو أثناء الحروب الصليبية بعدئذ، أو أثناء الهيمنة التاريخية للإمبراطورية العثمانية على مناطق واسعة من أوروبا وبلاد البلقان، أو أثناء الفتوحات الاستعمارية في القرن التاسع عشر بعيد حملة نابليون بونابرت على مصر، أو أثناء حملة السويس والعدوان الثلاثي، أو أثناء الحروب العربية الإسرائيلية التي تعتبر بشكل من الأشكال امتدادا لكل ما سبق لأن إسرائيل جزء من الغرب ومدعومة من قبله بشكل مطلق تقريبا.

ثم جاءت ضربة 11 سبتمبر لكي تشعل كل هذه العداءات التاريخية من جديد وتفتح حقبة جديدة شاملة في تاريخ الصراع. وفي هذا الجو راح بعضهم يتحدث عن صراع الحضارات وليس فقط عن صراع الجيوش أو الصراع العسكري أو السياسي.

ثم يردف المفكر الفرنسي قائلا: ثم يردف كلود ليوزو قائلا:إن هذا الكتاب يهدف إلى الكشف عن الصورة التي شكلتها كل حضارة عن الأخرى على مدار القرون. إنه يجيب على السؤال التالي: كيف كانت نظرة الغرب المسيحي لعالم العرب والإسلام؟

وكيف كانت نظرة العالم الإسلامي لأوروبا المسيحية؟ وهل طرأت متغيرات ما على هذه النظرة أثناء الانتقال من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة أم لا؟ وماذا كان رأي كبار المفكرين في هذه الجهة أو تلك؟ هذه هي بعض الأسئلة التي تريد طرحها والإجابة عليها.

ولذلك قسمنا الكتاب إلى اثني عشر فصلا مع مقدمة وخاتمة. أما الفصل الأول فيتخذ العنوان التالي: هل 11 سبتمبر ناتج عن حرب الحضارات أم أنه سيؤدي إليها؟ بمعنى آخر: هل يعني هذا الحدث الضخم الذي هزّ العالم أن العلاقات المتبعة مع العرب والمسلمين ستكون قائمة على قاعدة الحقد والانتقام والصراع المستمر؟ وهنا يتحدث المؤلف عن الأبعاد الرمزية الضخمة لضربة 11 سبتمبر.

كما ويستعرض رؤيتها من جهة العرب والمسلمين، ثم من جهة الغرب نفسه. وبعدئذ يدرس الصورة العامة التي يشكلها الأمريكان عن العالم. فما هي رؤيتهم للمسلمين يا ترى؟ أو للعرب؟ وكيف اهتزت هذه الرؤيا بعد 11 سبتمبر؟

أما الفصل الثاني من الكتاب فيطرح الموضوع على هيئة السؤال التالي: هل نعيش حرب حضارات يا ترى حاليا؟ وهنا يناقش المؤلف أطروحة صراع الثقافات أو الحضارات كما بلورها صموئيل هنتنغتون في كتابه الشهير. ومعلوم أنه أخذها عن المستشرق الكبير برنارد لويس الذي كان قد تبناها منذ عام 1964.

ثم يفصل المؤلف الحديث بعدئذ عن مفهوم الحضارة قبل أن ينتقل إلى دراسة مفهوم ثقافة الحرب. ثم يواصل المؤلف حديثه في الفصل الثالث عن نفس الموضوع ويطرح السؤال التالي: لماذا ابتدأ المثقفون بالتشكيك بالمستشرقين؟ وما معنى ذلك؟ و لا يقصد المثقفين العرب هنا وإنما المثقفين الغربيين أنفسهم.

فقد طلع جيل جديد من الباحثين في العلوم السياسية كجيل كيبل، وأوليفييه روا، وبرينو ايتيان وآخرين وراحوا يشككون بأبحاث كبار المستشرقين الذين سبقوهم ويقولون بأنهم لم يعرفوا أن يتنبأوا بانفجار الحركات الأصولية وأنهم قدموا صورة ناقصة عن المجتمعات العربية من خلال أبحاثهم الأكاديمية.

ولذا فإن هؤلاء الباحثين الشباب انخرطوا في دراسات ميدانية معمقة عن الحركات الأصولية والإخوانية في مصر وسوريا والمغرب العربي، الخ. وهذا ما أهمله الباحثون الذين سبقوهم من أمثال جاك بيرك، وارنالديز، ورودنسون وسواهم.

ثم ينتقل المؤلف في الفصل الرابع من الكتاب لكي يتحدث عن أديان الكتاب والأفكار التأسيسية وبخاصة فكرة الجهاد في الإسلام، أو فكرة الحرب المقدسة في المسيحية. فالصراع قديم وقد ابتدأ منذ ذلك التاريخ. وكل طرف يدعي أنه يحارب باسم المقدسات الدينية.

أما الفصل الخامس من الكتاب فمكرس لدراسة الموضوع التالي: البحر الأبيض المتوسط بصفته حدودا فاصلة بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي. ولكنه يمثل أيضا صلة وصل وليس فقط حجابا حاجزا أو قطيعة بين الطرفين. فنحن جميعا نتعايش على كلتا الضفتين. الغربيون يقعون على الضفة الشمالية الغربية، ونحن المسلمون على الضفة الجنوبية الشرقية.

أما الفصول السادس والسابع والثامن والتاسع فمكرسة كلها لدراسة المسألة الأساسية التالية: التحدي الذي شكلته الحداثة الغربية للمجتمعات الإسلامية. فالغرب سبق العرب إلى الحداثة بقرون عديدة. وعندما ذهب إلى بلادهم غازيا فاتحا مع نابليون فاجأهم بكل هذه الحداثة العلمية والتكنولوجية. لقد صدمهم أو حتى صعقهم بالمعنى الحرفي للكلمة. وكان ذلك في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر.

أما الفصول الثلاثة الأخيرة من الكتاب فمكرسة لدراسة العلاقات الراهنة بين العالم العربي الإسلامي من جهة، والعالم الغربي العلماني الديمقراطي الحديث من جهة أخرى. وهو هنا يقترح كحل للصراع أن ينخرط كلا الطرفين ليس فقط في حوار الثقافات العلمانية وإنما أيضا في حوار الأديان. فلا سلام في العالم بدون سلام بين الأديان. وهنا تقع مسؤولية كبرى على رجال الدين والمتنورين العقلانيين الوسطيين من كلا الطرفين.

*الكتاب:إمبراطورية الشر ضد الشيطان الأكبر

*الناشر:أرمان كولان ـ باريس 2006

*الصفحات: 356 صفحة من القطع الكبير

Empire du mal contre le Grand Satan

Armand Colin- Paris2006

P.356