مؤلف هذا الكتاب هو الباحث ادموند موريس المختص بتاريخ الموسيقى عموما وحياة بيتهوفن على وجه الخصوص. ومعلوم أنه يعتبر أكبر موسيقار في تاريخ البشرية إذا ما استثنينا موزار بالطبع. منذ البداية يقول المؤلف بما معناه: ولد بيتهوفن في بون بألمانيا عام 1770 أي في السنة التي ولد فيها هيغل.
ومات في فيينا عاصمة الإمبراطورية النمساوية عام 1827 وعمره سبعة وخمسون عاما فقط. ويمكن اعتبار أعماله الموسيقية بمثابة حلقة الوصل بين المرحلة الكلاسيكية والمرحلة الرومانطيقية من تاريخ الموسيقى. وقد أثر بيتهوفن على الموسيقى طيلة القرن التاسع عشر بل وحتى بدايات القرن العشرين.
ويرى بعض الاختصاصيين بأنه ككبار الشعراء يصعب تصنيفه. فلا هو كلاسيكي ولا هو رومانطيقي ولا هو حديث: إنه الكل دفعة واحدة، إنه يمثل الموسيقى الأبدية الخالدة. وقد قال عنه أحد أصدقائه المقربين هذه العبارة التي ذهبت مثلا: أنت تذكّر بشخص له عدة رؤوس، وعدة قلوب، وعدة أرواح دفعة واحدة.
والواقع أنه تنطبق على بيتهوفن تلك العبارة التي تقول وراء كل ذي عاهة جبار! فبيتهوفن كان أطرش أو قل أصيب بالطرش لاحقا. وقد شكل له ذلك أزمة كبيرة إلى درجة أنه كان مضطرا للتواصل مع أصدقائه الذين يجلسون أمامه كتابةً.
وهكذا ملأ عشرات الدفاتر بالأسئلة والأجوبة: إنها دفاتر المحادثات الشهيرة في مقاهي فيينا الرائعة. ومن تتاح له زيارة المدينة حاليا يجد فيها مقهى باسم بيتهوفن، إنه مقهى رائع عريق يحرص معظم السياح على زيارته والتبرّك بذكرى ذلك الموسيقار العبقري الذي ملأ الدنيا وشغل الناس.
ثم يردف المؤلف قائلاً: لقد ولد بيتهوفن في عائلة متواضعة ولكن تهتم بالموسيقى منذ فترة طويلة نسبيا. فجده كان موسيقارا وكذلك أبوه. وقد ترك عليه ذلك أثرا بالطبع. وقد اكتشف والده مواهب طفله الموسيقية منذ الصغر فراح يهتم به ويعلمه ويدربه على الآلات الموسيقية.
وراح يفكر بالمجد الذي حصل عليه موزار قبل خمسة عشر عاما من ذلك التاريخ فأخذ يؤمّن لولده كل الظروف المناسبة لتفتح عبقريته الكامنة في أعماقه. ثم قدمه إلى بلاط أحد الأمراء الألمان الذي أعجب به وقبل بأن يكون حاميه وراعيه.
ومعلوم أن الأدباء والشعراء والموسيقيين كانوا آنذاك بحاجة إلى دعم السلطة من أجل أن يستطيعوا مواصلة أعمالهم وكشوفاتهم العبقرية. هذا ما حصل لموزار، ولغوته، ولباخ، ولعشرات الآخرين.ثم تعرف ببيتهوفن عام 1784 وكان في الرابعة عشرة من عمره فقط على أحد الأمراء الذي اصطحبه معه إلى فيينا عاصمة الفن والجمال والفكر في ذلك الزمان. وكان لهذا الأمير تأثير كبير بل وحاسم على مستقبل بيتهوفن.
وفي فيينا يقال إنه أتيح لبيتهوفن أن يتعرف على موزار في لقاء سريع، ولكن الشخص الذي سيؤثر عليه كثيرا ويساعده فعلا على تفتح عبقريته هو موسيقار مهم في ذلك الزمان ولكنه لم يعد مشهورا الآن ويدعى «هايدن». فهذا الشخص هو الذي استلم بيتهوفن بعد موت أمه عام 1787 ثم غرق والده في الكحول والشراب عام 1789.
وبالتالي فلم يعد هناك أحد لكي يهتم به أو يصرف عليه. وهنا شاء القدر أن يرسل له هذا الشخص لكي ينقذه من الموت أو الضياع المحقق. ويبدو أن العناية الإلهية أرسلته لكي يحافظ لنا على عبقري مثل بيتهوفن. وهكذا غادر بيتهوفن مع هذا الشخص بون وضفاف نهر الراين عام 1792 لكيلا يعود إليها أبدا. لقد ذهب إلى فيينا لكي يجرب حظه فيها وينال الشهرة والمجد لاحقا.
وقد تنبأ له أحدهم بما يلي قائلا: عزيزي بيتهوفن، إنك تسافر إلى فيينا لكي تحقق لنا أمنية عظيمة ألا وهي خلافة موزار الذي لا نزال نقيم عليه الحداد بعد رحيله الفاجع وهو في الخامسة والثلاثين من عمره. إننا بحاجة إليك لكي تعزينا عن موت موزار قبل الأوان، ونحن واثقون أنك تحمل في جوانحك روح موزار أو لعلك تلقيتها هدية من يد صديقك هايدن. أنت الوحيد القادر على خلافة موزار.
