آنا بوليتكوفسكايا هي الصحافية الروسية التي اغتيلت قبل بضعة أشهر في موسكو من قبل «مجهولين» أطلقوا عليها عدة رصاصات قاتلة في مصعد البناية التي كانت تسكنها في العاصمة الروسية. كانت قد نالت شهرة كبيرة عبر كتاباتها الجريئة في مجلة «نوفايا غازيتا» المستقلة. لها العديد من المؤلفات من بينها «الجمهورية الشيشانية: العار الروسي» و«روسيا كما يراها بوتين» المنشور عام 2005.

كتاب «روسيا العسيرة» يخص وكما يدل عنوانه الفرعي: «يوميات امرأة غاضبة». وهو مكتوب بصيغة ضمير المتكلم وتبدأ يومياته اعتبارا من 7 ديسمبر 2003، أي مع الانتخابات التشريعية الروسية التي شهدت فوزا ساحقا لمرشحي حزب «روسيا الموحّدة»، أي حزب الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين، والذي أعيد انتخابه لفترة رئاسية ثانية بعد ذلك بعدة أشهر، وتحديدا بتاريخ 14 مارس 2004، اعتبارا من الدورة الانتخابية الأولى.

وكانت الانتخابات التشريعية وبعدها الانتخابات الرئاسية قد أُحيطت بلهجة «انتصارية» وبالتبشير ب«غد أفضل» لجميع الروس في السنوات التالية، وهذا ما أفاض في الحديث عنه المعلقون في الصحافة الروسية الرسمية ولكن العديد منهم أيضا في مختلف وسائل الإعلام الغربية الذين تحدثوا عن «الاستقرار» و«التوازن» وبداية مسيرة استعادة روسيا لمكانتها في العالم.

لكن في مواجهة هذه اللهجة الانتصارية، كانت آنا بوليتكوفسكايا تقوم بتحقيقاتها وتنشر تعليقاتها ومقالاتها النقدية الشديدة ولتقدّم نفسها بأنها تريد أن تكون «صوت من لا صوت لهم». إنها أرادت، وكما تقول، مرافقة الضعفاء والفقراء في آلامهم التي يعانون منها في مواجهة الشرائح الجديدة الصاعدة داخل وحول السلطة السياسية.

بل ولا تتردد المؤلفة، ضمن هذا السياق، في وصف روسيا آنذاك ب«الإمبراطورية المريضة». إنها، بتعبير آخر، لم تتردد في السباحة ضد التيار والذهاب نحو ما تسميه ب«روسيا العميقة» حيث «العسر» هو القاعدة وليس «اليسر» بالنسبة للروس العاديين.

وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب أحد الأصوات «غير الكثيرة» في روسيا التي انتقدت الموقف الرسمي للدولة المركزية حيال الشيشان وبأنه قد جرى استخدام الحرب الشرسة ضدهم لغايات انتخابية «واضحة»، فإن همّها الأساسي، وكما تؤكد يومياتها، هو الحديث عن الواقع المعاشي الصعب الذي يعيشه مواطنوها الروس.

وهي تؤكد، في هذا الإطار، على التناقض الكبير القائم بين الحديث عن «عودة النمو الاقتصادي» بل و«الازدهار» واستعادة روسيا لموقعها «الطبيعي» في جوقة الأمم، وبين واقع حياة الناس. أمّا الأداة الرئيسية التي تستخدمها المؤلفة من أجل إبراز مثل هذا التناقض فهي سلسلة من المقابلات والتحقيقات التي أجرتها مع المعنيين من مختلف الفئات.

هكذا تستعرض آراء متقاعدين كانوا قد أمضوا عشرات السنوات في خدمة الدولة السوفييتية سابقا ثم الروسية لاحقا ليجدوا أنفسهم وهم في فترة الشيخوخة لا يمتلكون أحيانا حتى الحد الأدنى المطلوب من أجل تأمين سبل العيش. ومثل هذه الصورة تتكرر، بهذه الدرجة من الحدّة أو تلك، لدى العسكريين السابقين والجنود الشباب المسرّحين حديثا من الخدمة،

بل والجنود العاديّون الموجودون في الخدمة الذين يتقاضون مرتبات «تافهة» لا تسمح لهم بتقديم أية مساعدات لأسرهم وذويهم الذين يعانون من الحاجة في حالات كثيرة. بالطبع يغدو الوضع أكثر قسوة بالنسبة لمن يعانون من أية إعاقة جسدية. إن المؤلفة، وعبر العديد من الصور التي ترسمها ل«عينات» مختلفة، تحاول رسم لوحة «غير مفرحة» لمجتمعها الروسي.

