مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور امحمد المالكي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاضي عياض في مراكش، ومدير مركز الدراسات الدستورية والسياسية، وساهم في كتابات غزيرة عن الأحزاب والحركات الإسلامية والخطاب السياسي، كما أشرف على أطروحات كثيرة.

أصدر العديد من المؤلفات، منها: «الحركات الوطنية والاستعمار في المغرب العربي: مقاربة لمحددات تكون الوعي الوطني وأشكال التنسيق والعمل المشترك، 1992»، و«الحركات الوطنية والاستعمار في المغرب العربي، 1993»، و«المختصر في تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية: من مدنيات الشرق القديم إلى الدولة القومية الحديثة، 1997»، و«المغرب العربي: أية آفاق، 1999»،

و«محمد جابر الأنصاري والاستقلال التاريخي للذات العربية، 2000»، و«الدولة في المغرب العربي: الإرث التاريخي وأنماط المشاركة السياسية،2001»، و«الوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، 2001»، و«الأنظمة الدستورية الكبرى: النظام البريطاني، نظام الولايات المتحدة الأميركية، النظام الفرنسي، 2004»

وينشغل الدكتور امحمد المالكي في كتابه الجديد «أسئلة المغرب المعاصر» في الكيفية التي تجعل المغرب العربي أفقاً جماعياً للتفكير، وفي ماهية السبيل الذي يسعف أبناءه في إعادة كتابة فصول تاريخه من جديد، ذلك أن المغاربة ودّعوا القرن العشرين، ودخلوا القرن الحادي والعشرين وفي وعيهم حرقة الأسئلة التي استفاق على وقعها الآباء المؤسسون،

فانتابتهم حيرة التفكير، وأعوزهم عسّر الاجتهاد في العمل والإنجاز، لعل أهمها: أسئلة الدولة، والهوية، والآخر. غير الأسئلة الحارقة، هي ذاتها التي توحد البلدان العربية، المشرق والمغرب، حيث ما تزال الأسئلة الكبرى لما سمي عصر النهضة العربية تنتظر الإجابة والتحقق على أرض الواقع، لذلك بقيت أغلب اتجاهات الفكر العربي تعيد طرح الأسئلة ذاتها في ابتداء لا ينتهي بجواب.

ولم يجهد المفكر العربي في إيلاء الدولة ما تستحقه من البحث والاهتمام العلمي والتأصيل النظري، فبقيت مفهوماً مختلطاً بمفاهيم الحكومة والإدارة وما شابههما. ويرى الدكتور المالكي أن النتيجة هي ضمور الدولة في الوعي، الأمر الذي أدى إلى نتائج عكسية في نمط ولاء الناس لها، حيث بات عصياً استقرارها في الوعي الجماعي، بسبب ضعف تأصيلها النظري، وفقر خبرتها في التجربة التاريخية،

فلم تتأرضن الدولة كوعاء مشترك في المخيال الجماعي للجماعات العربية، بل تماهت مع الحكومة والإدارة. وقد عززت خيبات الأمل الناجمة عن فشل وتعثر المشروع الوطني في أعقاب الاستقلالات المغاربية الشعور بغربة الدولة وتغرّبها. وهنا تبدو الحاجة ماسة إلى وعي جديد يضمن شروط المصالحة مع فكرة الدولة. وينسحب الأمر نفسه على سؤال الهوية وصورة الآخر لدى الأنا، إذ مثلت الهوية أرضية التعبئة من أجل مقاتلة الاستعمار،

كما مثلت لبّ الوحدة الوطنية، لكن جيل ما بعد الاستقلالات اكتشف أنها هويات بالجمع وليس هوية بالمفرد، تنكّر جزءاً ممن تمسكوا بها واعتمدوها أفقاً للتحرر، وألبسها جزءاً آخر لبوسات بعيدة عن طبيعتها ومكوناتها، لذلك تبرز ضرورة إعادة التفكير في الهوية في ضوء المتغيرات التي طرأت على المغاربة واقع مجتمعاتهم.

