«اقتربوا أكثر أيها الفتيان، سيكون ذلك أسهل عليكم» تلك هي الكلمات الأخيرة التي قالها الروائي البريطاني الجنسية والمناضل السياسي من أصل ايرلندي روبرت إرسكين شيلدرز، للشبان الذين نفذوا حكم الإعدام فيه رميا بالرصاص فجر يوم الجمعة 24 نوفمبر 1922.
ولد شيلدرز في لندن في 25 يونيو 1870، وعاش يتيما برعاية عمه منذ طفولته، ودرس في إحدى المدارس الحكومية مولت لتخريج موظفين موالين للإمبراطورية البريطانية، وكان لاحقا من الطلبة الجامعيين المميزين بمشاركاتهم في الأنشطة العامة. وعمل بعد تخرجه في مجلس العموم عام 1895 لمدة عشر سنوات ثم انضم إلى شركة تجارية في جنوب أفريقيا. وكان لمشاركته في حرب باور تأثير كبير على شخصيته وكتب عنها عام 1900 في المجلد الخامس من مطبوعة تايمز هيستوري في جنوب أفريقيا وذلك ضمن سلسلة زمن التاريخ. وكان شغفه بالمغامرة والبحر يدفعه إلى قضاء إجازاته في رحلات بحرية على متن قاربه المتواضع وقد جاب الجزر السبع في بحر البلطيق المقابلة للساحل الشرقي لبريطانيا. وفي عام 1903 كتب روايته الشهيرة «أحجية الرمال» معتمدا على المذكرات التي دونها خلال رحلته البحرية عام 1897. وإلى جانب النجاح الواسع الذي حققته الرواية في الأوساط الشعبية فقد أثار اهتمام القادة العسكريين الذين لم يتوانوا عن اتخاذ العديد من التحركات استنادا على موضوع روايته.
بعد استقالته من مجلس العموم بدأ شغفه يتحول إلى السياسة وتعاطف مع قضايا أيرلندا التي باتت شغله الشاغل، وبعد زواجه في الولايات المتحدة ولدى عودته كرس الزوجان حياتهما لقضية أيرلندا. في وعام 1911 انضم إلى بيت الحكم ودافع عن استقلال أيرلندا ثم بدأ يكيل الاتهامات لوطنه بريطانيا، كما ساهم مع زوجته خلال رحلاتهما البحرية في تهريب الأسلحة للمقاومة.
وبعد حين انضم شيلدرز إلى جيش الجمهوريين وانتقل إلى دبلن عام 1919 وتسلم منصب مدير المعلومات في حكومة شين فين والناطق الرسمي للحركة. وحينما شارك في الحرب الأهلية قبض عليه في نهاية عام 1922 وتم إعدامه كما ذكرنا. وعقّب رئيس وزراء بريطانيا في ذاك العهد لويد جورج على إعدامه بقوله «قتل إرسكين على يد الأحرار الذي ساعدهم على الفوز».
ومن خلال روايته «أحجية الرمال» يحلل شيلدرز الوضع العسكري لكل من بريطانيا العظمى وألمانيا التي كانت قوتها في تصاعد ملفت للاهتمام، كما قدم دراسة دقيقة لأسطول البحرية الملكي والساحل الشمالي غير المحمي لعدم توفر حماية بحرية أو استراتيجية له، والمكشوف من قبل جزر فريسيان السبع الألمانية.
وجدير بالذكر أنه خلال طباعة هذا العمل، اتخذت الحكومة البريطانية عدة خطوات هامة بشأن حماية الساحل الشرقي ومن أهمها إنشاء قاعدة بحرية في تلك المنطقة، إلا أن شهرة تلك الرواية وخلودها لم يعتمد على هذا المحور المرهون بتلك المرحلة الزمنية، إذ ارتكز على عدة محاور أخرى ذات أهمية.
