حرصت سوزي فاي، المحررة الثقافية بصحيفة «صنداي تايمز» اللندنية على إجراء هذه المقابلة مع الروائي البريطاني جيم كريس بمناسبة صدور روايته الثامنة بعنوان «مستشفى الأمراض العصبية» مؤخراً، وذلك على الرغم من أن كريس درج تقليدياً على الاعتذار لمن يحاولون إجراء مقابلات معه، وهو السر في ندرة المقابلات المعروفة معه.
وفي هذه المقابلة يلقي الضوء على روايته الجديدة والفكرة الأصلية التي انطلقت منها وتطورها في غمار عملية إبداعها، كما يتناول رؤيته لرواية الخيال العلمي التي ينتمي إليها عمله الجديد، والسر في الاهتمام الاستثنائي الذي تحظى به مرجريت، بطلة هذا العمل. وفيما يلي نص المقابلة:
يقول جيم كريس: «كتبي ذات نزعة أخلاقية وجادة على نحو لا أخجل منه، وهذا هو السر في نجاحي الكبير في الولايات المتحدة وتهميشي في وطني. ولست أشكو من هذا الوضع!». ويبتسم متوقعاً أن أبدي اعتراضي، فأبادر إلى الإشارة إلى أن روايته «الحجر الصحي» أدرجت في القائمة القصيرة للروايات المرشحة للفوز بجائزة بوكر.
ويواصل حديثة: «لم تدرج رواية (الاحتضار) في القائمة الطويلة. أوه، لقد حققت نجاحاً نقدياً، وحظيت بالتقدير، ولكنني لم أحظ بمبيعات قياسية حقاً في وطني، وقد مكنني هذا من البقاء بعيداً عن الشهرة بطريقة أحببتها تماماً».
على الرغم من ذلك كله، فإن جيم كريس هو لاعب كبير على الساحة الأدبية البريطانية، وروايته الثامنة الصادرة حديثاً «مستشفى الأمراض العصبية» قد تتحدى بقاءه بعيداً عن الشهرة في بريطانيا، فهي جديرة بأن تصبح من أفضل الكتاب مبيعاً، وهي قد لا تضيف الكثير إلى مبيعاته في الولايات المتحدة.
تقع أحداث هذه الرواية في المستقبل البعيد، وهي تصور أميركا منهارة، عادت إلى البدائية في أعقاب كارثة لا نعرفها على وجه الدقة، واللغة المكتوبة نسيها الناس، وحطام الحضارة السابقة ينظر الناس إليه بمزيج من الحيرة والتشكك. وفي حقيقة الأمر فإن الأوضاع بالغة الصعوبة بحيث أن الناس الذي استبد بهم اليأس يهاجرون شرقاً باتجاه الساحل بحثاً عن حياة أفضل عبر المحيط.
تلتقي مرجريت، وهي امرأة مريضة تركت في المستشفى الذي يشار إليه في العنوان، بشاب محدود الخبرة يدعى فرانكلين، عندما يسعى إلى اللجوء إلى المستشفى الذي تقيم به لقضاء الليل هناك. ومن قبيل المفارقة أن عائلتها بالتخلي عنها وتركها في هذا المستشفى قد أنقذت حياتها، حيث تحل الكارثة بالقرية التي تقيم بها العائلة.
يضع فرانكلين مرجريت في عربة يد، ويشرعان في رحلة حافلة بالمخاطر للوصول إلى البحر. كانت فكرة كريس الأصلية هي أن الكتاب سوف: «يوجه ضربة إلى أميركا في وقت أعتقد أنه يتعين أن تكال ضربة إليها، حيث ستأخذ أميركا من القمة لتضعها عند السفح سياسياً وثقافياً، حيث ستنزل عند إرادة أوروبا بدلاً من حدوث العكس. وهذا هو ما سأفعله، حيث سأتدني بأميركا في هذا العمل الروائي، وأظهرها على أنها أمة فاشلة تماماً».
والكتاب هو ثمرة علاقة حب ـ كراهية بأميركا. ويقول جربس في هذا الصدد: « من حقناً أن ننظر إلى أميركا بطريقة ليس من حقنا أن ننظر بها إلى الاكوادور أو فيجي أو أيسلندا، فليست هناك مطاعم أيسلندية لبيع سندوتشات من لحم الحيتان، وليس هناك أناس من أيسلندا يرتدون الزي العسكري وينطلقون بسيارات همفري في أرجاء 147 بلداً على امتداد العالم، وهو الرقم الذي وصلت إليه مؤخرا».
على الرغم من ذلك، فإن كريس فيما كان يواصل العمل بدأت الرواية نفسها في تخريب خططه. وهو يقول في هذا الصدد: «هناك لحظة عندما يكون لأي كتاب قوة خاصة به فإنه يتخلى عنك، ويسيطر على الوضع. ويصبح من الواضح بالنسبة لي أن ما يفعله الكتاب هو مقاومة فشل أميركا، فهو لم يرد لي أن أكتب هذه الرواية السياسية التي عكست غضبي من أميركا،
فهو مولع كثيراً بالحلم الأميركي، وكل تلك الحكايات التي رويت لنا عن الأمل والحصول على أرض، كل تلك الروايات عن المضي غرباً، كل قوافل العربات تلك، كل أفلام الطرق. إنهم جميعاً ينطلقون غربا والأمل ملء أفئدتهم. والحلم الأميركي لا يتحقق دائماً، ولكن هناك شيئاً بالغ القوة فيما يتعلق به».
