مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور محمد الدعمي حاصل على دكتوراه الفلسفة في الأدب الإنجليزي، وله مؤلفات عدة منها «انتصار الزمن: دراسة في أساليب معالجة الماضي في الفكر الإحيائي» و «المتغير الغربي.. الشرق، الاستشراق، أدب الصحراء» و«الإسلام والعولمة: الاستجابة العربية الإسلامية لمعطيات العولمة».
واذا كان الاستشراق قد قتل بحثا على صعيد عالمنا العربي والإسلامي فإن هذا الكتاب يهدف إلى شيء من التخصص والتخصيص في جهد دراسة ونقد الاستشراق، بديلا عن الخطوط العامة التي قدمها إدوارد سعيد في كتابه حول الموضوع وسواه من الكتاب العرب والمسلمين.
والإضافة التي يقدمها المؤلف هي تقديم دراسة تفصيلية تقرأ نصوص الاستشراق والخيال الاستشراقي على نحو التحديد من ناحية وإلقاء الضوء على آثار كبار مشكلي الرأي العام الغربي في تقديم وتسويق صورة معينة لشرقنا العربي الإسلامي من الناحية الثانية. ويتناول الدكتور الدعمي موضوعه بتقسيمه إلى جزأين الأول يتضمن أطرا نظرية وتاريخية فيما يتناول في القسم الثاني العديد من التطبيقات لهذه الأطر.
وفي إطار استعراضه لنشأة الصورة السلبية عن الإسلام والمسلمين في الغرب يؤكد المؤلف على أنه من السذاجة بمكان الاعتقاد الذي يسود بعض القراء بأن فكرة الغرب عن العرب والإسلام تتجذر في العصر الذهبي للتوسع الاستعماري الأوروبي فقط إبان القرن التاسع عشر بخاصة،
معتبرا أن مثل ذلك الاعتقاد يغض النظر عن حقبة كاملة من تاريخ أوروبا الذي بقي يمور بالأفكار الخاطئة والتصويرات المشوهة حول هذا الموضوع الحساس الذي تتزايد أهميته اليوم على نحو خاص نظرا إلى الدعوات المعاصرة والمتعددة للتلاقح والتناغم والتفاهم الثقافي بضمن ما يشاع عن دعوات لحوار الحضارات.
وعودة إلى الماضي البعيد يستعرض الدعمي جذور الصورة السلبية عن الإسلام في العقلية الغربية والتي بدأت بشعور أوروبا حسبه أنها محاطة بعالم إسلامي شديد المراس عسكريا وهو ما انعكس في التوكيد على السيف الإسلامي في الأدبيات الأوروبية في القرون الوسطى، حيث تمت كتابة معظم التواريخ الأوروبية المبكرة للإسلام تحت ظل هذا الخوف من الطاقات العسكرية العربية الإسلامية.
وعزز ذلك التحدي الفكري الذي مثله العالم الإسلامي حيث كانت أهم أسماء العصر الوسيط في المنطق والجغرافيا والكيمياء والفلسفة والطب وغيرها من العلوم أسماء إسلامية في الغالب ابن سينا وابن رشد والفارابي والكندي وغيرهم.
فضلا عن ذلك يشير المؤلف إلى أن الحذر الغربي غالبا ما كان ينطلق من غياب قنوات التواصل بين العالمين الإسلامي والأوروبي وهي حال آلت إلى انتشار الجهل وضعف المعرفة الأمر الذي وصل إلى حد التمسك بأفكار نمطية عديدة منها اعتبار ظهور الإسلام غضبا الهيا على عالم مسيحي متشرذم طائفيا يعاني عدم تمسك المسيحيين بدينهم وبكنيستهم.
غير أن الحملات الصليبية كانت على ما يذكر المؤلف محطة لمراجعة التراث ومن خلالها أدركت أوروبا أن الإسلام دين خارج نطاق الوثنية وأنه دين توحيدي كما انها كانت المرة الأولى في تاريخ حركة تسجيل التاريخ الأوروبي للإسلام والعرب التي شهدت التعامل مع النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه رجلا صادقا ومخلصا في عقائده.
فضلا عما سبق فقد تم استخدام الإسلام فيما بعد في أوروبا كسلاح ذي حدين اذ تم استخدامه أداة في الصراعات الطائفية في أزمنة الهدوء والسلام عبر مناطق الثغور والحدود مع العالم الإسلامي ولكنه كان في أزمنة المجابهات العسكرية مع الأمم المسلمة سببا في جمع وتوحيد الفرقاء الأوروبيين بغض النظر عن طوائفهم وصراعاتهم الداخلية.