أولها موضوع الجاسوسية الذي تم تناوله للمرة الأولى في عالم الأدب، ويعود لشيلدرز فضل تأسيس هذا الجنس الأدبي. أما المحور الثاني خبرته ومهارته في الإبحار إلى جانب استخدامه للمصطلحات البحرية والعسكرية بدقة متناهية مما أضفى صبغة الواقعية على العمل والمصداقية على شخصيات الرواية.
اعتمد شيلدرز على بطولة شخصيتين هما الشاب البريطاني كاروثرز المخلص لبريطانيا وصديقه الشغوف بالبحر والمغامر والذي يقارب شخصية المؤلف آرثر ديفيس. أما الشخصيات التي مثلت السر المبهم الذي يحاول الصديقان كشفه، فهي أربع فقط. أولها فون برونينغ ويمثل الامبريالية البحرية، والثاني غريمن المشرف على القنوات الست لجزر فريسيان السبع الألمانية إلى جانب تأمين اليد العاملة مع الحفاظ على سرية الخطة.
أما الشخصية الرابعة التي تؤمن المعلومات عن الجيش البريطاني وقدراته فهي دولمان الجاسوس الذي يستقر في جزيرة نوردنري حيث يعمل تحت ستار يخته ميدوزا كباحث عن كنوز الذهب الغارقة في المحيط. توحي الفصول الأولى للقارئ بأنه أمام عمل هادئ، لكنه سرعان ما يفاجأ بالكم الكبير من الأحداث المتتالية في أمكنة متغيرة باستمرار مما يصعد من عنصر التشويق.
وتبدأ الأحداث في أواخر سبتمبر حيث يتلقى البطل الشاب كاروثرز الذي يعاني من حالة اكتئاب حاد بسبب وحدته بعد سفر الأصدقاء في إجازاتهم وعدم تمكنه من مجاراتهم، رسالة من صديقه القديم أرثر الذي يدعوه لمرافقته في رحلة بحرية على متن يخته في بحر البلطيق. ولا يتردد كاروثرز في تلبية الدعوة لعدم توفر أي بديل.
شعر كاروثرز في البداية بالخيبة والإحباط لدى رؤيته لليخت الذي هو أقرب إلى قارب متواضع ومعاناته من برودة الجو والرطوبة مما زاد من اكتئابه وحنقه على ديفيس، إلا أنه مع وصولهما إلى بحر البلطيق ترتفع معنويات كاروثرز أمام جمال الطبيعة الآسر.
ومن خلال العديد من المواقف، يكتشف كاروثرز عمق شخصية ديفيس، سيما حينما يسر له صديقه بشكوكه حول شخصية ربان سفينة ميدوسا واعتقاده بأن دولمان بريطاني إنما يعمل كجاسوس للألمان. كما يعترف له بأن دعوته له لمرافقته في رحلته إنما بهدف مساعدته في الكشف عن هذا اللغز سيما وأن كاروثرز يتقن اللغة الألمانية وبإمكانه المساعدة في كشف تلك الخبايا من خلال ذكائه الحاد.
واستنادا إلى محاولة دولمان السابقة في التخلص من ديفيس عبر إصراره على مرافقته في الإبحار إلى قناة بحرية خلال عاصفة هوجاء ومن ثم تخلي الربان عنه باختفائه المفاجئ عند كواسر الأمواج غير المرئية بسبب المد والضباب ليلقى ديفيس مصرعه في ذلك المكان الخطر، يبدأ الاثنان بالتقصي ومتابعة خيوط اللغز. ويبحران مجددا عبر الجزر بهدف إعادة رسم خريطة الجزر والتحري عن الشخصيات الأربع بسرية تامة.
وبعد دراسة الصديقين للأحداث وما يواجهانه في الجزر واللقاءات العديدة مع الشخصيات الأربع، تتلاحق الأحداث بسرعة مطردة حيث ينجحان في الكشف عن مؤامرة عسكرية، ويجبران دولمان على العودة معهما في قارب ديفيس «دولاسيبيل» إلى بريطانيا لتنتهي الرواية عند هذا الحد، فما يتلو ذلك من أحداث ليست من شأن القارئ كما يذكر شيلدرز.

