صدر عن الدار المصرية اللبنانية للدكتور (شريف درويش اللبان)، كتاب «الصحافة الإلكترونية.. دراسات في التفاعلية وتصميم المواقع»، وهو يتعرض إلى الجريدة الإلكترونية، فلم تعد الجرائد مجرد حبر اسود على ورق ابيض كما كانت من قبل، بل أصبحت صوتاً على الهاتف، مجموعة من النقاط على شاشة الكمبيوتر، أو قرص مدمج CD- ROM،

حيث أصبح للاتصال الإلكتروني أهميته الكبرى في التعرف على الأخبار والمعلومات، والآن تمضي الجرائد الأميركية في طريقها إلى تكنولوجيا الوسائط المتعددة، كما تعمل على تطوير نفسها حتى لا تقدم منتجاً واحداً لكل القراء، ولكن عدداً من المنتجات لجمهور متباين، جمهور من كل الأعمار والأجناس والأديان واللغات والتوجهات العرقية والاهتمامات. وربما بتشجيع من نجاح نظام «مينيتل» في فرنسا، طورت شركتا «آي بي ام» ، و«سيرز» شبكة للأخبار والاتصالات باسم «برودجي» . وقد توافق بدء هذه الخدمة عام 1987 مع نشوء الحاسب الآلي الشخصي والربط المتزايد بين أجهزة الكمبيوتر، وخاصة في المؤسسات البحثية والأكاديمية. وظهرت خدمات أخرى أفادت من البيئة الجديدة، ومن بينها الخدمات التي قدمتها شركة «نايت رايدر»، التي وحدت مجهوداتها مع شركة «أميركا اون لاين» لإنشاء شبكة للمشتركين، وبدأت الشركتان في تطوير «مركز ميركوري» في «معمل تصميم المعلومات» في مدينة «بولدر» بولاية كولورادو.

وهكذا، فإن الجريدة اللاورقية والتي تعود جذورها إلى أواخر عقد السبعينات، أصبحت تصل للمنازل من خلال الخدمات المباشرة لقواعد البيانات مثل خدمة «برودجي» والتي صُممت لكي تصبح جريدة قومية أميركية تصل مباشرة إلى المنازل بالإضافة لعدد من الجرائد نفسها بدأت في الدخول إلى عالم الخدمات المباشرة.

ونظير اشتراك شهري ضئيل، فإن الجريدة اليومية، وخاصة تلك الموجودة في المدن الأميركية الكبرى، تقدم لقرائها مثل هذا الزاد اليومي من الأخبار التي يتم تحديثها على مدار 24 ساعة يومياً، بالإضافة لمزيد من المعلومات التي تفوق الأخبار التي تحويها الصحيفة المطبوعة حول القصص الرئيسية، هذا بالإضافة لإمكانية الوصول للإنترنت.

ونظير رسم إضافي، يمكن للقارئ الحصول على المواد الرياضية، ونتائج المباريات، وسباقات الخيل، وحلول الكلمات المتقاطعة، وقراءة الطالع بشكل أكثر تفصيلاً. وأولئك الذين يعرفون أين يبحثون على الإنترنت يمكنهم أن يجدوا ملخصات إخبارية من الجرائد الصادرة في دول العالم المختلفة.

وعلى سبيل المثال، تقدم «كلارينت» الأخبار المستقاة من الخدمات الإخبارية، وهذه الأخبار مصنفة حسب المنطقة الجغرافية والموضوع. ولوكالة اسوشيتدبرس وشبكة «سي إن إن» موقعان إخباريان منفصلان، وهكذا تفعل مئات الجرائد ومحطات التلفزيون ومحطات الراديو والمجلات والنشرات. والجدير بالملاحظة أن عدد هذه المواقع في زيادة مطردة بصفة يومية.

وعلى الرغم من أن الإنترنت بدأت منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً مضت، إلا أنها لم تجد إقبالا من ناشري الصحف كوسيلة للنشر الإلكتروني حتى عام 1993، عندما بدأت شبكة الويب العالمية في الظهور. وإذا كانت الإنترنت قد أتاحت للناشرين في مجال النشر الإلكتروني الظهور، فإن شبكة الويب ساعدتهم على الازدهار.

وكانت بعض الخطوات ذات الدلالة في تطوير الجرائد الإلكترونية نتاجاً مهماً لأبحاث «مركز ميركوري». وأتاح المركز صحيفة «سان جوزيه ميركوري نيوز» على الخط المباشر عام 1993، لتكون في مقدمة الجرائد الإلكترونية المنشورة على الويب.

وقدمت هذه الصحيفة خدمات إضافية مثل أرشيف الأخبار الذي يعود إلى عام 1985، وتوسعت في نشر المعلومات المحلية، وأتاحت لوحة للنشرة الإلكترونية للقراء لكي يتصلوا بعضهم ببعض ويتصلوا بالمحررين. كما قامت الصحيفة أيضا بتقديم خدمة إخبارية شخصية، حيث يتلقى الفرد موضوعات يتم نقلها إليه عبر البريد الإلكتروني.

