مع تحول نظام الحكم الإسلامي من الخلافة الراشدة إلى ملك عربي يقوم على التشبث بالسلطة السياسية والمنفعة، نجد أن تسوية أمور الدولة لم تعد تدور في إطار ما هو شرعي من عدمه، وإنما تحولت إلى اجتهاد دنيوي محض بهدف السيطرة في إطار أيديولوجية الصراع على السلطة،
والتي كان للاغتيالات السياسية فيها دور كبير في حسم هذا الصراع. في هذا الإطار يقدم الكاتب المصري محمد خليل هذا الكتاب في سبعة فصول وملاحق ومخطوطات وصور وقائمة بالمراجع العربية والانجليزية. بداية يتعرض المؤلف لماهية القتل والاغتيال من حيث توضيح المفهوم اللفظي والمضموني لكل منهما، مع تحديد الأشكال والصور التي يتم بها القتل، وشرح الاغتيال كأحد أنماط القتل.
ويتعرض الكاتب إلى مفهوم الاغتيال السياسي (خيانة شخص أو جماعة ما لشخصية قيادية سياسية مهمة وقتله بشكل مفاجئ، بما يؤثر على النشاط السياسي وإدارة شؤون الدولة). ثم يوضح دوافع الاغتيال السياسي والتي تنقسم إلى ما هو ديني (تكفير الحاكم ـ الاختلاف المذهبي)، وسياسي (المنافسة على الحكم ـ التخلص من المنافسين)، واجتماعي واقتصادي (تردي الأوضاع ـ الفجوات الطبقية الواضحة)، وشخصي ونفسي (خصومة شخصية ـ أمراض نفسية).
ثم يتحول الكاتب إلى الفتح الفاطمي لمصر والذي كان له أسباب مختلفة مثل: ثورات الخوارج والبربر والزناتية والأمويين بالأندلس، وندرة الموارد الاقتصادية بالمغرب العربي إذا ما قورن ببلاد المشرق. كما كانت الرغبة الفاطمية في استرداد حقهم المسلوب في حكم العالم الإسلامي، كما يزعمون، دافعاً قوياً للنزوح إلى الشرق وخاصة مصر التي كانت تحت الحكم العباسي، الذي كان في أشد حالات الضعف،
مع سيطرة الجند الترك على الخليفة في بغداد وتدخلهم في تولية الولاة، مع تتابع موجات الفتن والقلاقل، وانشغال العباسيين بقتال الديالمة المسيطرين على بغداد. ثم يستعرض الكتاب الحالة العامة للأوضاع في مصر قبل الفتح الفاطمي، والتي كانت في حالة تدهور، كما كانت انتصارات جيوش المعز لدين الله الفاطمي على الروم في موقعة «مجازريو» عام 345ه/ 956م،
وسيطرته على جزر كريت وصقلية وسردنية والبحر المتوسط، مع تحييد الخليفة الأموي في الأندلس عبد الرحمن الناصر بمعاهدة الدفاع المشترك، كلها كانت مقدمات للحملة الكبرى التي قادها جوهر الصقلي للاستيلاء على مصر عام 358ه/969م. وبعد ذلك قام الصقلي بعدة خطوات إصلاحية تشجيعية في مختلف الميادين السياسية والدينية والقضائية والشرعية والاجتماعية، كما عمل على تخطيط القاهرة لتكون مقراً للحكم،
وتم وضع أساس الجامع الأزهر في الرابع من رمضان عام 359ه/ 969م، والذي افتتح للصلاة في رمضان 361ه/971م. وقد رحب المصريون بالفتح الفاطمي، مع تمسكهم بهويتهم الدينية، بالرغم من أن الفاطميين أبعدوهم عن وظائف الدولة العليا واستبدلوهم بالمغاربة والأتراك والأرمن وأهل الذمة،
وبالتالي أصبحت حكومة الفاطميين أقلية بعيدة عن جموع الشعب. ثم يستعرض المؤلف الاغتيالات السياسية للخلفاء الفاطميين، رمز الخلافة والقاعدة الأساسية للتاريخ الفاطمي . وقد حفل ذلك التاريخ بثلاث حوادث اغتيال دبرت بدقة شديدة،
أولها اغتيال الحاكم بأمر الله (أبو علي المنصور بن العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله) المولود يوم الخميس 23 ربيع أول عام 375ه/985م والمغتال في 27 شوال عام 411 ه/ 1020م بتدبير من أحد قواده وهو «بن دواس» عامل كتامة، والذي قتلته «ست الملك» شقيقة الخليفة انتقاماً لشقيقها. ثم اغتيال الخليفة الآمر بأحكام الله (المنصور بن المستعلي بالله) المولود عام 490ه/ 1096م
والمغتال في الثالث من ذي القعدة عام 554ه/ 1159م على يد الطائفة النزارية (نسبة إلى الأمير نزار بن المستنصر) والتي رأت في توليه الحكم اغتصاباً لحقها في الخلافة على حسب المذهب الإسماعيلي من تولية الابن الأكبر. لذلك عملت تلك الطائفة على زعزعة الحكم باغتيال الخليفة لتحقق حلمها في تولي «الإسماعيلية النزارية» الحكم بدلاً من «الإسماعيلية المستعلية».
