مضت روايات الجريمة اليابانية، مؤخراً، تتبع الخطوط المثيرة للقلق التي سارت عليها السينما اليابانية، في تشريح الحياة في ضواحي المدن بدقة إكلينيكية، وإبداع تصورات تستحضر الشعور بالاغتراب والكآبة. وقد ارتادت الروائية ناتسو كيرينو آفاقاً جديدة بروايتها «الخارج»،

وهي تشريح للصداقة بين أربع نسوة عاملات في أحد المصانع، رسم ملامح ضياع التضامن وانهيار الثقة في أعقاب جريمة قتل يتم اخفاؤها، وهي الآن تأخذ هذا المنهاج العلمي الصعب خطوة أبعد في روايتها «العجائبي» حيث تقتل عاهرتان في طوكيو.

هاتان المرأتان تعلمت إحداهما، وهي تدعى يوريكو، التلاعب بتأثيرها على الرجال منذ وقت مبكر في عمرها، حيث كانت تبيع جسمها وهي لا تزال تلميذة في المدرسة. وعلى الرغم من أنها تفتقر إلى الذكاء، فإنها جميلة بصورة مقلقة.

أما الأخرى، كازوي غير المحبوبة والتي تحس بالوحدة، فهي تتمتع بالذكاء وبفرص الانطلاق في حياة عملية، ولكن نفسيتها التي لحقها الضرر وليدة شعور بالعزلة. وقد درست كلتاهما في المدرسة المتميزة ذاتها وحملتا وعداً مستقبلياً بطرق مختلفة.

تربط هاتين المرأتين فتاة عادية، ممرورة، هي أخت يوريكو وصديقة كازوي، ومن خلال سردها للأحداث ويومياتها نصل على مهل إلى تفهم التوق المؤلم إلى النجاح الذي يدفع إحداهما قدماً والرغبة في القبول من جانب الآخرين التي تهيمن على الآخرين.

جريمتا القتل متطابقتان بالفعل، وهكذا فإنه عندما يتم إلقاء القبض على مهاجر صيني لاتهامه بالجريمة الأولى، فإنه يحمل وزر الثانية عقب ذلك. غير أنه يرفض الإقرار بذبح كازوي، فكيف ماتت الفتاة الثانية إذن؟ مع فض مغاليق تاريخ الفتاتين تزحف الشكوك في تلك الجريمة لتبدو أبعد ما تكون عن الوضوح مقارنة بما ظهرت عليه أولاً.

تقول الراوية: «بالنسبة للفتاة فإن المظهر يمكن أن يكون شكلاً قوياً من أشكال القهر «من حيث الجمال والافتقار إلى الجاذبية روحاً وجسماً. وعلى الرغم من أن لغة كيرينو هي لغة موجزة، لا تدع شيئاً من دون أن تنال منه شأن لغة معاصريها، إلا أن ما يفصلها عنهم هو اصرارها على تصوير نفسيات بطلاتها بتفصيل كاسح،

حيث تتم دراسة نسائها من كل الزوايا، عبر علاقاتهن بالعائلة، وكل منهن بالأخرى، وبالرجال من حولهن، الطعام الذي يقمن بإعداده، وحياتهن العملية اليومية. هذه التعرية التدريجية التي لا ترحم لها التأثير المزدوج المتمثل في إيجاد ضلوع انفعالي مع الشخصيات خلال وضعها في السياق الأوسع نطاقاً للمجتمع الياباني، بحيث أن السرد يصبح شيئاً مختلفاً عن مجرد تفكيك الدوافع الكامنة وراء الجريمة.

ربما لأننا معتادون على رؤية طوكيو من خلال السلوكيات الغريبة للموظفين في أضواء النيون في الأندية الليلية، فإن التراتبية الصارمة التي تفرض ضغوطاً خفية على الإناث تشكل صدمة هنا، ولكنها يمكن تبينها كذلك في الثقافة الغربية.

وكيرينو تقدم لنا طريقة جديدة في النظر إلى دقائق المجتمع الياباني من خلال نسائه اللواتي كن في السابق صامتات ومحتجبات عن العيان، وبخاصة أن يوريكو واختها تنتميان إلى عرقين مختلفين، وهي حقيقية تزيد من تشوشهما في غمار النمو تحت عيون النظراء والآباء.

بهذا المعنى فإن ما تصوره كيرينو في رواية «العجائبي»، وهي روايتها الثانية التي تترجم إلى اللغة الانجليزية، هي يابان لا نعرفها إلا بالكاد، حيث نجد أنفسنا أمام قصة ثلاث نساء يابانيات وترابط الجمال، القسوة، الجنس، العنف، القبح والطموح في حياتهن.

وكما رأينا فإن العاهرتين يوريكو وكازوي تلقيان مصرعيهما على نحو وحشي، الأمر الذي يثير حشداً من الأسئلة التي تظل معلقة بلا إجابات حول من كانتا، ومن قتلهما، وكيف وصلت حياتهما إلى النهاية. وفيما قصتهما تنكشف أمام عيوننا في طبقات متوالية من السرد، عبر تأملات أخت يوريكو الكبرى،

فإنه يتم المضي بنا رحيلاً في الزمن إلى أيام كانتا تلميذتين في مدرسة ثانوية متميزة، حيث تحسم تراتبية اجتماعية صارمة مصيريهما، ونتابعهما فيما هما تصارعان ضد الأعراف المجتمعية الصارمة. هكذا فإن رواية «العجائبي» تلقى الضوء على أكثر زوايا المجتمع الياباني احتجاباً وبعداً عن العيون اليوم، ومن هنا فإنها تحقيق نفسي في أغوار نفسية الأنثى تماماً كما أنها عمل كلاسيكي من أعمال الرواية السوداء.