وتصف المؤلفة على مدى عدة صفحات ما شاهدته في ملجأ للأطفال «اليتامى» الذين جرى «انتزاعهم» من أهاليهم المدمنين على تعاطي الكحول بحيث أنهم لم يعودوا قادرين على القيام بواجبات تربيتهم الطبيعية. ولكن الأوضاع في «الملجأ» تبدو، كما يتم وصفها، أكثر سوء وقتامة من واقعهم السابق إذ لا يتوفر أي حد أدنى من الخدمات المطلوبة.

ومما يلفت الانتباه في التحقيقات المقدّمة وفي النتائج التي يتم استخلاصها منها، هو أن شرائح واسعة من أبناء المجتمع الروسي تعيش حالة من «الحنين» إلى الماضي السوفييتي «رغم قتامته» وتأكيد المؤلفة على تعلقها بالديمقراطية،

وذلك على أساس أن ذلك الماضي كان «يقمع» وإنما يحقق بعض المكتسبات الاجتماعية من طبابة وسكن وأشياء أخرى كثيرة. ولكن هذه المكتسبات نفسها لم تعد متوفرة اليوم. وتصف المؤلفة في إحدى يومياتها لقاءها مع مجموعة من المتقاعدين الذين أعلنوا إضرابا مفتوحا عن الطعام بسبب التقليص الكبير الذي أصاب مرتباتهم التقاعدية «الهزيلة» أصلا.

وتدفع المؤلفة السخرية «السوداء» إلى الحد الأقصى عندما تصف في إحدى يومياتها المحاكمة التي أجريت في موسكو لمجموعة من الشباب الذين دفعتهم أوضاعهم الصعبة، وعدم توفر أية فرصة عمل لهم، إلى الدخول للكرملين والاعتصام في إحدى قاعاته من أجل رفع مطالبهم للسلطات العليا. هؤلاء الشباب وجّهت لهم المحكمة تهمة «محاولة القيام بانقلاب» وتغيير النظام.

ولا تقتصر «اليوميات» التي تقدمها آنا بوليتكوفسكايا عن «روسيا العسيرة» على العاصمة موسكو، ولكنها تنتقل في جميع أرجاء البلاد لنجدها ذات يوم في شيشينيا حيث قابلت العديد من الجنود الروس، ولكن أيضا قابلت المتمردين الشيشان ضد الحكومة المركزية.

ولم تتردد في عرض وجهات نظرهم كما يقدمونها هم أنفسهم إلى جانب رسم ملامح المأساة التي تعيشها عائلات شيشانية كثيرة فقدت أحد أبنائها، وفي حالات كثيرة المعيل الرئيسي لها. هذا ما تنمّ عنها اللقاءات العديدة مع أهالي الضحايا والمفقودين. ولكن هناك لقاءات أيضا مع بعض رموز دعاة الاستقلال من الشيشان من أمثال رمضان قاديروف، الذي تخصه بإحدى «يومياتها».

ويتغير المشهد والموقع في يومية أخرى ليجد القارئ نفسه في بلدة ريازان التي تبعد حوالي مئتي كيلومتر عن العاصمة الروسية موسكو. وفي ريازان هذه تقدّم المؤلفة «شهادتها» عن ظاهرة تقول انها تتكرر في مواقع أخرى عديدة.

وتتمثل في واقع طرد عدد من المالكين من بيوتهم تحت حجج ليس لها أي سند قانوني مشروع، وذلك من قبل مجموعات من «المقاولين الجدد» في ميدان البناء والذين تصفهم المؤلفة بأنهم مقرّبون من مراكز القرار السياسي وصولا إلى أعلى مستويات السلطة.

