مؤلف هذا الكتاب هو الفيلسوف الفرنسي كريستيان دولاكامبانييه، وهو أستاذ الفلسفة المعاصرة في جامعة جون هوبكنز بالولايات المتحدة الأميركية. ولكنه يدرس أيضا في الجامعات الفرنسية وبالتالي فوقته مقسوم بين أميركا وفرنسا. وكان قد نشر سابقا ما لا يقل عن ثلاثين كتابا في مختلف شؤون الفكر والسياسة، نذكر من بينها: «الإسلام والغرب، أسباب الصراع بين الطرفين»، ثم «تاريخ العنصرية والاستعباد»، الخ.

وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن الوضع السياسي العالمي وعن تجربته الشخصية في مجال السياسة ويقول بما معناه: لقد مرت عليّ فترة ما كنت أؤمن فيها بجدوى السياسة، بل وما كنت أشارك في التصويت أثناء الانتخابات العامة سواء أكانت نيابية أم رئاسية.

كنا قد مللنا من السياسة والسياسيين وما عدنا نعتقد بأنهم سيغيرون الأمور نحو الأفضل، وإنما هم يتوددون إلينا في كل مرة في فترة الانتخابات لكي نعطيهم أصواتنا وبعدئذ يضحكون علينا ولا ينفذون أي شيء من وعودهم الانتخابية.

ولهذا السبب فإن قسما كبيرا من الشعب الفرنسي لم يعد يصوت في الانتخابات العامة. ولكن هذه الفترة انتهت بالنسبة لي الآن ولم أعد سلبيا تجاه العمل السياسي كما كنت من ذي قبل. نعم، لقد أصبحت أؤمن بجدوى الفكر السياسي والمشاركة والانخراط في العمل السياسي من أجل تغيير الأمور نحو الأفضل.

ثم يردف المؤلف قائلا: ولهذا السبب ألفت هذا الكتاب لكي أساهم من خلاله في توضيح القضايا السياسية الكبرى سواء على المستوى الفرنسي أم العالمي أم التاريخي. فنحن نشهد طفرة عالمية كبرى تتمثل بأحداث ضخمة قلّ أن شهدها جيل واحد من البشر.

نحن شهدنا خلال عشر سنوات فقط زلزالين كبيرين: الأول هو سقوط الشيوعية والاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، والثاني هو ضربة 11 سبتمبر التي شكلت زلزالا سياسيا ما زالت آثاره تتابع حتى هذه اللحظة. وبالتالي فنحن بحاجة إلى بلورة فلسفة سياسية قادرة على أن تستخلص الدروس والعبر من هذين الحدثين الكبيرين.

ويرى المؤلف أن أكبر خطر يهدد أوروبا هو العدمية التي تنبأ بها نيتشه منذ أواخر القرن التاسع عشر. والعدمية تعني فقدان أوروبا لثقتها بنفسها وقيمها، والمقصود هنا قيم الفلسفة التنويرية الليبرالية. ولهذا السبب فهو يدعو إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الديمقراطية وضرورة المشاركة في العمل السياسي لتغيير الأمور.

إنه يدعو مواطني فرنسا وأوروبا إلى الذهاب إلى صناديق الاقتراع يوم الانتخابات والتصويت. كما ويدعوهم إلى المشاركة في المناقشات والمؤتمرات السياسية. فجان بول سارتر أخطأ عندما قال بأن الحمار هو وحده الذي يصوت! ما نفع التصويت إذا كان النظام الرأسمالي الاستغلالي سوف يستمر بعد التصويت مثلما كان قبله؟ لا فائدة من ذلك على الإطلاق. هذه لعبة شكلية سخيفة لا معنى لها. إنهم يضحكون علينا لا أكثر ولا أقل.

ويعترف المؤلف بأنه كان من أتباع سارتر من هذه الناحية ولكنه غير رأيه الآن. فالمشاركة في العملية الديمقراطية شيء ضروري جدا، ولهذا السبب فإن الفصل الأول من الكتاب يحمل العنوان التالي: «وضع الديمقراطية في العالم اليوم».

ويرى المؤلف هنا أن فوكوياما كان متفائلا أكثر من اللزوم. فقد ظن أن الديمقراطية انتصرت كليا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانتصار المعسكر الليبرالي الغربي على المعسكر الشيوعي التوتاليتاري. ولكنه كان مخطئا. صحيح أن العديد من الأنظمة في أوروبا الوسطى والشرقية أصبحت ليبرالية بعد سقوط الشيوعية وتبنت النظام الديمقراطي الغربي القائم على التناوب السلمي على السلطة بين الحكم والمعارضة.

