مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الفرنسي المعروف بيير بيان، وهو من أشهر صحافيّي التحقيقات وبخاصة التحقيقات الحرجة والسرية في فرنسا. وكان قد نشر سابقا كتابا مهما عن فرانسوا ميتران قبل أن يترك الاليزيه عام 1995 تماما كما يفعل مع شيراك الآن. ومن أشهر كتبه نذكر: البترول: الحرب العالمية الثالثة (1974)، ما بعد ماو تسي تونغ (1977)، قضايا إفريقية سرية (1983)، رجل الظل (1990)، الوجه المخفيّ لجريدة لوموند (2003)، الخ.
وفي هذا الكتاب الجديد المشكل من مقابلات مطولة ومتتابعة يقدم المؤلف «بورتريه» أو صورة شخصية عن جاك شيراك، وهو يعتبره بمثابة المجهول أو النكرة على الرغم من أنه أشهر شخصية سياسية في فرنسا. ويقصد بذلك أن شهرة شيراك السياسية غطت على حقيقة الشخص والإنسان فلم يعد أحد يعرف عنه أي شيء تقريبا.
ولهذا السبب قابله مطولا لكي يعرف من هو جاك شيراك، وما هي محطات حياته الأساسية، وكيف نشأ وترعرع، ومن هو أبوه وأمه، وما هي قصص حياته العائلية، وما هي المحن والتجارب التي مر بها، الخ.
وبالتالي فالكتاب هو عبارة عن جملة اعترافات شخصية قدمها الرئيس الفرنسي إلى الصحافي بيير بيان بمناسبة انتهاء عهده وقبيل مغادرته لقصرالاليزيه. ومعلوم أنه لن يترشح مرة ثالثة على عكس ما أشيع لفترة، وأن رئيسا جديدا ـ أو رئيسة جديدة ـ ستحل محله بعد ثلاثة أشهر. هذا شيء أصبح مؤكدا الآن.
وبالتالي فقبل أن يغادر قمة السلطة الفرنسية أراد الرجل أن يفتح قلبه للجمهور العريض لكي يعرف من هو حقيقة: أي من هو الإنسان الذي يختبئ خلف الرئيس. وقد اعترف شيراك أثناء هذه المقابلات المطولة بأنه خان زوجته أكثر من مرة، وإن له عشيقات عديدات، ولكنه لم يفكر إطلاقا في التخلي عن زوجته الشرعية أو تطليقها.
ونفهم من كلامه أنه لم يستطع مقاومة إغراء النساء وجمالهن. نقول ذلك وبخاصة إنهن هن اللواتي كن يركضن وراءه في معظم الأحيان. فالرجل ليس فقط رئيس دولة كبرى وإنما هو شخص جميل ـ طويل، عريض المنكبين، ويعجب النساء حتى ولو لم يكن رئيسا.
ولكن هل سنكتشف أن له أبناء غير شرعيين كما حصل لميتران؟ هذا ما لم يكشف عنه الكتاب وربما لن نعرفه قبل خروج الرجل من السلطة. أما الفجيعة الأساسية في حياة شيراك فهي مرض ابنته الكبرى «لورنس» بعد أن بلغت الخامسة عشرة، فقد أصيبت باختلال عقلي وحاولت الانتحار أكثر من مرة، بعد أن كانت ذكية، جميلة، متفوقة في دراستها.
وهذه المصيبة جرحت شيراك في العمق على الرغم من أنه لم يتحدث عنها سابقا أبدا، ويقول للصحافي الذي يستجوبه: إنها أكبر مأساة في حياتي، إنها الجرح الذي لا يندمل. لقد تلقيت ضربات كثيرة من طرف خصومي السياسيين، ولكنها لا شيء بالقياس إلى هذه الضربة التي وجهها لي القدر. ومعلوم أن لشيراك ابنتين اثنتين دون أي ولد ذكر.
الكبرى هي لورنس هذه المريضة والثانية هي كلود التي تشتغل معه في قصر الاليزيه منذ أن أصبح رئيسا. وهي ديناميكية وذكية ولا تعاني من أي مرض. وهي الوحيدة التي تستطيع أن تدخل عليه متى شاءت وأن تقول له الحقيقة حتى ولو كانت جارحة. ويبدو أنها تمارس عليه تأثيرا كبيرا.
ثم يتحدث شيراك عن شبابه الأول ويعترف أنه كان من أنصار الجزائر الفرنسية كمعظم أبناء الشعب الفرنسي. ولكنه في ذات الوقت كان يشعر بالانزعاج نتيجة المعاملة السيئة والتي يلقاها الجزائريون من المستعمرين أو من الجيش الفرنسي.
وعندما ظهر ديغول وقال للمرة الأولى بأن الجزائر ليست فرنسية أصيب شيراك بالذهول كالعديد من الفرنسيين. ولكنه فهم بعدئذ أن ديغول هو الشخص الوحيد الذي يتجرأ على قول الحقيقة للفرنسيين. بل وعرف أنه يقول ذلك لمصلحة فرنسا أيضا.
ففرنسا لم تعد لها مصلحة في ممارسة الهيمنة الاستعمارية على الجزائر والشعب الجزائري، بل إن ذلك يشوّه سمعتها بين الأمم ويعرقل عودتها إلى حظيرة المجتمع الدولي كقوة عظمى. لقد عرف ديغول قبل غيره أن زمن الاستعمار قد ولى إلى غير رجعة.