وكما يشير كريس، فإن رواية الخيال العلمي الكلاسيكية: «تحب أن تتطلع إلى المستقبل باعتباره امتداداً لما هو بين أيدينا بالفعل. ربما يكون امتداداً كارثياً، ولكن على غرار الطرق التي كنا نستخدم بها الآلات الكاتبة اليدوية قبل عشرين عاماً وإرسال الرسائل بالبريد، والآن انظري إلى ما نقوم به اليوم».
ولكن ماذا إذا عاد كل شيء إلى الوراء نحو تركيبة تنتمي إلى القرون الوسطى؟ يقول جريس في هذا الصدد: «هناك الكثير من الكبرياء والغرور الكامن في حساسياتنا الثقافية حيال قيمة المعدن والتقنية، غير أنها سرعان ما تغدو بلا معنى، على نحو لم يحدث بالنسبة للخشب والجلد. والمعدن يبالغ كثيراً في أخذه إلى رحاب الطبيعة بحيث أنه يبدأ في اتخاذ أنسجة العالم الطبيعي بدلاً من العالم الذي صنعه الإنسان».
في المستقبل الهمجي الذي يحدثنا عنه جيم كريس، ينتشر الاغتصاب وقتل الإناث على نحو مقلق، ويتعين على مرجريت بعد الافتراق أن تتعامل مع مخاطر الطريق وحدها، وهي شخصية متألقة. وهو ما يبرره المؤلف البريطاني بقوله: «يرجع ذلك إلى أنني أكن الحب لمرجريت، ولا أكنه لفرانكلين، أردتها أن تفوز بكل مايجعلها شخصية جذابة».
وحب الطبيعة من الموضوعات البارزة في كتب كريس، وهو يقول إنه لن يفتح رواية أبداً، إذا كان هناك كتاب عن التاريخ الطبيعي أو الطيور يمكن أن يقرأه أولاً، والطبيعة الأميركية التي تتحرك مرجريت في أرجائها يتم رسمها على نحو متألق بالحيوية والحضور الذي يخاطب الحواس.
ويؤكد كريس في هذا الصدد أنه: «لا وجود لأي من هذه الأماكن، لكنه ليس ايضاحاً غير دقيق لما يمكن أن تكون أميركا عليه إذا ارتفعت درجات الحرارة فيها قليلاً، ولو أن هذه الأماكن وجدت على الإطلاق فإن ذلك سيكون على الساحل الشرقي، نورث كارولينا وفرجينيا، وأنت إذا انطلقت من الجبال واتجهت شرقاً فإن هذا سيمضي بك إلى الضفاف الخارجية، أي المكان الذي أقيمت عليه المستوطنات الأوروبية الأولى.
ولربما كان نثر كريس يبدو غنائياً عندما يتناول الآفاق الأميركية الشاسعة، ولكن الموطن بالنسبة له هو بلدة موزلي في برمنجهام. وربما كان جيم كريس يأتي في المرتبة الثانية بعد ديفيد لودج كأبرز كاتب من أبناء برمنجهام.
ويقول كريس: «مضيت أتحدث مع زوجتي عن مغادرة برمنجهام طوال 32 عاماً. وقد غادر ابننا الأكبر توم البيت، وابنتا تدرس في رادا، وقد نفق كلبنا، وأظن أننا سننتقل من دارنا». يمكنك أن تضع زوجتك في عربة يد، والمضي بها إلى الأفق، كما في الرواية.
يقول كريس ضاحكاً: (ماذا عن التهاب المفاصل؟ لديّ عربة يد رائعة، وبمقدوري القيام بذلك). لكن ما هو الشي العظيم في ما يتعلق ببرمنجهام؟ يوضح كريس: «إليك ما يختصر هذا الجانب بالنسبة لي. كانت هناك جلسة قراءة ستنظم في السادسة والنصف مساء في إحدى المكتبات في برمنجهام، ولم يحضر أحد لشهود هذه الجلسة. ومضى المنظم اللندني يتساءل: ما الأمر؟
إنه أمر يستعصى على التفسير، والتفت إلى مساعد مدير المكتبة وهو من برمنجهام، وقال لي: (إن ما لا يدركه هو أن برمنجهام بأسرها تمضي إلى البيت في هذا التوقيت لشرب الشاي). وأعتقد أن هذا أمر رائع، هذا هو بالضبط ما أحبه ـ وما أكرهه ـ في برمنجهام. إنها تمضي إلى الدار لشرب الشاي، وأنا من نوعية الناس الذين يحبون المضي إلى الدار لشرب الشاي أيضاً».
الهرب إلى الوادي
* ولد الروائي البريطاني جيم كريس عام 1964 وعمل في مؤسسة «الخدمة التطوعية عبر البحار» في السودان قبل أن يعود إلى بريطانيا للعمل في كتابة البرامج التعليمية لهيئة الاذاعة البريطانية.
* يعتبره الكثير من النقاد أبرز كتاب الرواية في المملكة المتحدة في السنوات العشر الأخيرة، وذلك بعد أن راكم رصيداً مميزاً يبلغ ثماني روايات، أولاها «القارة» التي فاز عنها بجائزة وايتبريد في أول دورة لهذه الجائزة عام 1986، وتوالت رواياته ومن أبرزها «الاحتضار» و«هدية الأحجار» و«الحجر الصحي». وصدرت له مؤخراً روايته «مستشفى الأمراض العصبية».
* نال العديد من الجوائز الأدبية، ومن بينها فضلاً عن جائزة وايتبريد في دورتها الأولى جائزة الجارديان لأعمال القص، جائزة ديفيد هايام للرواية، جائزة إي. إم فورستر، ونال زمالة الجمعية الملكية البريطانية للأدب في عام 1999.
