مؤلف هذا الكتاب هو أستاذ النحو واللسانيات العربية في الجامعة الأردنية الدكتور نهاد الموسى الذي قدَّم للمكتبة والباحثين بحوثا وكتبا عديدة في الدروس اللسانية علاوة على جهوده في تحقيق المخطوطات وتأليف المقررات النحوية والخطط الدراسية في غير دولة عربية إضافة إلى إشرافه على الرسائل والاطروحات الأكاديمية.

وتمتاز تجربة نهاد الموسى بخصوصيتها المنهجية وتميزها الواضح وخطاها الفارقة حيث دأب منذ أربعة عقود على استقراء المدونة اللسانية العربية في سياقاتها المتشابكة واستخلاص صورتها التاريخية وسيرورتها في الزمن والاستعمال والبحث عن موقعها في خارطة اللسانيات الكونية.

يتضمَّن كتاب الدكتور نهاد الموسى الموسوم بـ «اللغة العربية في العصر الحديث: قيم الثبوت وقوى التحول»، مراجعة جذرية لظواهر اللغة العربية في سياق التحوّلات المتسارعة التي بدأت تخلِّف آثارها في نظام اللغة العربية وبرامجها المختلفة.

ويمثل هذا العملُ مشروعا يهدفُ إلى فحص التغيُّرات التي طرأت على اللغة في جدلها الحاد مع العوامل والمستجدات اللغوية. وسوف تكون «قيم الثبوت وقوى التحول» لحظتين معرفيتين تشتبكان عبر جدل لا مُتناهٍ يحدد هوية اللغة العربية ويعمل على تجلية أبعادها ووجوه تأثيرها المتنوعة.

وانطلاقا من هذه المُواشجة يتشكل عنوان الأطروحة التي يسعى الدكتور نهاد الموسى إلى صوغها ومُفادها؛ أنَّ اللغة العربية تقيم بين نظامين متعارضين من حيث انتمائهما: إذ يستند نظام قيم الثبوت إلى مرجع تاريخي وتراثي يرى في الصفاء اللغوي عاملا حاسما في تأصيل اللغة ووصف أبنيتها في حين يحتكم نظامُ قوى التحول إلى نواميس اللغة القادرة على الاستجابة لحاجات الإنسان ورغباته المستجدة.

دوافع البحث

يرى الدكتور نهاد الموسى أنَّ اللغة العربية تحتاج إلى مراجعة مستمرة تهدف إلى اكتشاف التحوّلات التي تطرأ على برامجها وأنظمتها المختلفة بهدف رصد استجاباتها، واتخاذ التدابير اللسانية الكفيلة بمواجهة المخاطر التي تجابهها. بيد أنَّ الدافعَ المركزي الذي تصدرُ عنه أطروحة هذا الكتاب هو: التنبؤ بما يمكن أنْ يحدثَ للغة العربية إذا ما تعرضت لمواجهة شاملة مُحتملة من قبل العولمة.

كما تتضمَّنُ أطروحة الكتاب تساؤلاتٍ وإحالاتٍ ضمنية مُفادها: ما الدفاعات التي تملكها العربية في المواجهة المرتقبة؟ وما الحلول والاستراتيجيات التي ينبغي على اللسانيين العرب تقديمها؟ وما مكامن الضعف في برامج اللغة العربية؟ وما علاقة اللغة العربية بالإصلاح والديمقراطية والمجتمع المدني؟

وحسب نهاد الموسى فإنَّ اللغة العربية تواجه مصيرا غامضا نتيجة توقّعات بعض اللسانيين بانقراض عدد كبير من اللغات في نهاية القرن الحادي والعشرين نتيجة الثورة الاتصالية ذات الطبيعة الرقمية، ونتيجة تقدم الصورة وحلولها محل اللغة إضافة إلى زوال الحواجز أمام قنوات الاتصال حيث ألغيت حدود المكان واختُزِلت أبعاد الزمان.

ويرى نهاد الموسى أنّ الركون إلى مسألة خلود اللغة العربية نتيجة ارتباطها بالنص القرآني، وأنَّ رصيد دورانها وسيرورتها الممتدة ستة عشر قرنا، وأنّ الناطقين بها وعددهم مئتان وسبعون مليونا من البشر، وأنّ المليار مُسلم الذين يتطلعون لتعلمها مُعطيات لا تُشكِّلُ ضمانات كافية لحماية اللغة ووقايتها من الاندثار.

لذلك لا بد من نهوض مشروع عربي يستنفر فيه اللسانيون والباحثون في الحقول المجاورة أدواتهم لتشخيص الواقع اللغوي العربي وإقامة الفرضيات الكفيلة بإنتاج الحلول، والبرامج، والاستراتيجيات القادرة على ايجاد آفاق علمية تستند إلى محددات دقيقة تضمن الوصول لنتائج موضوعية تمكّن من إيجاد خطط عملية وممكنة قادرة على الحفاظ على العربية والتصدي لما تواجهه من مخاطر محدقة.