ولذلك فإن ديغول قدم أكبر خدمة للشعب الفرنسي رغما عنه عندما تخلى عن الجزائر وانسحب منها وتركها تنال استقلالها. وقدم في ذات الوقت خدمة للشعب الجزائري الذي نال استقلاله بفضل نضاله البطولي بالطبع ولكن أيضا بفضل وجود رجل تاريخي على رأس فرنسا هو: شارل ديغول.
لقد سبق ديغول عصره بسنوات طويلة ولم يفهم الشعب الفرنسي الخدمة التي قدمها له إلا لاحقا، وبالتالي فهو قائد تاريخي بكل ما للكلمة من معنى. ولذلك أصبح شيراك ديغوليا. وأما عن الشرق الأوسط فيقول شيراك للصحافي بيير بيان ما معناه: إن مصير العالم يتوقف على ما سيحصل في الشرق الأوسط في السنوات القادمة.
فكل مشاكل العالم تقريبا تتمركز هناك كالصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وكالمشاعر المعادية للغرب بعنف، وكالصدام الحاصل بين إسلام وسطي محب للسلام والتفاعل الإيجابي مع الغرب، وبين الإسلام الأصولي المتطرف والميال للعنف.
يضاف إلى كل ذلك التنافسات الإقليمية الكائنة بين إيران والعرب، وكذلك الانفجار الديمغرافي السكاني الذي لا توازنه تنمية اقتصادية معادلة. ومعلوم أن الفقر هو أساس الحروب والانفجارات الشعبية. ثم يردف شيراك قائلا: لقد برهنت حرب العراق على أن كل حل قائم على القوة المسلحة وتصدير النموذج الغربي بشكل جاهز مآله الفشل.
وهذا هو مصير التدخل الأميركي الذي حذرنا منه أكثر من مرة. صحيح أن على الغرب أن يتصرف هناك بحزم وتصميم ولكن مع مراعاة مشاعر شعوب المنطقة وبدون زعزعتها أكثر من اللزوم. ثم يردف شيراك قائلا: إن لفرنسا مسؤوليات ومصالح كبيرة في منطقة الشرق الأوسط. وأول شيء ينبغي أن تفعله هو المساعدة على استتباب الأمن والسلام هناك.
ولتحقيق ذلك ينبغي أن نساعد الطرفين على إيجاد حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فهو ذو أهمية حاسمة بالنسبة لمستقبل المنطقة والعالم. ويتلخص هذا الحل في قيام دولتين متجاورتين بسلام ومع حدود معروفة جيدا. وينبغي على الجماعة الدولية أن تضمن ذلك وأن تكون الكفيل الذي يخلع المشروعية على هذا السلام أو الحل العادل والضروري جدا.
إن فرنسا مع استقلال لبنان وضد تدخل أي دولة مجاورة في شؤونه. كما أنها مع استعادة العراق لسيادته ووحدته. كما أنها تسعى لإجبار إيران على احترام المواثيق الدولية مع الاعتراف لهذا البلد الكبير بدوره الإقليمي الذي يناسب حجمه كقوة عظمى محلية.
ثم يدعو شيراك إلى حوار الحضارات والثقافات بدلا من صراعها. وبالتالي فهو ضد أطروحة صموئيل هنتنغتون وكل المحافظين الجدد الذين يريدون تصدير الديمقراطية بالقوة إلى منطقة الشرق الأوسط. وكما أنه ضد تغيير الأنظمة بالقوة كما فعل بوش بالعراق. يقول الرئيس الفرنسي بأنه لا ينبغي على الحضارة الغربية أن تفرض نفسها بالقوة أو أن تبدو كحضارة مهيمنة وطاغية على الآخرين.
ولا ينبغي أن تبدو كحضارة ناس مترفين محاطين بفقراء الجنوب والجوعانين والمحرومين. ولذلك دعا شيراك في برشلونة التي هي مركز الحوار الأوروبي ـ المتوسطي إلى تأسيس معهد ضخم لحوار الحضارات يدعى بالمعهد الأوروبي ـ المتوسطي ـ الخليجي من أجل حوار الشعوب.
وبالتالي فقد ضم دول الخليج العربي إلى ملتقى برشلونة الذي كان يقتصر سابقا على الدول المتوسطية. ثم تساءل شيراك: لماذا هذه المبادرة؟ وأجاب: لأننا مهددون بالطلاق بين الثقافات: غرب ضد إسلام، علمانيون ضد متدينين، شمال ضد جنوب، أغنياء ضد فقراء. وهذا وضع خطير لا يحتمل بل وسوف يسبب الانفجارات العنيفة.
وقد ابتدأت. ثم يتساءل شيراك: ما الذي كان سيحل بالعالم من تخلف لولا الحضارة العربية؟ أليست هي التي أنقذت أوروبا عندما كانت جاهلة، متعصبة، منغلقة على ذاتها؟ ألم تقدم لنا الإرث الفلسفي والعلمي القديم كهدية؟ نعم لقد قدم العرب الكثير في مجال فن العمارة، والشعر، والرياضيات وسوى ذلك. وبالتالي فالمستقبل هو للحوار معهم لا للصدام والعداء.
*الكتاب:مجهول الاليزيه
*الناشر:فايار ـ باريس 2007
*الصفحات: 516 صفحة من القطع الكبير
L'inconnu de l'Elysée
Fayard-Paris 2007
P. 516