وصحيح أيضا أن العديد من الأنظمة في أميركا اللاتينية وآسيا بل وحتى إفريقيا السوداء أصبحت ديمقراطية. ولكن هذه الديمقراطية تظل ناقصة في أحيان كثيرة، بل وتظل هشة ومهددة. يضاف إلى ذلك أن التاريخ لم ينته بعد نهاية الحرب الباردة كما توهم فوكوياما بنوع من التسرع. فقد ظهرت مشاكل جديدة ومعقدة على أنقاض المشاكل السابقة التي شغلت الغرب والشرق إبان الحرب الباردة.

ومن أهم هذه المشاكل اندلاع الصراعات العرقية والدينية في مناطق مختلفة من العالم. وبالتالي فحركة التاريخ تسارعت بل وانفجرت بدلا من أن تتوقف يا سيد فوكوياما. فيوغسلافيا السابقة انقسمت إلى مكوناتها الأساسية وشهدت صراعات دموية بين الصرب والمسلمين من جهة، ثم بين الصرب والكرواتيين من جهة أخرى.

وشغل العالم بمشاكل البوسنة والكوسوفو لفترة من الزمن. وحصلت مجازر كبيرة وعمليات تطهير عرقي أو طائفي في قلب أوروبا. وهكذا عدنا إلى العصور الوسطى الهمجية والأصولية في قلب أوروبا! ثم حصلت مجازر في إفريقيا وبخاصة في رواندا، هذا دون أن نتحدث عما حصل في أفغانستان والعراق ومناطق أخرى.

ولا ينبغي أن ننسى ما يحصل في الشيشان من قمع روسي رهيب ومن رد فعل أصولي لجماعات التطرف عليه. فالشعب الشيشاني أو قل قسم منه ألقى بنفسه في أحضان جماعات القاعدة والأصولية المتزمتة. وحصلت عمليات تفجير كبيرة حتى داخل موسكو.

ويرى المؤلف بهذا الصدد أن أوضاع روسيا تراجعت وتفاقمت في السنوات الأخيرة من كافة النواحي: السياسية كما الاقتصادية. فبالنسبة لاحترام حقوق الإنسان مثلا فإن روسيا أصبحت في مؤخرة دول العالم. فمن بين 192 دولة في العالم أصبحت مرتبتها ذات رقم 168!

ثم يردف المؤلف قائلا: وفيما يخص انتشار الرشوة والفساد في أنظمة الحكم فإن روسيا أصبحت مرتبتها 126 من أصل 192 دولة. وفيما يخص جودة الحكم أو بالأحرى رداءته أصبحت مرتبتها 85 من أصل 108 دول، الخ.

ولكن روسيا تعيش حالة عسيرة اليوم بسبب انتقالها المفاجئ من النظام الشيوعي الموجه إلى النظام الليبرالي الرأسمالي الديمقراطي. وهو انتقال لا يمر عادة دون خضات ومخاضات صعبة جدا. ولكن حتى الولايات المتحدة فإنها تعاني من مشاكل عديدة ليس أقلها الفقر المدقع الذي يصيب أربعين مليون شخص.

يضاف إلى ذلك أن نظام الضمان الصحي لا يشمل الفقراء هناك وإنما فقط الأغنياء الذين يستطيعون الدفع. والأنكى من كل هذا أن الأغنياء الأميركان يرفضون أن يدفعوا الضرائب للدولة. وبما أن الفقراء المدقعين لا يستطيعون أن يدفعوا لأنهم لا يملكون شيئا فإن العبء يقع كله على الطبقات الوسطى.

وبالتالي فالولايات المتحدة مجتمع حر ولكنه غير متضامن على الإطلاق. وسوف تظل ديمقراطيته ناقصة عرجاء حتى يحقق العدالة الاجتماعية لعشرات الملايين من المواطنين الأميركان. ولو كان جورج بوش فيه ذرة خجل لكفّ عن التبحبح بالديمقراطية الأميركية. فهي ليست كاملة إلا بالنسبة للأغنياء والمليارديريين من طبقته وطبقة عائلته التي تتمتع بكافة الامتيازات والحقوق.

*الكتاب: ينبغي أن نؤمن بأهمية السياسة وجدواها

*الناشر: لا مارتينيير- باريس 2006

*الصفحات: 215 صفحة من القطع المتوسط

Il faut croire en la politique

Editions de La Martinière - paris 2006

p.215