تعمل جويل داليغر، مؤلفة هذا الكتاب، أستاذة محاضرة في معهد اللغات والحضارات الشرقية في باريس، وهو أحد أهم المراكز في هذا الميدان حيث يضم كما كبيرا من المخطوطات النادرة، خاصة عن الحضارتين العربية ـ الإسلامية والفارسية.

والمؤلفة مختصة بتاريخ اليونان الحديث في إطار مجموعة صغيرة من الباحثين الفرنسيين وحيث أولت أهمية خاصة لدراسة الأقلية التركية في اليونان والمتواجدة عامة في منطقة «تراس» الغربية وكذلك لدراسة العلاقات التركية ـ اليونانية.

في هذا الكتاب «اليونان منذ عام 1940» تدرس المؤلفة في القسم الأول فترة سنوات 1940-1949 والتي لم تحظ في واقع الأمر إلا باهتمام ثانوي جدا من قبل الباحثين والمؤرخين الفرنسيين. وانطلاقا من هذه الفترة تتم دراسة منحنى التطور الذي عرفته اليونان في مسيرتها التي عرفت الكثير من التعثر، بل وعرفت في فترة ما، لم تستمر طويلا، حكم طغمة من الجنرالات، قبل أن تعود الديمقراطية لتسود من جديد.

وتركز المؤلفة في تحليلاتها على عمق التطور الذي عرفته على مدى عدة سنوات قليلة، اعتبارا من بداية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية عقد الأربعينات الماضي. لقد انتقلت في واقع الأمر من دولة كانت من بين الأكثر فقرا في منطقة البلقان كلها إلى البلد الأكثر غنى فيها.

وعن المسيرة التي عرفتها اليونان كتبت المؤلفة: «بتاريخ 27 أبريل 1941، دخلت القوات الألمانية إلى العاصمة اليونانية اثينا وارتفع العلم النازي فوق الأكروبول - رمز اليونان العريقة وبلد الفلاسفة- وفي اليوم الأول من شهر يناير 2002 حلّ اليورو محل العملة الوطنية اليونانية، أي الدراخما التي جرى التعامل فيها لمدة تقارب الألفي سنة.

واليونان في عام 1940 كانت بلدا في عداد البلدان النامية - التعبير المستخدم بالنسبة للبلدان الفقيرة- اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. أما اليونان في عام 2005 فهي دولة أوروبية ديمقراطية تجذب نحوها مئات الآلاف من العمال الأجانب وهي الدولة التي استقبلت أيضا الألعاب الأولمبية.

وكان دخولها إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية عام 1981 تدشينا لعهد جديد، ذلك أنها كانت قد أصبحت بلدا آخر غير اليونان الفقيرة عام 1941، وبلدا آخر أيضا غير ذلك الفردوس الذي يؤمه أمثال زوربا اليوناني خلال سنوات الستينات،

ولا شك أن الشباب المراهقين اليونانيين مثل السوّاح الأجانب يتخيلون بصعوبة الطريق الصعب الذي اجتازته البلاد خلال نصف قرن من الزمن فقط، ومدى المعاناة والمآسي التي عاشتها قبل الوصول إلى العالم الحالي».

وإذا كان من المعروف أن اليونان هي موطن أحد أعرق الحضارات في التاريخ الإنساني الحديث، وإن الحضارة الغربية كلها تجد جذورها، وتعلن ذلك، لدى الآباء المؤسسين من الإغريق سكان اليونان قديما، فإنه من المعروف بدرجة أقل أن اليونان قد أصبحت دولة مستقلة منذ عام 1832،

وإنها كانت ذات رقعة جغرافية متواضعة استطاعت توسيعها ومد حدودها خاصة باتجاه داخل البلقان عبر حروب عديدة خاضتها ضد الإمبراطورية العثمانية. وهذا يعني أن جذور المنافسة اليونانية-التركية لا تعود فقط إلى المسألة القبرصية وإنما لها تاريخ طويل ممتد على عدة قرون من الزمن.