بعد ذلك يستعرض المؤلف نماذج محددة تعكس وجه الاستشراق وفي هذا الصدد يشير إلى همفري بريدو ( 1648 -1724) والذي اتخذ موقفا معاديا وحذرا نحو الإسلام من خلال كتابه «الطبيعة الحقيقية للدجل» وفيه يدعي أن الله تعالي قد خلق الإسلام كعقوبة للمسيحيين الشرقيين
بسبب ما طرأ على كنيستهم من انشقاقات في عصر ظهور الرسالة الإسلامية ولهذا يوحي المؤلف بوجود موازاة تاريخية بين المسيحية الشرقية التي استحقت عقوبة الرب وبين المسيحية الأوروبية في عصره بسبب ما تعاني منه من الانشقاقات والتشرذم الذي قد يقودها إلى مواجهة المصير ذاته.
وبعد همفري جاء سايمون أوكلي (1678 - 1720) ليستعرض تاريخ الخلافة كمؤسسة وفي كتابه تاريخ العرب ظهر هؤلاء رجالا عظاما حققوا أفعالا مهمة كأي شعب يحيا تحت هذه السماء ومع أوكلي برزت على السطح ظاهرة مهمة في تاريخ التأريخ الأوروبي للعرب والإسلام وهي ظاهرة الإعجاب المتنامي بالعرب والإسلام وبمنجزهما التاريخي وبخاصة في الحقل العسكري.
ثم جاء بعد ذلك جورج سيل (1680 - 1736) والذي لم يحد عن أسلوب الإعجاب بالإسلام وإن كان من خلال أسلوب مغلف بالقذف. وحسبما يشير المؤلف فقد جاءت كتابات سيل لتفنيد الرأي الغربي الشائع الذي يفيد بأن عرب ومسلمي عصر الرسالة كانوا جموعا من اللاهثين وراء الشهوات والنهب ويعده المؤلف أول رجل أوروبي أرسى أسس المداخل العلمانية الحديثة في التعامل مع الإسلام.
ثم صار الماضي العربي الإسلامي جزءا جوهريا من التاريخ الكوني مع المؤرخ جيبون من خلال كتابه «تدهور وسقوط الإمبراطورية الرومانية».. لقد قادت ذهنية جيبون المتشربة بكراهية الكنيسة ومقاومة الروح الدينية في اوروبا إلى أسلوب استغلال الإسلام
كأداة لمهاجمة جميع النظم الدينية والعقائد المنزلة على نحو شامل فبدلا من الإساءة إلى الإسلام بوصفه دينا منافسا للمسيحية كما جرت العادة سابقا تعمد جيبون التعامل معه مكافئا لها هذه المرة باعتباره تواصلا للتقليد الديني المسيحي التوحيدي السامي الذي بدأ مع اليهودية.
ثم يتطرق المؤلف إلى تبلور الاستشراق على النحو الذي آل اليه خلال القرن التاسع عشر.. لقد كانت هذه الفترة عصر النهضة الاستشراقية والتي كانت عبارة عن نوع من اليقظة تجسدت في إطلاق تيار ثقافي غربي قوي يرنو لاكتشاف الشرق معلنا نهاية النهضة الأوروبية.
لقد حطمت هذه النهضة الاستشراقية الجديدة الخيال والخيلاء الغربي الذي طالما راود الأوروبيين في كونهم حضارة ذاتية الاعتماد من خلال الكشف عن حضارات عظيمة دفينة تحت الأتربة خارج أوروبا لم تكن أقل شأنا وتشكيلية في تكوين أوروبا ذاتها عن سواها من الحضارات الأوروبية الكلاسيكية.
وعلى هذا يشير الدكتور الدعمي إلى أن الأعوام الأولى من القرن التاسع عشر شهدت تحولا حاسما في النظرة إلى الإسلام عكست ربما للمرة الاولى في التاريخ الغربي صراعا مستعرا بين الآراء الأوروبية الموروثة من العصر الوسيط
من ناحية وبين الآفاق الواسعة والمتفتحة التي أفرزتها طرائق تسجيل التاريخ العلمية والنقدية من الناحية الثانية. وخلال هذه الفترة أصبح طلب المراجع العربية والمخطوطات شيئا أشبه ما يكون بالجنون أو الحمى بين المستشرقين على نحو خاصة.
