لوك دوبيوفر، مؤلف هذا الكتاب، هو خريج كلية العلوم السياسية في السوربون، وعضو في مجلس إدارة مركز العلاقات الدولية والإستراتيجية في باريس. تولّى إدارة أكثر من بنك وقام بزيارات عديدة إلى منطقة الشرق الأوسط وأقام فيها لفترة من الزمن.
يضم هذا الكتاب حصيلة مقالات الرأي التي كتبها المؤلف على مدى ما يقارب السنتين في صحيفة «غلف نيوز» الصادرة في دبي. وقدم فيها رؤية أوروبية لقضايا الشرق الأوسط وفي مقدمتها النزاع العربي ـ الإسرائيلي والأوضاع في العراق ورهان الديمقراطية، الخ.
كتب مقدمة هذا العمل الزميل عبد الحميد أحمد، رئيس تحرير صحيفة «غلف نيوز» الذي يشير إلى «دهشته» عندما عرف أن مؤلف هذا الكتاب الذي قدّمه له «صديق مشترك» هو مصرفي وليس صحافياً، وإنه سيكتب تحليلاته عن القضايا الدولية والسياسية. ثم «تفاجأ» مرّة أخرى عندما رأى مدى الاهتمام الذي لاقته كتاباته وما أثارته من نقاشات.
الملفت للانتباه أولا أن مجموعة الآراء التي يحتويها هذا الكتاب، والتي تعود في بعضها، إلى أربع سنوات خلت، لا تزال تحتفظ براهنيتها. ولا تزال التحليلات والآراء المطروحة فيها تنطبق إلى حد كبير على العديد من القضايا التي تعالجها، ذلك لاسيما فيما يتعلق بالأوضاع التي قامت في العراق بعد الحرب الأميركية ـ الانجليزية في ربيع عام 2003.
إن مؤلف هذا الكتاب يؤكد مرارا وتكرارا، وبأشكال مختلفة، إن الأميركيين قد دخلوا المغامرة العراقية دون أن أي تحضير حقيقي لفترة ما بعد الحرب، وبأنهم لن يستطيعوا أن يفرضوا «ديمقراطيتهم» بالقوة. وإن العراق لن يكون «المحطة» التي ستنطلق منها مسيرة «الثورة الديمقراطية الشاملة» التي قال بها الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش.
ومن المواقف الثابتة التي يتم التأكيد عليها على مدى صفحات هذا الكتاب هو أنه لا سلام في منطقة الشرق الأوسط بدون إيجاد حل دائم وشامل يستجيب أولا، وأساسا، إلى حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره لاسيما فيما يتعلق بإقامة دولته المستقلة. ويرى المؤلف أن الوصول بمسيرة السلام إلى نهايتها المنشودة يتطلب انصياع إسرائيل للقرارات الدولية وقبول العودة إلى حدود ما قبل حرب يونيو 1967 مع النقاش الجدي لمسألة اللاجئين.
ويتم الربط في العديد من المقالات ـ المساهمات التي يحتويها هذا الكتاب بين الحالة التي آلت إليها الأوضاع في العراق بعد حرب ربيع 2003 وبين قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي وحيث يتم التأكيد أن الآمال الكثيرة التي بناها البعض على إمكانية أن تحاول الإدارة الأميركية برئاسة جورج دبليو بوش تنشيط مسيرة السلام في الشرق الأوسط في منظور خلق أوضاع أكثر استقرارا قد تلاشت،
أي الآمال، ذلك أن الآلية التي تمّ على أساسها التحضير للحرب من قبل الولايات المتحدة الأميركية دون أخذ أي اعتبار حقيقي لرأي المجموعة الدولية متمثلة في منظمة الأمم المتحدة عززت مواقع المتشددين في إسرائيل، وعلى رأسهم ارييل شارون.
ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب أن يفند، ويشجب، في المساهمات المكتوبة عام 2003، وبالتحديد ابتداءً من مطلع شهر مارس، الحرب الأميركية ـ الانجليزية ضد العراق. إنه يركز في هذه المساهمات على «بطلان» الحجج التي قدمتها إدارة جورج دبليو بوش من أجل شن الحرب وعلى إبراز «الأكاذيب» التي شاركت بنشرها وسائل الإعلام، وخاصة الأميركية منها، في سبيل تبرير قيام الحرب.
ويحظى أيضا الدور الذي لعبه المحافظون الجدد في الإدارة الأميركية من أجل الدفع باتجاه شن الحرب، باهتمام كبير في التحليلات المقدمة. هذا لاسيما وأن هؤلاء هم الذين يرسمون، منذ وصول جورج دبليو بوش إلى سدة الرئاسة الأميركية، الخطوط الرئيسية لسياسة «الأخ الأكبر» الأميركي.
ولعلّ من أهم ميزات هذا الكتاب أنه يقدم رؤية أوروبية، تلقى الكثير من الإجماع حولها لدى الشارع الأوروبي ومهما كانت المواقف الرسمية المعلنة هنا وهناك، لقضايا منطقة الشرق الأوسط وأيضا للعلاقة بين أوروبا والشرق. ومن الواضح، وكما يتم التعبير عنه مرّات عديدة وبأشكال مختلفة، إن المؤلف يعارض تماما مقولة «صدام الحضارات» التي قال بها المفكر الأميركي صموئيل هنتنغتون في كتابه الذي حمل عنوانه المقولة المذكورة «صراع الحضارات».
وباسم الجغرافيا والتاريخ أيضا يرى لوك دوبيوفر أن اللغة الوحيدة التي ينبغي أن تسود بين العالمين الأوروبي خاصة، والغربي عامة، وبين العالم العربي ـ الإسلامي إنما هي «لغة الحوار»، حوار الحضارات، وليس لغة الصدام والحرب.
وإذا كانت العلاقة بين أوروبا والشرق بشكل عام تحظى باهتمام المؤلف فإنه يولي أهمية كبيرة أيضا لدراسة العلاقات الأوروبية والأميركية. وهذا ما نجده بشكل خاص في الكتابات التي يضمها هذا العمل وتعود إلى عام 2005 والتي جرى جمعها تحت عنوان «العمل من أجل المستقبل».
يتم التأكيد في هذا الإطار على أن الصوت الأوروبي المتميز، الذي عبّر عنه بشكل واضح الموقف الأوروبي متمثلا في فرنسا وألمانيا وبلجيكا أساسا، ينبغي تعزيزه كي يكون مسموعا. هكذا يعود المؤلف في العديد من تحليلاته إلى ذكر الخطاب الشهير الذي ألقاه وزير خارجية فرنسا دومينيك دوفيلبان ـ رئيس وزراء فرنسا الحالي ـ في الأمم المتحدة قبل الحرب على العراق الذي لا يزال «مرجعية» بالنسبة للموقف الأوروبي.
لكن الصوت الأوروبي المسموع يقتضي وجود أوروبا قوية. وهذا ما يدعو له المؤلف بكل صراحة ووضوح، مع تأكيده على أهمية عدم الوقوع ب«نزعة العداء» لأميركا. بل إنه يؤكد على أهمية العلاقة الإستراتيجية بين «القارة القديمة» أوروبا، والعالم الجديد، الأميركي.
ولا ينسى المؤلف أن يذكّر بمناسبات عديدة أن قوى عالمية صاعدة ستأخذ موقعها على «رقعة شطرنج» السياسة الدولية وسيكون لها صوتها في شؤون العالم الذي نعيش فيه، وليس أقل هذه القوى شأنا الصين والهند والبرازيل.
ويكرس المؤلف، في إطار بحث علاقة أوروبا والشرق، عددا من الصفحات لمسألة «انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وما تثيره من نقاشات». إنه يؤكد على وجود ثلاثة معايير أساسية يطالب الأوروبيون تركيا بتحقيقها من أجل البحث جديا بإمكانية انضمامها إلى مسيرة التوحيد الأوروبي.
