* بدأت مسار حياتك العملية كاتبة للرواية الرومانسية، فما الذي اجتذبك للكتابة عن الجريمة؟

ـ لم أستطع باعتباري كاتبة للرواية الرومانسية العيش من هذه النوعية من الكتابة، لأنه لم يكن هناك سوق لها في اليابان. ولم تكن الروايات الرومانسية كذلك هي ما أردت كتابته حقاً، حيث كانت تفتنني الجوانب النفسية للجريمة. والأشخاص عندما يحاصرون فإنهم يفعلون أشياء لا يمكن تصورها، أشياء يعتقد المرء عادة أنه لن يفعلها، وهناك تلك اللحظة الوحيدة، التي يصبح المرء فيها عرضة لارتكاب جريمة. والانطلاق إلى مثل هذه الأمور هو استكشاف لسيكولوجية الإنسان بكاملها.

* ما الذي ألهمك أحدث رواياتك، وهما «الخارج» و«العجائبي»؟

ـ لديّ الكثير من الصديقات اللواتي يعملن من البيت أو هن ربات بيوت، وهن عاجزات على الصعيد المالي لأنهن يعتمدن كثيراً على دخول أزواجهن. ومن الصعب عليهن إدراك أن لهن حياتهن الخاصة بهن. وقد اعترفت لي إحدى صديقاتي بأنها مفلسة لأنها أفرطت سراً في استخدام بطاقة الائتمان الخاصة بزوجها.

وهذه المرأة هي بأي معيار زوجة جيدة وأم جيدة وربة بيت مثالية. وهي لا تبدو منتمية إلى نوعية الأشخاص الذين يقدمون على شيء من هذا القبيل. وقد أردت في هاتين الروايتين الكتابة عن الإنسان الذي يتردى إلى تلك اللحظة التي يكون فيها كل شيء ممكن الحدوث.

* كيف تعد بطلات هاتين الروايتين ممثلات للمرأة اليابانية الحديثة؟

ـ لم أنطلق لكتابة حالات منفصلة في حد ذاتها، فهاته النسوة في الروايتين تصادف أنهن يعملن في مجال واحد، وانتهى بهن الأمر إلى شيء من قبيل ما كتبته. وعلى سبيل المثال، فإن شخصية ماساكو هي رمز للنساء اليابانيات اللواتي لا يمكنهن الارتقاء في المجتمع، وهي كمحاسبة لم تستطع صعود سلم العمل الوظيفي، فغدت تعمل عملاً يدوياً شاقاً.

أما كونيكو فقد أفرطت في استخدام بطاقات ائتمانها، وأصبحت مفلسة. وهي تمثل النزعة الاستهلاكية الجموح التي تعرضت لها اليابان خلال مرحلة الفقاعة الاقتصادية، حيث تغلبت الرغبة على الناس، فخرجوا عن كل سيطرة فيما يتعلق بأمورهم المالية.

وتحيا يوشي في ظل الفقر، وهي تقوم أيضاً برعاية حماتها المريضة. أما يايوي فهي نموذج لربة البيت في قلب العائلة، فهي دائماً أقل أهمية من الرجل. وهما كلاهما ممثلتان إلى حد بعيد للمرأة اليابانية العادية المعاصرة. وهما تحملان على كاهليهما مسؤوليات جمة، ودوراهما واضحان للغاية، الرجال خارج الدار والنساء يبقين داخلها.

* ما الذي كان عليه رد الفعل النقدي والجماهيري على هاتين الروايتين؟

ـ لقد صدم الجميع حيالهما، فهما عملان خلافيان، ولهذا السبب فقد حققا مبيعات جيدة للغاية، وكان هناك بعض اللوم الذي وجه إليَّ، وبعض الناس لم يحبوا رواية «الخارج» بصفة خاصة. وبالطبع، كان هناك الكثير من الناس الذين أشادوا بي، قائلين: «أوه، لقد كتبت روايات رائعة!». كان الأمر فوضي تامة.

* ما هو رد الفعل الذي كان أكثر إثارة لدهشتك؟

ـ لقد صدم الرجال لأن زوجة كان بمقدورها أن تقتل زوجها، وقد كانت تلك حقاً فكرة استفزازية للغاية، وأحس الرجال اليابانيون بالتهديد من جرائها. كما أنهم لم يتصوروا قط أن بمقدور امرأة أن تكتب مثل هذه الرواية العدوانية.