ومن المعروف قليلا أن اليونان لم تعرف في تاريخها الحديث وتحديدا حتى عام 1974 سوى فترات قصيرة جدا، فترات عارضة، من سيادة نظام ديمقراطي فيها، وذلك خلال فترة 1924 حتى 1926، ثم فترة 1964 حتى 1965.

أما الفترات الباقية فقد كانت ممهورة بوجود أنظمة حكم دكتاتورية عسكرية هذا إذا لم تكن فترات من الحروب الأهلية المتعاقبة، هذا ما تشرحه مؤلفة الكتاب على مدى عشرات الصفحات لتؤكد أن اليونان قد عرفت أعتى الدكتاتوريات الأوروبية، والتي كانت تضاهي في قمعها الداخلي فاشية موسوليني، إذ وحتى عام 1955 كانت «جريمة» الانتماء إلى الحزب الشيوعي اليوناني يمكن أن تؤدي إلى الإعدام.

وكان آخر الأنظمة الدكتاتورية التي عرفتها اليونان في تاريخها الحديث، ذلك النظام العسكري الذي ساد ما بين عام 1967 وعام 1974 والمعروف ب(حكم العقداء) الذين كانوا قد قاموا بانقلاب عسكري وحكموا البلاد بقبضة من حديد ولكنهم سقطوا، ومعهم نظام حكمهم، عام 1974 عندما أرادوا القيام بمغامرة عسكرية في جزيرة قبرص ترمي إلى التخلص من القبارصة الأتراك.

لكن تلك المغامرة انتهت بسقوطهم لتعود اليونان إلى حظيرة البلدان الأوروبية الديمقراطية. وتبدأ مسيرة التوجه نحو أوروبا الموحّدة حيث كانت الخطوة الأولى هي الانضمام إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية عام 1981.

وترى المؤلفة أن مختلف الحكومات اليونانية التي تعاقبت على السلطة بعد عام 1974 عبر المرور بصناديق الاقتراع حرصت على صيانة التوجه الأوروبي بل إنها اعتبرت مثل هذا التوجه بمثابة صيانة وحماية لها من عودة الممارسات الانقلابية العسكرية. وتتم المقارنة في هذا السياق بين المسار اليوناني باتجاه أوروبا والمسار الإسباني الذي انتهج نفس السبيل تقريبا بعد فترة قصيرة من الزمن.

وتبيّن المؤلفة على مدى فصل كامل كيف أن عام 1981، أي عام الانضمام إلى المجموعة الأوروبية الاقتصادية، كان بمثابة منعطف حقيقي في تاريخ اليونان خلال القرن العشرين، وذلك كون أن الخطوة التي قامت بها اليونان باتجاه أوروبا،

قوبلت من قبل المفوضية الأوروبية في بروكسل بتقديم مساعدات كبيرة لليونان مما سمح لها أن تقوم بعملية تنمية كبيرة وتنهض بالبلاد اقتصاديا، إلى جانب تبنّي سياسات اجتماعية خلقت حالة من التوازن والاستقرار وتعزيز الانتماء الأوروبي لدى اليونانيين.

ويتم التأكيد في هذا السياق أن اليونان برهنت على قدر كبير من الكفاءة والإبداع، إذ سرعان ما برزت مجموعات وشركات يونانية كبرى في مختلف القطاعات الحيوية مثل البنوك والخدمات والاتصالات والتأمين. واستطاعت هذه المؤسسات الجديدة أن تنافس،

بل تتفوق، على الشركات الغربية العاملة في نفس الميدان؛ وذلك في منطقة البلقان كلها حيث استفادت اليونان من واقع القرب الجغرافي ومن الروابط التاريخية. هكذا أصبحت اليونان على رأس قائمة المستثمرين الأجانب لدى البلدان المجاورة.

