مؤلف كتاب «الكتاب» عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر، المعروف بلقبه «سيبويه» ومعناه: رائحة التفاح، قيل كان من يلقاه لا يزال يشم رائحة الطيب، فسمي بذلك، وقيل كان يعتاد شم التفاح وقيل: لقب بذلك للطافته، وهو إمام البصريين في النحو، كان أصله من أرض فارس ونشأ بالبصرة، وأخذ عن «الخليل بن أحمد الفراهيدي» ويونس وأبي الخطاب الأخفش وعيسى بن عمر.
ورد «سيبويه» بغداد على «يحيى البرمكي» فجمع بينه وبين الكسائي للمناظرة. ولم تطل مدة سيبويه بعد ذلك ومات «بالبيضا» من أرض فارس سنة 180 هـ وعمره اثنتان وثلاثون، قيل نيّف وأربعين عاما. أما كتابه «الكتاب» فكان «المبرّد» يقول لمن أراد أن يقرأ عليه هذا الكتاب: هل ركبت البحر؟ تعظيماً واستصعابا لما فيه،
وقال بعضهم: كنت عند الخليل بن أحمد الفراهيدي، فأقبل «سيبويه» فقال: مرحباً بزائر لا يُملّ، وما سمعت الخليل يقولها لغيره. وكان «سيبويه» شاباً جميلاً لطيفاً، وكان في لسانه حبسة وقلمه أبلغ من لسانه.
كان «سيبويه» تلميذ «الخليل بن أحمد» الخاص، استوعب علمه وورث ملكته في القياس والابتكار، ولزم طريقته في التوثق مما يسمع عن العرب، وأودع هذا كله «الكتاب» الذي لولاه لضاع علم الخليل في النحو والصرف.
ولم يقتصر «سيبويه» على علم «الخليل» بل جمع إليه علم كثير من الفحول المشهورين في عصره. وشواهده التي أوردها في «الكتاب» كلها معزوة إلى من يحتج به من العرب، وأحصوا في «الكتاب» ألفاً وخمسين شاهداً معروفاً.
ولسيبويه طابعه المتميز به، وشخصيته التي يحس بها قارئ كتابه، فقد استوعب ما نقل ودرسه وتمثله وناقشه وحكم عليه، فكثيراً ما نجد في كتابه: قال فلان كذا والقياس كذا، وقال النحاة كذا والصواب خلافه، وهنا قدّم لنا باباً في «الكتاب» نقد فيه النحاة في بعض ما ذهبوا إليه وأسلوبه هو الطابع الأصيل للمذهب البصري.
في أيدي الناس اليوم الطبعة الأميرية، في جزأين جاوزا 900 صفحة من القطع الكبير، وفي حواشيهما شرح الشواهد للأعلم الشمنتري الأندلسي، من رجال المئة الخامسة للهجرة، أما الموضوعات التي وردت في الكتاب فهي:
في الجزء الأول: الكلمة، اللازم والمتعدي من الأفعال وأشباهها، أسماء الأفعال، إضمار الفعل، المصادر المنصوبة، الحال، المفعول فيه، الجر والتوابع، عمل الصفات، بعض المنصوبات، المبتدأ والخبر، النكرة والمعرفة، الابتداء، إن وأخواتها، كم، النداء، الترخيم، الاستثناء، الضمائر، نواصب المضارع وجوازمه، أسماء الشرط، توكيد الأفعال.
في الجزء الثاني: ما ينصرف وما لا ينصرف، النسب، التصغير، حروف القسم، نونا التوكيد، إدغام المضعف، المقصور والمحدود، تمييز الأعداد، صيغ الأفعال، اسم الآلة، الوقف، حروف الزوائد، القلب، وزن أفعلاء. لكن من ألف الدراسة في كتب النحو الحديثة والعصور التي قبلها، يجد شيئاً من الصعوبة في البحث عن مطلوبه في كتاب «سيبويه» لاختلاف تعريبه، ويحتاج إلى قليل من الألفة للكتاب حتى يأنس إليه.
وقد نقل «سيبويه» كلام المخالفين نقلاً موضوعياً، معلقاً عليه حيناً، ومكتفياً بإثباته حيناً آخر، وانه إذا قال : قال الكوفي، فإنما يعني أبا جعفر الرؤاسي. كما ان قال إذ لم يذكر فاعلها إلى جانبها، ففاعلها الخليل بن أحمد الفراهيدي لكثرة النقل عنه.
وقد درج استعظام كتاب «سيبويه» وتشبيههم لدراسته بركوب البحر، وان أتباعه يفاخرون به وخصومه يقرؤونه سراً على تلاميذ سيبويه ولا يجاهرون، وذلك مشعر بأنهم موقنون أن المعرض عنه حارم نفسه من خير كثير، لا تسمح نفس العارف بالزهد به عادة.وهكذا يظل كتاب سيبويه «الكتاب» المرجع الأول في النحو واللغة.