وعلى ذلك شهد عصر الثورة الصناعية تصاعدا غير مسبوق في حقل الكتابات التاريخية الجديدة حول الشرق العربي الإسلامي استجابة لدافعية معرفية وإدراك الذات من خلال المقارنات والمقاربات مع الآخر وقد حظيت الخلافة بأهمية خاصة في هذا المضمار اذ كتب ديفيد برايس أربعة مجلدات بعنوان استرجاع حولي أو استذكار للأحداث الرئيسية في التاريخ المحمدي كما اضطلع جون مالكوم بتأليف تاريخ بلاد فارس
وهو تاريخ يتصل بقوة بتاريخ الخلافة العربية الإسلامية كما سجل أنطونيو كوند عام 1820 تاريخ «الهيمنة العربية» على إسبانيا. ولأن هذه الأعمال التاريخية ركزت على مراحل العداء والاحتكاكات العسكرية بدلا من مراحل السلام والتلاقح الثقافي فإنها أخفقت في إلقاء الضوء الموضوعي الجديد على أعظم حدث في التاريخ العربي وهو ظهور الإسلام وشخصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
وفي إطار التطبيقات يقدم لنا المؤلف قراءة في أعمال عدد من المستشرقين والكتاب الغربيين بشأن الإسلام ومنهم الكاردينال نيومان وقرءاته الإكليريكية للإسلام في التاريخ. ومن خلال كتابه تصويرات تاريخية يظهر الموقف العدائي جليا ضد الترك وهو موقف ينطلق من ظروف أحداث القرم بين الإمبراطورية العثمانية وروسيا والتي أدت إلى تدخل بريطاني.
ويتكرس الفهم المغلوط لدى نيومان من خلال ما نراه تأكيدا على تبرير انتشار الإسلام من خلال التأكيد على الطبيعة العسكرية للفتوحات العربية المبكرة في الأقاليم المجاورة، وإن كان نيومان ينصف العرب في نصيبهم من الإنجاز الفكري ويعترف بجوانب معينة من إسهامهم الثقافي.
وبعد ذلك يعرض المؤلف لكوامن الرغبة بتأنيث الشرق واستشراق ريتشارد بيرتون منتقلا إلى الوعي الأميركي بالعرب والإسلام. وهنا يشير إلى وراثة أميركا كامل أدبياتها وما رافقها من أفكار ومفاهيم وتصويرات خاطئة عن الشرق العربي الإسلامي تراثه وإنسانه وثقافته.
ويذكر المؤلف أن الاستشراق الأميركي بدأ رسميا خلال القرن التاسع عشر من خلال تأسيس الجمعية الشرقية الأميركية عام 1842 غير أنه يشير إلى أن هذه الجمعية لم تكن حكرا على العلماء فقط فعلى الرغم من انتماء أكاديميين محترفين اليها من أمثال كورنيلس فيلتون وإدوارد سالزبري يلاحظ المرء أن التركيبة الطاغية على عضوية الجمعية كانت من حصة رجال الدين التبشيريين.
ومن هذه الإطلالة العامة على الاستشراق الأميركي ينتقل إلى نموذج له ممثل في واشنطن أرفينغ (1783 - 1859) مشيرا إلى أن تقييما دقيقا لكتاب «محمد وخلفاؤه» يجعل من الصعب وضع أرفنغ مجرد تابع ذيلي لتيار أوروبي معاصر كما يدعي البعض على الرغم من استثماره لنخبة من الأبحاث الأوروبية المعاصرة.
ويقرر المؤلف أن دراسة دوافع ارفنغ واشنطن لن تخفق قط في الاستدلال على غياب الدوافع السياسية العاجلة كالمسألة الشرقية الملحة حينذاك لأن هذا الدافع كان يحتكر الاستشراق الأوروبي المصلحي بفعل وهن وترهل الدولة العثمانية وتسابق الكولونياليات الأوروبية لتقاسم أوصالها.
وفي معرض تقديم رؤية ختامية يتساءل المؤلف عما اذا كانت التواريخ الاستشراقية مفيدة ام لا؟ ويجيب مؤكدا على فائدتها ليس فقط لأنها تعكس صورة ماضينا من خلال منظور مختلف أو منحاز أو مضاد ولكن كذلك لأن اختلاف الدوافع والتشويهات
وأحيانا الضغائن التي عكستها بعض أدبيات الاستشراق قد جهز العديد من المفكرين العرب والمسلمين بالدوافع المضادة وبالتحفيز الضروري للرد ولدراسة أعمق وبحث مستنير وموضوعي ولكن التعامل مع هذه التواريخ يتطلب حدا أدنى من الوعي المسبق ومن الحضانة الفكرية التي لا تسمح بتحويل ماضي العرب إلى عصا لضرب الحلم المستقبلي.
مصطفى عبد الرازق
*الكتاب: الاستشراق.. الاستجابة الثقافية الغربية للتاريخ العربي الإسلامي
*الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2006
*الصفحات:246 صفحة من القطع الكبير
