مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب ايان بوروما الذي ولد في لاهاي بهولندا عام 1951. وقد درس علم التاريخ في هولندا قبل أن يسافر إلى اليابان لدراسة الأدب الصيني والسينما اليابانية في جامعة طوكيو. ثم انتقل بعدئذ إلى الولايات حيث نال الجنسية الأميركية وأخذ يشتغل صحفياً.
وبعدئذ راح يتجول في كل أنحاء آسيا ويعمل مراسلاً لعدة جرائد مهمة كالنيويورك تايمز، والفايننشال تايمز، والغارديان، وإحدى الجرائد الإيطالية. ثم أصبح بعدئذ أستاذا محاضرا في عدة جامعات أميركية وانكليزية كجامعة أوكسفورد، وهارفارد، وبرنستون. وأخيرا عين أستاذا لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والصحافة في أحد المعاهد العليا بنيويورك. وبعد مقتل ثيو فان غوخ في هولندا على يد أصولي راديكالي مغربي عاد ايان بوروما إلى بلاده الأصلية للتحقيق في الموضوع. ونتج عن هذا التحقيق الواسع والمعمق كتاب كامل. وكان قد نشر سابقا عدة كتب نذكر من بينها: تاريخ مختصر لأعداء الغرب، الاستغراب: تاريخ مختصر للحرب ضد الغرب. وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن كيفية قتل المخرج السينمائي الهولندي تيو فان غوخ على يد الأصولي المغربي محمد بويري. ومعلوم أن هذا المخرج السينمائي ينتمي إلى العائلة العريقة التي أنجبت واحدا من أشهر الرسامين في التاريخ: فنسنت فان غوخ صاحب اللوحات الشهيرة التي تباع الآن بمئات الملايين من الدولارات.
وملخص القصة هو أن هذا المخرج السينمائي كان يحب الاستفزاز والصراحة في العمل السينمائي. ولكن قبل أن يستفز مشاعر المسلمين كان قد أزعج اليهود أيضاً بكلامه عن المحرقة. وكان يقول بأن اليهود أصمّوا آذاننا بالحديث عن محرقتهم وقد آن الأوان لكي يسكتوا ويتركوا الآخرين يفكرون بالموضوع بحرية. فهناك مجازر أخرى في العالم غير مجزرتهم. وقد أثار كلامه حفيظة بعض المثقفين اليهود فردوا عليه بقسوة.
ثم راح هذا المخرج السينمائي الهولندي يهتم بالمسلمين ويقول إنهم لا يندمجون في المجتمع الهولندي بما فيه الكفاية. ومعلوم أنه توجد في هولندا جالية إسلامية كبيرة معظمها من أندونيسيا، وتركيا، والمغرب، وبلدان أخرى.
وراح هذا المخرج يطلق التصريحات حول الخطر الذي تشكله الحركات الأصولية على المجتمع الهولندي بل والأوروبي كله. وبالتالي فبعد أن استفز اليهود راح يستفز المسلمين. فهل كان مقربا من اليمين المتطرف يا ترى؟ ربما. وعلى أية حال فإن مشاعر العداء للمسلمين تزايدت كثيرا في هولندا بعد ضربة 11 سبتمبر.
ثم يردف مؤلف الكتاب قائلا: وفي عام 2004 أخرج تيو فان غوغ فيلما سينمائيا استفزازيا يعرض فيه صور آيات قرآنية مكتوبة على جسد امرأة. وقد أثار ذلك حفيظة المسلمين كثيرا. وقد كتبت السيناريو امرأة مسلمة من أصل صومالي هي عيان حرسي علي التي أصبحت نائبة في البرلمان الهولندي. وهي أيضاً مقربة من أحزاب اليمين بل وانتخبت نائبة في البرلمان على لائحتهم.
وبعد أن خرج الفيلم في صالات السينما الهولندية تلقى المخرج عدة تهديدات بالقتل. وبالفعل فقد تعرض في الثاني من نوفمبر عام 2004 لطلقات نارية من قبل الأصولي المغربي: محمد بويري. ولكنها لم تقتله أو لم تصبه بما فيه الكفاية. فركض وراءه القاتل في شوارع امستردام حتى لحق به وأجهز عليه بالسكين. وقد صدمت هذه الحادثة الشعب الهولندي كله، بل وجميع الشعوب الأوروبية.
ثم يردف المؤلف قائلا بما معناه: كان بإمكان الأصوليين الراديكاليين أن يخوّفوه دون أن يقتلوه بمثل هذه الطريقة الشنيعة. وهذا ما فعله اليهود في الواقع. فهناك عدة أساليب للرد على الاستفزاز والتحريض غير القتل والذبح. ولكن اليهود كانوا أذكى من المسلمين من هذه الناحية.
ويرى المؤلف أن هذه الحادثة قد أساءت للجالية الإسلامية في كل أنحاء هولندا. وأصبح الناس يخافون من المسلمين ويكرهونهم بسببها. نقول ذلك على الرغم من أن الجالية الإسلامية كانت تعيش بكل سلام وأمان قبل ذلك. ويمكن القول إن هولندا كانت أفضل بلد بالنسبة للمسلمين في كل أنحاء أوروبا.
فقد كانت تعاملهم معاملة حسنة وتوفر لهم العمل والسكن اللائق والمساعدات الاجتماعية، الخ. ولكنها الآن أصبحت تشتبه بهم وتضيق عليهم الخناق مثل بقية الدول الأوروبية. وهكذا دفعت أغلبية المسلمين ثمن جريمة ارتكبتها الأقلية الراديكالية المتطرفة.