وهكذا كان فبعد سنوات معدودات استطاع بيتهوفن أن ينسي الناس موزار، أن يعزيهم عن غيابه. بعد أن ابتدأت سيمفونياته الرائعة تظهر شعر الناس بفرح شديد وقالوا بينهم وبين أنفسهم: لا، لم يمت موزار، لأن الله رزقنا بموزار جديد: إنه بيتهوفن أكبر عبقرية موسيقية في هذا العصر وربما في كل العصور.نقول ذلك وبخاصة أن هايدن هذا كان أستاذ موزار أيضا، وهو الذي ساعده على تفتح عبقريته أيضا.
ولكنه لم يستطع أن يقيم علاقات صداقة حميمة مع بيتهوفن كتلك التي أقامها مع موزار. لماذا؟ لأن بيتهوفن كان فوضويا وعنيدا في آن معا. لم يكن يفعل إلا ما يريد.ولذلك خاطبه هايدن أستاذ الأساتذة قائلا: عندك مواهب كبيرة يا بيتهوفن، وسوف تكون عندك مواهب أكبر وأكبر.
وربما توصلت إلى أشياء في عالم الموسيقى لم يتوصل إليها بشرٌ قط. ولكنك صاحب نزوات كثيرة ولا تخضع لقواعد الموسيقى. إنك تريد أن تخضع القواعد العامة لنزواتك الشخصية وليس العكس. ما أصعب التعامل معك يا بيتهوفن! ولكن على الرغم من كل هذه العلاقات الشخصية الصعبة والمضطربة بين بيتهوفن وأستاذه إلا أنه اعترف لاحقا بمديونيّته له ومدى تأثيره الإيجابي عليه.
ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن بيتهوفن لم يكتف بتعلم الموسيقى والعزف على مختلف آلاتها كالبيانو وسواه. وإنما راح ينهل من الثقافة العامة لأن الموسيقار غير المثقف لا يمكن أن ينتج أعمالا عبقرية. فالموهبة وحدها لا تكفي. ولهذا السبب راح يقرأ الكلاسيكيين الإغريق، وشكسبير، وزعماء الحركة الرومانطيقية الألمانية كالأخوين شليفل، ثم غوته وشيلر.
وقد أثروا على أعماله الموسيقية تأثيرا حاسما فيما بعد.ثم اطلع بيتهوفن على شعراء ومفكري الفلسفة المثالية الألمانية من أمثال هولدرلين وهيغل وكانط، الخ. وقد هذبت هذه الأفكار طباعه الخشنة فأصبح دمثا أكثر.ومعلوم أن بيتهوفن كان من أتباع فكر التنوير والثورة الفرنسية ومضادا للعصر الإقطاعي الرجعي المستبد القديم.
ومعلوم أيضا أن هذه الأفكار كانت قد ابتدأت تنتشر في أوروبا آنذاك انتشار النار في الهشيم.والواقع أن نابليون بونابرت كان قد غزا ألمانيا وبقية أنحاء أوروبا عندما كان بيتهوفن في عز الشباب. وقد حمل معه إلى تلك البلاد أفكار الثورة الفرنسية وشعاراتها الداعية إلى تحقيق الحرية والمساواة والإخاء على وجه الأرض.
وكل هذه الأفكار الجديدة انعكست بطبيعة الحال على شخصية بيتهوفن وأعماله. من هنا الطابع التحرري الكبير لموسيقاه وسيمفونياته العظيمة. وقد أخذ يتردد في تلك الفترة على السفارة الفرنسية في فيينا حيث التقى بشخصيات عديدة مقربة من نابليون.
ثم توصل بيتهوفن إلى الشهرة والمال والجاه العريض في السنوات التالية. وحقق كل أمانيه التي أخرجته من حالة الفقر المدقع نهائيا. ولكن بما أن لكل شيء عظيم ثمناً فإن بيتهوفن أخذ يشعر بالصمم منذ عام 1796: أي وهو في السادسة والعشرين من عمره فقط. ولكنه كان طرشا جزئيا في البداية. ثم سرعان ما تزايد وتضخم حتى أصبح كليا عام 1820.
وقد آلمه ذلك كثيرا وجرحه في العمق. ولكن ماذا يفعل؟ هذه هي ضريبة الشهرة والمجد. وأكثر ما كان يؤلمه هو أنه لم يعد يستطيع سمع حفيف الأشجار والرياح أو زقزقات الطيور حول فيينا حيث كان يختلي بنفسه. بل ولم يعد يستطيع أن يسمع حتى موسيقاه الخاصة ولا تصفيق الناس له بعد أن ينتهي من عزفها.
*الكتاب:بيتهوفن
*الناشر:هاربر كولينز - نيويورك لندن 2007
*الصفحات :256 صفحة من القطع الكبير
Beethoven
Harper Collins- New York 7002nodnoL
652.p