ثم اغتيال الخليفة الظافر(أبو منصور اسماعيل بن الحافظ لدين الله) المولود في جمادى الآخر عام 527ه/ 1132م، والمغتال في 548ه/ 1153م على يد «نصر بن الوزير عباس» وبإيعاز من الوزير «أسامة بن منقذ» الذي علم بنية الخليفة الظافر في البطش به بعد علمه بتدبيره قتل أحد الوزراء.والجدير بالذكر إشارة المؤلف إلى عدم مشاركة المصريين في تلك الاغتيالات بل نجد أن معارضتهم للفاطميين كانت تتم بطريقة سلمية.
كما أن جميع تلك الاغتيالات قامت بها فئات غير مصرية مثل: المغاربة ـ الأرمن ـ الأتراك ـ النزارية، من أجل زيادة النفوذ والتوسع في السلطات.ويشير الكاتب إلى دور المرأة في الاغتيالات السياسية من خلال استعراض أدوار بعض سيدات البيت الفاطمي من أمثال «ست الملك»
وهي الأخت الكبرى للخليفة الحاكم بأمر الله، والملكة أم المستنصر بالله (جارية من محظيات الخليفة الظاهر اسمها رصد)، وأخت الخليفة الظافر، وعمة الخليفة العاضد. وقد تراوح دور كل منهن على حسب عمر الخليفة وقوته وموقف وزرائه، علاوةً على أن كلا منهن قد شاركت في الاغتيال السياسي بهدف مختلف (حفظ وحدة الدولة ـ الانتقام ـ تثبيت أركان الحكم ).
ثم يتحدث الكاتب عن أثر الاغتيالات السياسية على المنطلقات الدينية للدولة الفاطمية وسياستها الداخلية والخارجية حيث لعب الخليفة الفاطمي دوراً كبيراً في إثراء الدولة وزيادة نفوذها الديني والسياسي داخلياً وخارجياً.
وكانت دعوتهم الدينية تتراوح بين ازدهار وانحسار على حسب قوة الخليفة ونفاذ سلطانه، وعلى طبيعة الشعب ومدى تقبله لطريقتهم في الحكم وأسلوبهم في الدعوة. كما تراوحت الأحوال الداخلية من ازدهار ورخاء واستقرار أمني في عهد الخلفاء الأقوياء والوزراء الأقوياء (الأفضل بن بدر الجمالي ـ الصالح بن رزيك)، وبين السلب والنهب والفتن والحروب الداخلية بين أمراء الجند والولاة، وقادة الطوائف في عهد الخلفاء والوزراء الضعاف.
وعلى مستوى السياسة الخارجية فقد كانت العلاقات مع الدولة البيزنطية، وخاصة في مناطق النفوذ في البحر المتوسط، تتأرجح بين الشد والجذب على حسب سيطرة الخليفة الفاطمي، حتى وصل مستوى التعامل التجاري في بعض الأحيان، إلى تصدير المنتجات المصرية من مصانع «تانيس» (مدينة دمياط الساحلية) واستيراد الغلال والأخشاب من مدن البحر المتوسط (جنوة ـ البندقية ـ بيزا البيزنطية).
ثم يتناول المؤلف أثر الاغتيالات السياسية على الحضارة الإسلامية في العصر الفاطمي، حيث تمثلت تلك الحضارة في الفكر والفن والعمارة والاحتفالات والنظم الاجتماعية. فقد كان لخلفاء الدولة في فترات الازدهار فضائل كثيرة على تلك المظاهر من إنشاء لدور الكتب وتشجيع للعلماء والمفكرين، بل للفقهاء المجتهدين والمجددين،
وكانت مجالس الخلفاء والوزراء تتسع للشعراء والأدباء وذوي العلم والفقه وكان الخلفاء يجزلون العطاء لرموز تلك النهضة الشاملة. وقد تم إنشاء كثير من المنارات الفكرية والدينية مثل :الأزهر الشريف ـ دار الحكمة ـ دار الكتب. وبالنسبة إلى الحياة الاجتماعية (الاحتفالات ـ الأعياد ـ المواسم) مثل: المولد النبوي ـ عيد الفطر ـ عيد الأضحى ـ النصف من شعبان ـ مولد الحسين ـ يوم عاشوراء ـ عيد الغدير (غديرخم) ـ عيد النيروز ـ عيد الغطاس ـ عيد الفصح.
وقد كانت الاحتفالات بعيد كسوة الشتاء والصيف ـ الاحتفال بالمواليد (السبوع) ـ الختان ـ . من المناسبات الاحتفالية القومية والأسرية. وشهدت النهضة المعمارية والفنية أشكالا من الزخرفة الإسلامية على المنسوجات وجدران القصور والمساجد، وتطور فن النحت والتصوير والنقش على الزجاج والمعادن.
وعلى مستوى التخطيط العمراني فإن حارات وأسوار وبوابات وقصور القاهرة شاهدةً على تلك النهضة العمرانية، والتي شأنها شأن جميع مظاهر الحياة الاجتماعية في مصر الفاطمية، كانت تشهد حالات من الانتشار والانحسار على حسب قوة الدولة، والتي كانت مرادفاً لقوة الحاكم.
لقد كان الاغتيال السياسي عاملاً من عوامل عدم الإحساس بالأمن داخل المجتمع، كما كان دافعاً لانصراف الحكام عن إثراء عمليات الإبداع والتطوير،وانصرافهم لإحكام قبضتهم العسكرية والأمنية على البلاد، مما عجل بنهاية تلك الدولة (الحضارة) التي امتدت لقرنين من الزمن.
محمد جمعة
*الكتاب: الاغتيالات السياسية في مصر في عهد الدولة الفاطمية
*الناشر:مكتبة مدبولي - القاهرة 2006
*الصفحات:308 صفحات من القطع الكبير