والواقع أن اغتيال هذا المخرج والسينمائي في وضح النهار وفي شوارع امستردام صدم الشعب الهولندي في الصميم. فهو شعب تعود على حرية التعبير وكثيرا ما ينتقد الكتاب والفنانون هناك عقائدهم الخاصة: أي المسيحية دون أن يؤدي ذلك إلى ردود فعل عنيفة كما حصل لهذا المخرج الذي ذهب ضحية صراحته الزائدة عن اللزوم.
نقول ذلك وبخاصة أنه قتل وهو في عز الشباب، أي وسنه سبعة وأربعون عاما فقط.
وقد وجدوا على جثته قائمة بأسماء الشخصيات التي سيتم اغتيالها في الوقت المناسب ومن بينها النائبة ذات الأصل الصومالي: عيان حرسي علي. ولذلك وضعت الدولة حراسة مشددة عليها ليلا نهاراً. ويرى المؤلف أن هذه الجريمة تطرح على كل المثقفين الأوروبيين والأميركان السؤال التالي: هل ينبغي على الغرب الذي يتبنى فلسفة التنوير أن يحترم القيم المضادة للتنوير أم يحاربها؟
ماذا نفعل مع الجاليات الإسلامية التي تعتنق قيما أخرى غير قيمنا؟ ويبدو جواب المؤلف غامضا عن هذا السؤال. فهو من ناحية يدعو المسلمين المقيمين على الأرض الهولندية أو الأوروبية أو حتى الأميركية إلى احترام قيم المجتمعات التي يعيشون فيها وقوانينها الوضعية،
ولكنهم يؤمنون بها ويطبقونها على أنفسهم ويريدون من الجميع أن يفعلوا نفس الشيء. ولكنه من جهة أخرى يدعو المجتمعات الأوروبية والأميركية الشمالية إلى احترام عقائد المسلمين وعدم استفزازهم لأن ذلك يؤدي إلى مشاكل في المجتمع.
وبالتالي فموقف المؤلف غامض وملتبس كما يقول البعض. ولكن البعض الآخر يقول بأنه موقف حكيم وعاقل ومتوازن. فالمسلمون غير متعودين على نقد العقائد كما هو حاصل في هولندا منذ القرن السابع عشر. ومعلوم أن هولندا كانت منارة الحرية الفكرية في أوروبا عندما كانت فرنسا لا تزال أصولية متعصبة جدا.
وكان فلاسفة فرنسا يهربون آنذاك إلى هولندا لكي يعيشوا فيها ويكتبوا بكل حرية. والكثيرون كانوا ينشرون كتبهم الاستفزازية ضد الكنيسة المسيحية هناك ثم يدخلونها تحت المعطف إلى فرنسا. وبالتالي فهولندا هي بلد التنوير الأوروبي بامتياز.
ولذلك فإن الناس هناك صدموا كثيرا بجريمة قتل المخرج السينمائي ثيو فان غوخ. ففي هولندا يمكنك أن تنتقد أي شيء تقريبا لأن حرية التعبير مضمونة للجميع، ولا شيء فوق النقد. ولكن السؤال الذي يطرحه المؤلف هو التالي: أليس لحرية التعبير حدود يا ترى؟
هل هي مطلقة بلا أية قواعد أو قيود؟ هل يحق لي أن أهاجم مقدسات دين كامل وشعب بأسره؟ بالطبع فإن طرح مثل هذه الأسئلة لا يعني تبرير جريمة القتل هذه. فهي مدانة برأيه قطعا وبكل المقاييس لأن هناك أساليب أخرى لمواجهة الاستفزازيين أو التحريضيين.
وهنا يتوقف المؤلف طويلا عند شخصية القاتل، أي المتطرف المغربي الذي نفذ عملية القتل بمثل هذه القسوة والإصرار. فمن هو محمد بويري يا ترى؟ عن هذا السؤال يجيب المؤلف قائلا بما معناه: إنه شاب هولندي من أصل مغربي، وقد ولد في هولندا عام 1978. ويبدو أنه كان شابا ناجحا في الدراسة ومنسجما بشكل جيد داخل المجتمع الهولندي، على الأقل حتى أمد قريب.
ثم شاءت الصدفة والأقدار أن يتعرف على بعض الأوساط المتشددة والراديكالية التي أغرته بالانضمام إليها. وبدءاً من ذلك التاريخ راح يحقد على المجتمع الهولندي الذي ولد فيه لأبوين مهاجرين من المغرب. وراح يعتبره مجتمعا كافرا نجسا معاديا لجميع الأديان بما فيها الإسلام.
وأخذ يحتقر نمط الحياة في هولندا باعتبار أنه علماني، ملحد، خارج على الدين. باختصار فإن الأوساط المتطرفة قضت، حسب رأي المؤلف، على مستقبله الذي كان باهرا في البداية بعد أن حشت رأسه حشوا بأفكارها المتعصبة المعادية لكل ما هو حديث. وفي أثناء محاكمته لم يندم على فعلته أبدا وإنما قال بأنه مستعد لفعل نفس الشيء مرة أخرى إذا اقتضت الظروف ذلك.
*الكتاب:جريمة قتل في أمستردام موت تيو فان غوخ وحدود التسامح
*الناشر:بنغوين بريس - نيويورك 2006
*الصفحات: 278 صفحة من القطع المتوسط
Murder in Amsterdam
the death of Theo Van Gogh and the limits of tolerance
Ian Buruma
Penguin Press - New York 2007
P.278