وخلال تفحص صورة المغاربة في الكتابات الاستعمارية، يجد الدكتور المالكي أن المغرب العربي يبدو، من حيث إرثه التاريخي، حقلاً مثخناً بالأحكام المسبقة، ومجالاً غير متحرر من الصورة النمطية التي حددها الآخرون عنه. فقد صوّر في مجمل الكتابات الأجنبية كفضاء مفتوح أمام الحضارات الوافدة، من الفينيقيين إلى العرب.

والخطير في الأمر، أنه نُظر إليه كموضوع «خانع»، مستجيب لقدره، وليس طرفاً فاعلاً ومؤثراً، وحتى حين أرغم منظرو هذه الكتابات على الاعتراف بالتلاقح بين الحضارتين المغربية والفينيقية، وبإخفاق «الرومنة»، ونجاح الإسلام في ترسيخ الوحدة الوطنية المغربية وتمكين المغاربة من المشروعية التي كانوا بحاجة إليها، لم يترددوا في التقليل من تاريخية هذه المنعطفات، والتشكيك في عقمها وحظوظ استمراريتها.

وقد وضعت لحظة دخول الإسلام بلاد المغرب وتنظيمها، الذي تلاه، الأسس الكفيلة في إبقاء الوجود الإسلامي، وشكلت لحظة انتقال حساسة في مصير بلاد المغرب، حيث انخرط المغرب في الحضارة العربية الإسلامية والثقافة العربية الإسلامية، بما يعني نمط حياة، ودينامية تاريخية، ونظم سياسية واجتماعية، وثقافات شعبوية ونخبوية.

وإذا نظرنا إلى الاستعمار، بوصفه قوة حيوية مبادرة، وحركة تنشد الهجوم والإجهاز على الآخر، وبالتحديد على الذات المستعمَرة، فإن صانعي فلسفته حددوا نقاط القوة في مشروع الجماعة المغاربية، فكانت الهوية، بكل ما يرمز إليها، والشخصية المغاربية، بكل مقوماتها، ودخلتا حقل تنظير السسيولوجيا الاستعمارية، ومجال إنتاجها، فاستهدفوا أمرين:

أولاً، التشكيك في أصل المغاربة، من خلال التشكيك بمكانة الإسلام، والنظر إلى المغرب العربي كوحدات اجتماعية - اثنية، متقابلة ومتناحرة ومنفصلة.

وثانياً، نفي فاعليتهم الحضارية باتهامهم بالعقم الحضاري، لأنهم لم يوفروا الأساس المادي الحضاري لإقامة بناء اجتماعي وسياسي.

وقد عكس هذان الجانبان طبيعة المنهجية التي اعتمدها البحث العلمي الغربي، ونوعية الأهداف التي سعى إلى تحقيقها لحظة تفكيره بالمغرب، والتي تتمحور حول تقديم صورة باهتة عنه، و«شرعنة» دخول الاستعمار إليه، بغية إدماجه، اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، في بوتقة المنظومة الرأسمالية.

وبغية التأريخ للمغرب كوحدة جغرافية، يعتقد المالكي بإمكانية النظر إلى تاريخ المغرب العربي، كتراث مشترك، وبما يساعد على تحديد خطوط التطور في مسيرة شعوبه ومجتمعاته، مع علمه بأن كل مشروع مجتمعي مرتبط بمنظومة أفكار وقيم، تؤسس وجوده وتبرر مشروعية تحقيقه، ومراحل إنجازه.

والمغرب الذي بدا ضعيفاً من حيث مركزه الدولي، وشاحباً من حيث عطائه الفكري والحضاري، لحظة الاصطدام بالظاهرة الاستعمارية، لم يكن بمقدور حركاته الوطنية، وهي تقاوم الاحتلال، أن تعتمد غير السلاح ذاته الذي استعمله المستعمر، وهو المجال الرمزي من دين ولغة وتراث، سيتمّ اللجوء إلى موضوع الهوية كلما جدّ شكل من أشكال التحدي الخارجي.