لكن عام 1981 لم يكن ذا أهمية استثنائية بالنسبة لليونان اقتصاديا واجتماعيا، ولكنه أيضا العالم الذي شهد وصول اليسار اليوناني إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع. وقد مرّت تلك الانتخابات دون أية إشكاليات تذكر. واعتبارا من ذلك العام عرفت اليونان تداول السلطة بين اليمين ممثلا بالمحافظين اللبراليين المنضوين تحت لافتة «الديمقراطية الجديدة» وبين الاشتراكيين في حزب «البازوك».

ومن الملفت للانتباه أن هذين «المعسكرين» قد قبلا حكم صناديق الاقتراع ولم يتدخل العسكريون أبدا، بشكل رسمي ومعلن على الأقل، في الشؤون السياسية وإنما «لزموا ثكناتهم»، بل أرادوا أن يلعبوا دور «حماة» الديمقراطية وسيادة الدستور.

وتكرس المؤلفة عدة صفحات من كتابها لتحليل السياسة الخارجية اليونانية مند عام 1940 حتى الفترة الراهنة؛ وهي تؤكد أن هناك تقاربا كبيرا في وجهات النظر فيما يخص السياسة الخارجية بين اليمين واليسار، فالمهم في كل الحالات هو المصلحة اليونانية العليا.

وهذا ما يبدو بوضوح من خلال المواقف التي اتخذتها مختلف الحكومات، يمينية كانت أم يسارية، حيال قضايا العالم. ويبدو نفس التوافق بخصوص التوجه اليوناني الأخير من أجل الوصول إلى نوع من «التقارب» مع تركيا «الخصم التاريخي» لليونان، لاسيما فيما يخص المسألة القبرصية.

وفي المحصلة يتم التأكيد على واقع أن اليونان قد انتقلت خلال عدة عقود قليلة من موقع «عالم ثالثي» إلى ركب البلدان المتقدمة، ومن سيادة أنظمة دكتاتورية، إلى هذه الدرجة أو تلك، إلى نظام ديمقراطي حديث وأوروبي وقادر على المنافسة في شتى الميادين.

وتبيّن المؤلفة في الصفحات الأخيرة للكتاب كيف أن ل(الميدالية) وجهها الآخر، وأن «الاندماج» كثيرا في أوروبا ولوج مختلف سبل الحديث كان له أحيانا مردودا سلبيا، فيما يتعلق بنوع من «فقدان الهوية». ويمكن اليوم مقارنة مستوى الأسعار في اليونان مع أي بلد أوروبي آخر، لا سيما أن اليورو هو العملة المستخدمة.

لقد لحقت اليونان بالركب المتقدم الأوروبي، لكنها لم تأخذ منه فقط «مكاسبه المادية» بل أنها رأت الكثير من العادات والسلوكيات الغربية قد تأصّلت هي الأخرى لدى اليونانيين. هكذا تراخت أواصر الأسرة التي كان تضامنها هو أحد سمات المجتمع اليوناني التقليدي.

وبالتوازي مع هذا تعاظم كثيرا عدد الشباب اليونانيين الذين يتعاطون المخدرات وحيث أصبحت اليونان في عداد قائمة البلدان الأوروبية «الأكثر استهلاكا» لهذه المادّة المخربة. يضاف إلى هذا تزايد أعداد أولئك الذين «لا مأوى ثابت لهم» في شوارع العاصمة اليونانية اثينا وتضاءلت القيمة الشراء لدى الشرائح العمالية وتفاقمت مشكلة الهجرة. باختصار أصبحت اليونان دولة أوروبية تعاني من نفس مشاكل الدول الأوروبية الأخرى.

*الكتاب:اليونان منذ 1940

*الناشر:لارماتان- باريس 2006

*الصفحات: 25 صفحة من القطع المتوسط

La Grèce depuis 1940

Joëlle Dalègre

L'Harmattan- Paris 2006

P. 252