فرانسوا بافوال، باحث اجتماعي فرنسي ومدير للدراسات في مركز الأبحاث الدولي التابع للمركز القومي الفرنسي للبحث العلمي. يعمل أيضا كأستاذ في كلية العلوم السياسية لسوسيولوجية الشيوعية وما بعد الشيوعية في جامعات ديجوب وباريس في فرنسا وجامعة برلين في ألمانيا.

سبق له وقدّم العديد من الدراسات والكتب من بينها: «ما بعد الشيوعية» و«البطالة والتهميش في أوروبا ما بعد الشيوعية» و«الاستراتيجيات الألمانية في أوروبا الوسطى والشرقية». «أوروبا الوسطى والشرقية» كتاب يعود فيه المؤلف إلى دراسة أنظمة دول المنطقة المعنية خلال فترة التحول الكبير الذي شهدته من الشيوعية إلى اقتصاد السوق.

وهو يوزع عمله بين ثلاثة أقسام رئيسية تحمل العناوين التالية: «موروثات ونهايات الأنظمة ذات النمط السوفييتي» وتشكّل الدول المركزية ثم أخيرا: «مجتمعات وأسواق». ويقوم المؤلف أولا برسم لوحة عيانية لواقع الاقتصاد السياسي للاشتراكية من النمط السوفييتي، أي الاقتصاد الموجّه الذي تلعب فيه الدولة الدور المركزي والذي أثبت عدم قدرته على المنافسة.

هذا فضلا عن أنه دفع مجتمعاته نحو الأزمات والطريق المسدود. وما شكّل المقدّمات التي انتهت إلى انهيار جدار برلين عام 1989 وما تبع ذلك من انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الوسطى والشرقية واحدا بعد الآخر. وكان سقوط ذلك «السور» حدثا، أو بالأحرى «الحدث» الذي يرى المؤلف أنه أعاد رسم خارطة أوروبا عبر توحيد الألمانيتين، الشرقية والغربية أولا، ثم عبر مسيرة التوحيد الأوروبي التي شملت على مدى 15سنة أغلبية بلدان المعسكر السوفييتي السابق.

ويرى المؤلف أن هذه الفترة شهدت استعادة دول المنطقة لسيادتها التي «ضاعت» طويلا ولمرّات ومرّات. ويميّز في دراسة لأوروبا الوسطى والشرقية بين أربع مجموعات من الدول هي دول البلطيق، أي استونيا وليتوانيا وليتونيا ودول وسط ـ شرق أوروبا، أي بولندة وجمهورية تشيكيا وسلوفاكيا وهنغاريا ـ المجر،

ثم مجموعة تضم بلدين من منطقة البلقان هما: رومانيا وبلغاريا ـ اللتان أصبحتا في عداد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي اعتبارا من مطلع شهر يناير 2007 ـ وأخيرا ألمانيا الديمقراطية ـ الشرقية السابقة التي أصبحت اعتبارا من عام 1990 الجزء الشرقي من الأمة الألمانية التي توحّدت من جديد بعد عقود من الانقسام، بل والخصومة، بين شطريها الغربي «الرأسمالي» والشرقي «الاشتراكي».

ومن الملاحظ أن المؤلف قد وضع يوغسلافيا «جانبا»، الأمر الذي علله بالقول ان الفيدرالية اليوغسلافية التي صاغها وقادها المارشال جوزيف بروز تيتو قد عرفت مسارا تطويرا متفردا بالقياس إلى تطور البلدان المحيطة بها.

ويؤكد المؤلف في شروحاته أن تأكيد دول بلدان أوروبا الوسطى والشرقية على استقلالها السياسي والاقتصادي والاجتماعي شكّل القاعدة التي قامت على أساسها مختلف التحولات التي شهدتها في فترة ما بعد الشيوعية. وفيما يخص العلاقة مع العولمة فيتم التأكيد أن هذه العولمة لم تؤد إلى قيام ليبرالية غير خاضعة لأية سيطرة.

وإنما جرت «أقلمة» الانضواء في اقتصاد السوق مع الواقع الذي أنتجته المسارات التاريخية للبلدان المعنية. ويتم التأكيد هنا أن دور الاتحاد الأوروبي كان رافدا مهما من أجل مساعدتها، عبر «التضامن» معها كي تستطيع النهوض وتستعيد النهوض وتستعيد موقعها في إطار القارة بعد حالة «الاغتراب» الطويلة التي عاشتها في ظل الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكري الشرق والغرب و«الحرب الباردة».

وتشير التحليلات المقدّمة إلى أن بلدان أوروبا الوسطى والشرقية، الشيوعية سابقا، قد عرفت خلال الخمس عشرة سنة التي أعقبت سقوط المعسكر السوفييتي «ثورة حقيقية» على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحيث تعيش مجتمعاتها نوعا من «إعادة البناء» في سياق جديد،

وذلك بعد أن كانت قد عانت من «التهميش» لفترة طويلة من الزمن تتجاوز، كما يرى المؤلف، عقود أنها كانت مجرد «نيازك» تدور في «الفلك السوفييتي»، وتضرب جذورها حتى القرن التاسع عشر حيث كانت «بلدانا هامشية» بالنسبة ل«المركز» الأوروبي الغربي.

ومن الملاحظ أن مؤلف هذا الكتاب، وكما هي القاعدة عموما عند دراسة منطقة واسعة تضم العديد من البلدان، يركز على دراسة دول معينة أكثر من غيرها. هكذا يسلّط الأضواء خاصة في سياق بحثه على كل من بولندة وبلغاريا وليتوانيا.