وباتت المنطلقات الفكرية التي أطرت نظر النخب المغاربية إلى الآخر، هي ذاتها التي حكمت استجابة الأنا وحددت أسلحتها، فالاستعمار، باعتباره عدوا كافراً، لا يمكن أن يواجه إلا بالعودة إلى دين «السلف الصالح». وقُدمت الإجابة عن سؤال النهضة بمنهجية المواجهة والتقابل ما بين تراثين ثقافيين، يروم أحدهما الإجهاز على الآخر وإزالة وجوده الحضاري،

فأقامت نخب الحركات الوطنية جداراً سديمياً بينها وبين إدراك الاستعمار بوصفه ظاهرة تاريخية اقتصادية واجتماعية وتعميق وعيها إياه، ولم ترتق تلك النخب إلى خلق مفاهيم عن الدولة ومؤسساتها، وعن المجتمع المدني ومكوناته، وعن العلاقة بين الفرد وانتماءاته السياسية والوجدانية، وباختصار لم تحدد لذاتها ثقافة كفيلة بأن تكون أساساً نظرياً عن الدولة المغربية.

وفي سياق الحفر الذي يجريه المالكي في تجربة بناء الدولة المعاصرة في المغرب العربي، يحدد ثلاثة استفهامات، أو شروطا لقراءة موضوع الدولة، من حيث الولادة والتكون والمأزق، أولها هو التعثر الذي منيت به تجارب التنمية في الدول الثلاث، المغرب الجزائر، تونس،

بالرغم من تباين الفلسفات المؤطرة للبناء الوطني. وثانيهما أن التعثر رمز، ليس للحظة انكسار قابلة للتجاوز، بل للحظة انكسار تاريخي، مكن التعبير عنها بخيبة الأمل الوطنية أو بالأزمة القومية. وثالثها تآكل السلطة المرجعية التي يستمد منها الخطاب السياسي مشروعيته.

وتستمد هذه التساؤلات قيمتها ووجاهتها من ثقل الحاضر، حاضر الدولة القطرية التي شكلت على امتداد تاريخ المغرب الحديث واقعاً لا مندوحة عنه، وأداة للرهان على التقدم والمعاصرة. وعليه نفهم لماذا بات البحث في موضوع الدولة، من حيث المفهوم والتكون والوظيفة والتفاعلات القومية والدولية، أمراً ضرورياً،

حيث يفكر المالكي في مشروع بناء الدولة المعاصرة في تصورات الحركات الوطنية بالمغرب العربي خلال الفترة (1930 - 1962)، من خلال طرح التساؤل المركزي: هل حملت الحركات الوطنية، وهي تقاوم من أجل تحرر واستقلال المغرب العربي، ضمن تصوراتها العامة نظرة محددة لدولة ما بعد الاستقلال، وعلى اعتبار أن الدولة المغربية كانت موجودة قبل الاستعمار، ما هو المضمون الذي أعطي لها ضمن فكر الحركات الوطنية؟

وتجد الإجابة عن هذا التساؤل متحققها في أن الحركات الوطنية، أخفقت حيث نجحت، بمعنى أنها تمكنت من تحقيق مكسب الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، لكنها أخفقت في صياغة جواب فعلي لسؤال تاريخي: ما هو المغرب العربي الذي نريد بناءه، دولة ومجتمعاً؟ والسبب هو الأطر المرجعية التي حكمت تصوراتها العامة.

واليوم، هنالك معطيات الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية القائمة في بلدان المغرب العربي، وتطرح مهام وطنية متعددة وجسيمة، مهام بناء دولة المواطنة، والتحرر من التبعية وإقرار الديموقراطية، وتحقيق تنمية مستقلة، مهام لا يمكن تحقيقها في ظل الوضعية هيمنة فصيل واحد من فصائل القوى المتواجدة على الساحة المغربية، سواء حمل إيديولوجيا يسارية،

أو نطق باسم الدين، إذ تدعو الحاجة إلى تحالف وطني جديد، وبشكل يضمن كتلة تاريخية تضم جميع القوى الفاعلة في المجتمع، والتي لها من مصلحة في التغيير في اتجاه تحقيق الأهداف الوطنية في إطار تكامل إقليمي مغاربي، يجعل تلبية حاجات الجماهير المغربية الضرورية أولى الأولويات.

عمر كوش

*الكتاب:أسئلة المغرب المعاصر

*الناشر: دار الأهالي ـ دمشق 2007

*الصفحات: 190 صفحة من القطع الكبير