وكانت «إلكترونيك تليغراف» ، النسخة الإلكترونية من صحيفة «ديلي تلغراف» صحيفة الويب الرائدة في بريطانيا، بظهورها على الإنترنت في نوفمبر من العام 1994. وظهرت صحيفة «التايمز» في سبتمبر من ذلك العام على الويب، وتضمنت ندوة نقاش تفاعلية، إلا أنها كانت خدمة نصية متواضعة، ولم يتم تضمينها تكنولوجيا الويب الحديثة.

ويركز موضوع هذا الكتاب على رصد وتحليل الاتجاهات العالمية الحديثة في بحوث الصحافة الإلكترونية، ويعد هذا الموضوع مهماً نظراً للتحولات الجوهرية التي تشهدها صناعة الصحافة في الوقت الراهن من الصحافة الورقية المطبوعة إلى الصحافة الإلكترونية التي تتمتع بسمات مختلفة وطبيعة متفردة،

جعلت البعض يرى أن مستقبل وسائل الإعلام الإلكترونية يكمن في الشاشات عالية الوضوح التي تنبض بالمعلومات في مختلف المجالات. ويرى البعض أن قطاعات الثقافة كافة والكتب والجرائد والمجلات والفيديو والتسجيلات الموسيقية والأفلام والبريد الشخصي سوف تصبح رقمية.

لكن ماهو الفرق بين الصحيفة الإلكترونية والمطبوعة؟ توجد العديد من الاختلافات بين الجريدة الإلكترونية والجريدة المطبوعة، وتعد هذه الاختلافات جوانب ايجابية تُحسب للجريدة الإلكترونية، فالصحيفة الإلكترونية تعد حرة من القيود المتعلقة بالمساحة،

وهو ما يسمح لها بمزيد من التغطية المحلية على سبيل المثال. ويستطيع القارئ أن يبحث في أرشيف الجريدة عن المقالات ذات الصلة، والتي يمكن أن تمده بخلفية عن أحداث اليوم. كما توجد أشكال من المعلومات التي لا تظهر في الجريدة المطبوعة، وتكون ملائمة بشكل اكبر للمنتج الإلكتروني.

وعلاوة على ذلك، فإن الجريدة الإلكترونية تستطيع توفير عناوين البريد الإلكتروني للمحررين والمخبرين، وتستطيع أن تربط القراء بمصادر أخرى للمعلومات، بما فيها مقتطفات من الخطب الصوتية والمؤتمرات الصحافية والأحداث.

وعلى الرغم من أن الإنترنت تستطيع أن تساعد الناشرين على توفير تكاليف تجهيزات ما قبل الطبع وعملية الطباعة ذاتها والتوزيع بالنسبة للصحافة الورقية، فإن الجرائد الإلكترونية بدأت تدر عائدات من قرائها، فبعض الجرائد مثل: «سان جوزيه ميركوري نيوز» ، «نيويورك تايمز» ، «يو اس ايه توداي» ، «لوس انجلوس تايمز» تتيح للقراء بعض المواد السريعة مجاناً، ولكن إذا أراد القراء مطالعة الصحيفة بأكملها، فإن عليهم أن يشتركوا في الطبعة الإلكترونية.

ويعتقد البعض انه إذا أرادت جرائد الانترنت جني عائدات، فإنه يجب أولا تحسين المضمون لكي يجذب الجمهور، فإذا لم تكن المعلومات مهمة لكي تُطبع على صفحات الجريدة، فما السبب الذي يجعل القراء يدفعون لكي يسترجعوا هذه المعلومات على الإنترنت؟.

إن التحدي الذي يواجه الصحافي ليس الوسيلة، ولكنها الرسالة، وهو ما يناقض ما اعتقد مارشال ماكلوهان انه الحقيقة، فالفوز بجماهير جديدة والإبقاء على الجماهير القديمة من القراء يتطلب أكثر من استخدام وسيلة جديدة لإنجاز المهام نفسها.

وربما يأتي اليوم الذي نرى فيه المخبرين الصحافيين الذين لا يعملون في مؤسسات صحافية بل يعملون لحسابهم الخاص ويقومون ببيع قصصهم الخبرية، والتي قد تكون مصحوبة بالصوت والصورة، وذلك في أنحاء مختلفة من العالم عبر شبكة الإنترنت مقابل مبلغ زهيد مباشرة لكل قارئ يستخدم الدفع النقدي الإلكتروني، ووفقاً لهذه الرؤية، فإن صناعة الصحافة برمتها سوف تتحول للبحث عن أشكال جديدة للوصول إلى القراء.

خالد عزب

*الكتاب:الصحافة الإلكترونية

دراسات في التفاعلية وتصميم المواقع

*الناشر:الدار المصرية اللبنانية القاهرة 2007

*الصفحات: 214 صفحة من القطع الكبير