أما مفاهيم الأطروحة المركزية فهي: اللغة العربية، والثبوت، والتحول، والعصر الحديث. وإذا كانت اللغة العربية، في قيم ثبوتها، هي النظام اللغويّ المُستمدُ شرعيتَه من لغة القرآن، والحديث النبوي، والشعر العربي، والخطب، وكلام العرب وأمثالهم، ولغة المتكلمين، والمفسرين، والفلاسفة،

وعلماء الاجتماع، والتاريخ، ونصوص القصة والرواية والمسرح والمقالة، والأفلام، والدراما، ولغة الرسائل الإلكترونية فإنَّها، في قوى تحوّلها، ترتبط بمشروع تظهر ملامحه في ظاهرتين ماثلتين هما: الازدواجية اللغوية، والثنائية اللغوية، وعوامل متفاعلة تتجسدُ في قضايا التعليم، والترجمة، والإعلام، والإعلان، والاقتصاد، والعولمة.

وأما العصر الحديث فهو عصر العولمة بكل ما يحمله من وعود وتهديد لصورة العربية النقية القادرة على منح القارئ شعورا بانتماء للنصوص العربية، على اختلاف أنواعها وعصورها، إلى بنية لغوية واحدة تحتكم إلى نواظم مشتركة من القواعد؛ إنه الثبوت الذي يُفسحُ لبنية اللغة تطوّر المعجم وتجدد الأساليب مع الحفاظ على المنظومة الصوتية والصرفية والنحوية.

ويستعين نهاد الموسى بأفكار ابن خلدون التي تُقدِّمُ تفسيرا ماديّا وموضوعيا لتهافت الأمم وخراب عمرانها ولسانها، إذ يرى أنَّ فساد العربية قد تحقق بعد أنْ سيطر على الدولة الإسلامية العجمُ والبربر والتتر والمغول. لذلك، وحسب نهاد الموسى، لا يمكن إنجاز الإصلاحات اللغوية دون وضع العلاقة الاقترانية بين العربية والنص القرآني في سلّم الأولويات، لأنَّ هذا الاقتران سيكونُ دافعا قويا ووحيدا لإعادة هيكلة البرامج اللغوية.

بيد أنَّ حفظَ اللغة العربية باقترانها بالنص القرآني لا يمثِّلُ عائقا أمام تطوّر اللغة العربية القادرة على الإفادة من المنجزات المعاصرة وتبيئتها لسانيا. فالعربية قادرة على ولوج فضاءات تعبيرية وآفاق جمالية وعوالم جديدة تتباين فيما بينها تشكيلا ورؤية.

إنَّ المعاينة الإحصائية لواقع الترجمة في العالم العربي تبعث على الاستياء نظرا لفقرها وتواضعها، وفي المقابل يقع الناظر في ترجمة المسلسلات المدبلجة والبرامج المتلفزة على كمٍّ هائلٍ من التجاوزات والمحظورات المتناقضة مع قيم العرب الثقافية وبرامجهم اللغوية الأمر الذي يجعلها تتضمَّن تهديدا حقيقيا للخصوصيات الثقافية وانتهاكا صارخا لمبادئ التربية والاجتماع.

وأما فضاء الإعلام فقد باتت الفضائيات مكونا من مكوِّنات قوى التحوّل اللغوية التي تملك القدرة على فرض استجابات وتوجّهات في عقول المشاهدين وسلوكهم ومواقفهم. كما أنّ لها دورا تخريبيا يكمن في ما تفرضه على برامج المشاهدين اللغوية والفكرية من أنماط لغوية. ويتجلى ذلك في جانبين كبيرين:

الأول: ترسيخ المحكيات المحلية واللهجات الجهوية الأمر الذي يعني أنها تستهدف قطاعا بشريا محددا وفئة محددة متوافقة اجتماعيا وعقائديا وثقافيا.

الثاني: المواد المعروضة، وهي تُشددُ، في أغلبها، على مُنتجات الغرائز المدمِّرة لقواعد العقل والعلم والمعرفة.

إنَّ الرأي الاقتصادي الذي يذهبُ إلى عجز العربية عن إبرام العقود والصفقات والإشهارات الترويجية لينطوي على مغالطات فادحة؛ ذلك أنّ انحياز الاقتصاد المطلق للإنجليزية بوصفها لغة تداولية وإقصاء العربية موقف يتضمن تبعية شاملة تؤذن بالاستلاب وتبشِّرُ بالاغتراب.