وكان الجزء الأكثر إثارة للصدمة بالنسبة للكثير من الناس أنها رواية كتبتها امرأة متزوجة لها أسرة وطفل. ولو أن رجلاً هو الذي ألف الرواية لما دُهش الناس، ولنظروا إليها باعتبارها عملاً روائياً، ولكن لأن امرأة هي التي ألفتها ولأنها كانت واقعية إلى درجة معينة، فقد استبدت الدهشة بالناس.

* تصور رواياتك والكثير من الأفلام اليابانية التي تعود إلى السنوات القليلة الماضية اليابان المعاصرة على أنها مجتمع غير مستقر يخفي فيه الهدوء الظاهري تيارات خفية من العنف العضوي والنفسي الشديد. فهل الأمر كذلك حسب رؤيتك أيضاً؟

ـ إن النظام العائلي القديم يزداد انهياراً أكثر فأكثر. وعلى الرغم من أن الانقسام بين الرجال والنساء يظل قائماً ـ حيث لايزال الرجال يخرجون والنساء يبقين في الدار ـ فإن الرجل الآن لا يمكنه أن يعيل الأسرة بكاملها. وقد وصلنا إلى النقطة التي يتعين على النساء عندها أن يدفعن بالأطفال إلى دور الرعاية

لكي يمكنهن العمل للمساعدة في إعالة الأسرة أيضاً، ثم ان الأطفال أنفسهم يخضعون لضغط تعليمي صارم. وهكذا فإن كل شخص يبذل قصاري جهده للحفاظ على نفسه. وهو زمن محير للغاية بالنسبة لمجتمعنا، ولديَّ الإحساس بأن الناس لا يعرفون ما الذي يتعين عليهم القيام به للخروج من مواقفهم.

* هل تعتقدين أن هذا يوجد ثقافة عنف؟

ـ بعض العنف الذي يصور في أجهزة الأعلام هو رمز للإحباط، ولكن هناك المزيد والمزيد من الجرائم القاسية التي تحدث، والناس الذين يرتكبون هذه الجرائم البشعة يصبحون أصغر سناً فأصغر. ومنذ سنوات قلائل كانت هناك جرائم كثيرة ترتكبها نسوة شابات. أما الآن فإن الفتية الصغار هم الذين يقتلون الناس. واليابانيون البالغون مذهولون تماماً، ولا يعرفون ماذا عساهم يفعلون. ذلك هو الواقع الذي نحن بسبيل الوصول إليه، وهو واقع يزداد تفاقماً كل يوم.

* هل ترين أن هناك حلاً في الأفق لهذا الوضع الآخذ في التفاقم والتعقد؟

ـ لست أدري. وكل ما يسعني القيام به بحسباني كاتبة هو أن أقدم تصويراً أكثر واقعية لهذا الواقع الماثل أمامنا في اليابان المعاصرة.

* من هم الكتاب الذين أثروا فيك أكثر من غيرهم؟

ـ فلانري أوكونور هو مؤلفي الأميركي المفضل. ولكنني في هذه الأيام فإنني أنصب بتفكيري إلى حد كبير على عملي الخاص، ولذا فإنني لا أتلقى الكثير من الإلهام من كتاب آخرين.

* ما الذي كنت تطالعينه في الآونة الأخيرة؟

ـ إنني أقوم بانجاز المادة البحثية لمشروع أعكف على إنجازه عن ما نتشوكوكو، وهي دولة تابعة أدارها اليابانيون في شمال شرقي الصين في الفترة من 1932 إلى 1945.

محطات في مسيرة كيرينو

* ولدت الروائية اليابانية ناتسو كيرينو في عام 1951، وتخرجت من كلية الحقوق بجامعة سيكاي، وقدمت للقراء حتى الآن واحداً وعشرين عملاً، هي ست عشرة رواية، أربع مجموعات قصصية، ومجلد واحد يضم مقالاتها.

* استهلت مسيرتها الإبداعية في عام 1984 بتقديم الأعمال الرومانسية، لكنها ما لبثت أن تخصصت في تقديم روايات الجريمة والرعب التي تركز على الجوانب النفسية لعالم الجريمة كما تعرفه اليابان، وذلك ابتداء من أوائل التسعينيات حتى اليوم.

* من أبرز رواياتها «عالم مظلم وواقعي» و«ليلة بلا ملائكة» و«مكان رقيق» و«الخارج»، وقد تم تحويلها جميعها إلى أفلام شهيرة من قبل مخرجين يابانيين بارزين.

* تقيم حالياً في طوكيو، حيث تعكف على انجاز رواية جديدة من روايات الرعب والجريمة.