ويتم التعرض لها أساسا من منظور آلية تشكّل الدول فيها عبر التبدلات التي عرفتها قوانين «الملكية الخاصة» والسياسات الاجتماعية في مجال العمل والاستخدام ومجالات الرعاية الصحية ودور الدولة المانحة، الخ. تجدر الإشارة هنا إلى أن المؤلف يستفيض في دراسة الإصلاحات التي عرفتها القوانين الخاصة بالتقاعد في هنغاريا ـ المجر وقوانين الخصخصة في جمهورية تشيكيا والتطورات في حقل الإصلاح الزراعي في رومانيا.

ومن الملاحظ أيضا أن المؤلف يركّز في شروحاته، خلال الأقسام الثلاثة من كتابه، على القول ان فهم ما آلت إليه الأوضاع في لبدان أوروبا الوسطى والشرقية يتطلب بالضرورة فهم «وزن» إرث الماضي القريب، وتحديدا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 وحتى سقوط جدار برلين عام 1989.

ويرى أن معرفة الآليات التي قامت على أساسها عملية «التحديث» خلال تلك الفترة وأيضا الآليات التي عولجت على أساسها أزمات الفترة الواقعة بين سقوط جدار برلين والسقوط النهائي للمعسكر الشيوعي لا بد منها ـ أي معرفة الآليات، من أجل فهم التطورات اللاحقة.

ومن الشائع التعرض، في إطار الحديث عن أشكال الاحتجاج و«الثورات» التي شهدتها بلدان أوروبا الوسطى والشرقية في ظل المنظومة الشيوعية، عن «الثورة» التي شهدتها هنغاريا ـ المجر ـ في عام 1956 وعن أحداث «ربيع براغ» في تشيكوسلوفاكيا عام 1968، وحيث شاركت الدبابات السوفييتية بقمع الحركتين الاحتجاجيتين.

إن مؤلف هذا الكتاب يقوم بدراستهما أيضا على أساس أنهما كانتا «الأكثر حسما»، لكنه يدرس أيضا سلسلة من التحركات الشعبية، الأقل شهرة، وإنما ليست «ذات دلالة» واضحة بل كان لها أثرها الكبير لاسيما في انطلاق الحركات الشعبية عام 1989 وفي طريقة إدارتها.

ذلك على أساس أن تلك التظاهرات الشعبية كانت تحمل في جوهرها التعبير عن وجود «هوية وطنية قوية» تناضل ضد قوة الاحتلال، بل ويرى أن هذه التحركات، كانت في أشكالها الجنينية السابقة، كان لها دور «حاسم» في تطور الأحزاب الشيوعية نفسها في العديد من بلدان أوروبا الوسطى والشرقية.

وفي القسم الأخير من الكتاب الخاص ب«المجتمعات والأسواق» يولي المؤلف أهمية خاصة لدراسة دور المجتمع المدني ومؤسساته وتعبيراته المختلفة في تطور مجتمعات بلدان أوروبا الوسطى والشرقية. ويتعرض أيضا لدراسة المسألة الفلاّحية، وإلى دور النقابات،

وهو يركز بشكل رئيسي على دراسة الدور «المركزي»، كما يرى، لنقابة التضامن البولندية التي انطلقت عام 1980 من ورشة «لينين» في مدينة غدانسك البولندية. وهو لا يتردد في القول ان قيام تلك النقابة المستقلة كانت بمثابة «لحظة استثنائية في تاريخ أوروبا الوسطى».

وهو يرى بها لحظة استثنائية نظرا للقوى الكبيرة التي استطاعت تعبئتها خلال فترة قصيرة من الزمن نسبيا، إذ بلغ عدد أولئك الذين انتسبوا لها ستة ملايين عضو. وكانت استثنائية أيضا من حيث ما أظهرته من دينامية وفاعلية في مواجهتها مع نظام بيرقراطي وجنرالاته.

ويركز المؤلف في هذا الإطار على دراسة شخصية ليش فاليسا، عامل الميكانيك، الذي أصبح فيما بعد رئيسا لبولندة. وعرف كيف يقود نقابته حسب برنامج دقيق ومنظّم، بل وبرنامج يحتوي، منذ البداية، على خطط في منظور إعادة تنظيم الدولة نفسها، وتنظيم علاقتها مع المجتمع المدني.

ويرى المؤلف أن قيام نقابة التضامن كان «لحظة استثنائية» من حيث قدرتها على أن تجمع في «بوتقة» واحدة بين مختلف مكوّنات المجتمع البولندي وتياراته العلمانية والدينية حيث تلعب الكنيسة الكاثوليكية دورا «حجّمته» السلطة الشيوعية لكنها لم تستطع أبدا أن «تخمده» نهائيا.

ويتم التأكيد في هذا الإطار أن نقابة «التضامن»، ورغم أنها قد «تفجرت» إلى عدد كبير من التيارات والتكتلات منذ أن فقدت «علّة» وجودها، أي منذ سقوط النظام الشيوعي، فإنها تظل أحد «المحركات» الأساسية المبكّرة في عملية التغيير الذي عرفه العالم الشيوعي كله.

*الكتاب:أوروبا الوسطى والشرقية، العولمة والاندماج في أوروبا والتغير الاجتماعي

*الناشر:سيانس بو ـ باريس 2006

*الصفحات : 567 صفحة من القطع المتوسط

Europe Centrale et Orientale, mondialisation, européanisation et changement social

François Bafoil

6002 siraP - op secneiS

765 .P