فعندما تتقدم الإنجليزية، للوعود التي تحملها، فإنّ ذلك يشكل تهديدا للعربية وهو ما بدا واضحا حيث تشهدُ الجامعات العربية إعراضا عن التخصص في العربية بفعل تراجع التخصص وظيفيا وعدم وجود حوافز ومُغرياتٍ لدارسيها.

ويقترح نهاد الموسى حلولا لمعالجة واقع اللغة الاقتصادي منها «اتخاذ العربية الفصيحة لسانا لترويج المنتجات وتخصيص قنواتٍ فضائية لهذه الغاية». إضافة إلى تشديده على ضرورة اقتحام العربية المناشط الإنسانية كلها؛ لأنّ اقتصار العربية على الجوانب التعليمية والثقافية يُعطِّلُ قوى الإبداع الكامنة فيها ويحجِّمُ حضورها وفاعليتها.

لذلك لا بدَّ من نهوض العربية بمناحي الحياة المختلفة الأمر الذي يمنحها القدرة على التنمية والتغيير ذلك «أنَّ انغلاق الخطاب اللغوي على المرجع الثقافي وحده، وإغفاله لسائر العوامل في هذا الشأن واضرابه قد آل به إلى أنْ يكون خطابا محدودا في دائرته الخاصة».

وأما الازدواجية اللسانية فعُقدة تعترض سبيل اللغة العربية حيث يُستعمل مستويان أحدهما: الفصحى، والآخر: اللهجة العامية المحكية. وهكذا تعيش العربية تنازعا بين نموذجين مختلفين في الوظائف والمواقف والقواعد، ويظهر مدى التنازع في حجم التباينات اللهجية التي لا ينظمها ببعضها ناظم ولا ترتبط بالفصحى بأي روابط مُشتركة.

وهنا يشير نهاد الموسى إلى أنّ التباين اللهجي في العربية حاليا يختلف عنه في عصر الجأهلية حيث كانت هناك قواسم مشتركة بين اللهجات إضافة إلى جوانب فصاحتها وصحتها مما بوأها صفة الصواب حيث التقت اللهجات لتشكل «العربية الفصحى التاريخية».

وأمَّا الثنائية اللسانية فعلَّة فاشية تمنحُ العربية دور الخاسر والإنجليزية (أو الفرنسية) دور الظافر، وهكذا تصبحُ الثنائياتُ اللسانية معطلا يحول دون نهوض برامج تهدف للارتقاء بالعربية تداولا وتنظيرا؛ لأنَّ اللغة الثانية لا تُدرسُ لخدمة المفاهيم العربية بقدر ما تكون وسيلة للطعن في العربية والتعالي عليها.

لقد تمَّ فرض الثنائية في مرحلة تاريخية تعصف بالانكسار والهزيمة، فقد زحفت إبَّان الحكم العثماني حيث برامج التتريك ومحو الهوية العربية وسحق الثقافة العربية، وإبَّان مرحلة الاستعمار الحديث حيث اقترنت العربية بالديني والتراثي

في حين اقترنت الإنجليزية والفرنسية بالتطور والصنائع والعلوم والتقدم المادي والنهوض الحضاري. وحسب نهاد الموسى فإنه لا بدَّ من مراجعة تجربة الثنائية اللسانية القسرية الاستلابية التي أصبحت تتعارض مع أهداف تعلم اللغات الثانية التي تدرُّ على العربية أسباب القوة والمعرفة.

وأمَّا العولمةُ فغدت خطرا داهما يستهدف العربية كما يستهدف اللغات الأخرى، ولعلَّ اقترانَ الإنجليزية بالعولمة بوصفها لغة المشروع الأميركي الإمبراطوري الساعي إلى فرض الهيمنة والتمركز يرشِّحها لتصبحَ لغة عالمية تهدد الثقافات الوطنية حيث الاستلاب والنفي.

والحقَّ أنّ الإعلام العربي يكرِّسُ حالة من الهيام بالإنجليزية إذْ تتطلَّعُ الشبابُ لإجادتها وتعلمها؛ بحثا عما تتوسَّلُ به من برامج تخاطبُ الغرائز وتناغي المخيلة. وهكذا يسقط قطاع واسع من الشباب في فخّ الإنجليزية حيث الانبهار بالإنجليزية الذي يخفي حنينا إلى الرغائب والعوالم المُتخيَّلة. ولعلَّ ثورة الاتصالات التي بلغت أوجها في شبكة الإنترنت تمثل دافعا وعاملا مركزيا لتبني اللغة الإنجليزية في التواصل وبناء المعارف.

د. هيثم سرحان

*الكتاب: اللغة العربية في العصر الحديث قيم الثبوت وقوى التحول

*الناشر:دار الشروق ـ عمان 2007

*الصفحات:204 صفحات من القطع المتوسط