وقد كان من الطبيعي أن تثير هذه الرواية قدراً كبيراً من الاهتمام انعكس، بصفة خاصة، على اهتمامات المطبوعات المتخصصة في عروض الكتب. ها هي مجلة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة تشير إلى أن القراء ذوي الميل إلى الغموض والشخصيات الملتبسة لابد أنهم سوف يستمتعون برواية «العجائبي»، بما فيها من جرائم قتل غامضة لاثنتين من عاهرات طوكيو وما تسفر عنه من اعتقال مهاجر صيني بتهمة ارتكاب هذه الجرائم.

ومن الغريب أن هذا المهاجر، الذي يدعى زانج زي ـ زونج يقر من تلقاء نفسه باقتراف إحدى الجريمتين، وهي جريمة مقتل يوريكو هيراتا، ولكنه ينفي الذبح المتطابق بعد عشرة شهور لكازوي ساتو. والأحداث المفضية إلى جريمتي القتل يتم سردها من أكثر من منظور،

فهناك منظور أخت يوريكو الكبرى التي لا نعرف اسمها قط، والتي تحس بغيرة مريرة من جمال أختها، ومنظور كل ضحية، ومنظور المتهم. وتلقي الترابطات غير المألوفة، مثل الانتماء إلى مدرسة ثانوية واحدة، الشك على دقة الرواة الأفراد. وحكاية الخيانة المذهلة هذه تكشف حقائق تدعو للتأمل حول التراتبية الاجتماعية في اليابان.

أما مجلة «لايبرري جورنال» فهي تختار زاوية مختلفة للنظر إلى رواية «العجائبي» هي زاوية الأعماق الضبابية لأذهان النسوة اليابانيات الغارقات في المتاعب. وتشير إلى أن الرواية تخاطب القراء الذين يستمتعون بروايات الرعب والجريمة، حيث تكشف لهم ما يمكن وصفه بنقد كيرينو الصارم لليابان المعاصرة، من خلال دفق من القبح الذي يشمل التنمر على تلميذات المدارس واختلالات الأكل وحشداً بأسره من العلاقات المريضة.

وتلفت المجلة نظرنا إلى نقطة بالغة الأهمية، وهي أن الرواية متوازنة تماماً وسليمة من الناحية الهيكلية، ولكن أصوات الشخصيات لا يمكن التمييز بينها تقريباً، وخطابها يشارف في بعض الأحيان على أن يكون تعليمياً، وبينما يتسم التأثير الكلي بأنه طموح وعجائبي حقاً، فإنه أقل إرضاء من الأعمال المؤلفة السابقة.

أما مجلة «إل» فهي تصف هذه الرواية بأنها تجمع بين الثراء والتعقد والقدرة على استقطاب الاهتمام، وتحذر القراء من أن عليهم أن يستعدوا وهم يقرأون هذا العمل لمواجهة شيء يختلف تمام الاختلاف عما اعتادوا عليه في روايات الجريمة،

فهم هنا أمام عمل ممتد ومكثف يشبه رواية روسية أكثر من أي شيء آخر، والأختان هيراتا ليستا بعيدتين تمام البعد عن الإخوة كرامازوف. ومن هنا فإن القراء الأميركيين يجدون أنفسهم أمام جنس أدبي مختلف، هو الرواية النسائية اليابانية السوداء.

ولا تتردد صحيفة «الإندبندنت» اللندنية في القول إن «العجائبي» ليست إلا الرواية الثانية فحسب من روايات كيرينو التي تترجم إلى اللغة الانجليزية، لكنه يبدو من الواضح بالفعل أنها قد تكون أفضل كاتبة جريمة تظهر في اليابان منذ سنوات طويلة.

حياة من إنجازات

* حصلت ناتسو كيرينو على ست من أبرز جوائز اليابان الأدبية عن أعمالها التي تشمل سبع عشرة رواية، وأربع مجموعات قصصية، وكتاباً يضم مجموعة من مقالاتها.

* نالت جائزة إيدوجاوا رانبو عام 1993 عن رواية «وجه بلله المطر».

* حصلت على جائزة اتحاد كتاب الجريمة الياباني عام 1998 عن رواية «الخارج».

* نالت جائزة ناوكي في دورتها الـ 121 عن رواية «وجنتان ناعمتان» عام 1999.

* نالت روايتها «العجائبي» جائزة إيزومي كيوكا للأدب مؤخراً.

* تعد رواياتها الأفضل مبيعاً في اليابان حالياً، وقد ترجمت إلى تسع عشرة لغة، كما حولت روايات كثيرة من أعمالها إلى أفلام قدمتها السينما اليابانية من خلال أشهر مخرجيها.

*الكتاب: العجائبي

*الناشر:الفريد نوف ـ نيويورك 2007

*الصفحات:464 صفحة من القطع المتوسط

Grotesque

A.Knopf -N.Y. 2007

p. 464