وهي قيام دولة قانون واحترام حقوق الإنسان وتحديث الاقتصاد بحيث يمكنه خوض المنافسة في الأسواق المفتوحة. لكنه يرى أن هذه المعايير لا تشكل سوى جزء من الصورة في العلاقة من تركيا إذ هناك أيضا إرث «الإمبراطورية العثمانية» التي ارتبطت بأذهان الأوروبيين ب«الغزو والتدمير».
وإذا كان انضمام تركيا يشكل الآن قضية مطروحة للنقاش ولتباين الآراء» في أوروبا فإنه يرتبط، في نهاية المطاف، بمسيرة الإصلاحات التي ستنجزها تركيا خلال السنوات القادمة ليصار بعد ذلك إلى تقييم «مناقب» و«مثالب» انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، والذي سيخضع
كما تدل جميع المؤشرات إلى استفتاءات شعبية في العديد من البلدان الأوروبية المعنية بالنسبة لبلد تقع نسبة 90% من أراضيه في القارة الآسيوية ويعتنق 98% من سكانه البالغ عددهم 70 مليون نسمة، حسب الإحصائيات الأخيرة، الدين الإسلامي، كما يشير المؤلف الذي يطرح في صفحات قليلة إشكالية انضمام تركيا لأوروبا كما هي، وبقدر كبير من الموضوعية، بعيدا عن المواقف الإيديولوجية.
«حروب قديمة وحروب جديدة»، هذا هو العنوان الذي تمّ اختياره لمساهمات عام 2004 في هذا الكتاب. هنا أيضا تبرز للوهلة الأولى «راهنيتها» وكأنها مكتوبة في الأمس القريب. ولا شك أن هذا يعود بجزء كبير منه إلى واقع أن الأوضاع المكرّسة لها لا تزال مستمرة أكان ذلك في العراق أو فيما يخص القضية الفلسطينية.
وهاتان المسألتان تحظيان بالاهتمام الأكبر للمؤلف. ويتم التركيز هنا محاولة شرح حالة «الخلط» القائمة حول «الإرهاب» الذي تشن الولايات المتحدة الأميركية «حربا عالمية» ضده. إنها حرب جديدة بين قوى «غير متكافئة» من حيث موازين القوى العسكرية للأطراف التي تتواجد فيها.
ثم هناك «خلط» آخر، يؤكد عليه المؤلف، فيما يخص تحديد مفهوم «الإرهاب» إذ أصبح يمكن «قول كل شيء ضد كل شيء»، ذلك في غياب أي حد فاصل ومتفق عليه بين ما هو عمل إرهابي «حربي» وبين ما هو عمل مقاومة «دفاعي» ضد عمل حربي خارجي.
«عالم أكثر أمانا؟» هو كتاب يؤكد فيه مؤلفه على إشارة الاستفهام الكبيرة الموجودة في عنوانه، والتي أصبحت كبيرة «أكثر فأكثر» اليوم. أكان ذلك بالنسبة للأوضاع في العراق كما بالنسبة لمسيرة السلام المعطّلة في الشرق الأوسط.
وهو كتاب يتميز أيضا بأسلوبه الواضح وجمله القصيرة، وبإمكانية قراءته في كل الاتجاهات، حيث أن كل مساهمة من مساهماته تعالج موضوعا محددا، لكنها تشكل في مجموعها وحدة مترابطة لها منطقها الثابت وخطّها الناظم الواضح، دون تطرف أو اسفاف، و«عالم أقل أمانا» بدون أية إشارة استفهام.
*الكتاب:عالم أكثر أمانا؟
*الناشر:ساوث ستريت ـ لندن 2007
*الصفحات :245 صفحة من القطع المتوسط
A safer world
Luc Debieuvre
South Street - London 2007
P. 245