ومن الأمثلة التي تضربها على صعود مثل هذه المجموعات «الجديدة» ذات العلاقة القوية مع السلطة، تذكّر المؤلفة المجموعة المعروفة باسم «ناشي» والتي تعتبرها حركة ل«الشبيبة البوتينية ـ أي المقرّبة من الرئيس بوتين»، وذلك بقصد التذكير بما كان معروفا في الزمن السوفييتي ب«الشبيبة الشيوعية».

وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب لا تتردد في توجيه أقسى أشكال النقد للسلطة القائمة ولممارساتها ولتعبيراتها، فإنها تدين أيضا بنفس القوة والصرامة ما تعتبره أعمالا «إرهابية» يقوم بها متطرفون متزمتون مثل أولئك الذين كانوا وراء المجزرة الرهيبة التي عرفتها إحدى مدارس بيسلان في شهر سبتمبر من عام 2004.

وكانت تلك العملية التي شهدتها البلدة القوقازية الصغيرة وذهب ضحيتها عدة مئات من الأطفال أثناء هجوم قوات الأمن والجيش الروسية على المتطرفين المتزمتين الذين كانوا قد تمترسوا في المدرسة واحتجزوا تلامذتها كرهائن قد جرى توظيفها من قبل السلطة المركزية التي اعتبرت عملها ردا على «بربرية» محتجزي الأطفال.

وتعود المؤلفة في آخر يومية لها بالكتاب والعائدة لتاريخ 31 أغسطس 2005، أي بعد مرور عام على مجزرة بيسلان، للحديث عن نفس الموضوع لتؤكد أنه لا تزال هناك مناطق ظليلة عديدة لم يتم إلقاء الأضواء عليها فيما جرى، لاسيما فيما يخص إصدار الأوامر لقوات الأمن كي تقوم بهجومها وسقوط مئات القتلى أغلبيتهم العظمى من الأطفال، إلى جانب محتجزيهم،

ولا تتردد المؤلفة في القول في نهاية حديثها انه لن تتم أبدا معرفة الحقيقة الكاملة حول ما جرى في بيسلان، ولكن أيضا في غروزني، وفي أحد مسارح موسكو أثناء احتجاز متمردين شيشان لعدة عشرات من روّاد ذلك المسرح.

إن ما سبق ذكره من «يوميات» كتبتها آنا بوليتكوفسكايا، على مدى أكثر من عامين، ليست سوى «عينات» مما تتضمنه 400 صفحة من «يوميات امرأة غاضبة» وحريصة على التعبير عن «غضبها» مهما كان الثمن. ويبدو أن الثمن كان غاليا جدا.

لكن وفيما هو أبعد من «موضوع» هذه اليوميات والتي يقترب أسلوبها في أحيان كثيرة من الأعمال الأدبية الروسية الشهيرة، فإن المؤلفة تحاول أن تحلل الآليات التي تحكم العلاقة بين السلطة الروسية في نسختها الحالية، وفي السياق ما بعد السوفييتي، وبين المواطنين الروس. وهي ترى أنها علاقة قائمة على تعزيز قوة «الأكثر قوة» وتهشيم مقاومة «الأكثر ضعفا» وذلك تبعا ل«الاقتراب» أو «الابتعاد» من مراكز القرار.

ويتم التأكيد أيضا على تنامي بعض الظواهر السلبية، والتي ليس أقلها سوءا، بنظر المؤلفة، تنامي النزعات الفردية لدى الروس بحيث أنهم يتصرفون ك«أفراد»، لا تهمهم سوى مصالحهم الخاصة، أكثر مما يتصرفون ك«مواطنين»، يمكن للمصلحة العامة أن تعبئهم.

كما يتم التأكيد في نفس هذا النهج من التحليل أن المجتمع الروسي الحالي يعاني من فقدان أواصر التعاون، هذا إذا لم يكن من «التفرقة»، مع ما يمكن أن يؤدي ذلك من أشكال التهميش بالنسبة للبعض والغوص في كل أشكال الإدمان، وما يمكن أن يدفع آخرين نحو مزالق التطرف بشتى تعبيراته القومية الشوفينية أو المذهبية الضيقة. عندما وصل فلاديمير بوتين إلى السلطة عام 2000 وعد أنه سيقيم «دكتاتورية القانون»... أي «قانون»؟ تتساءل مؤلفة هذا الكتاب في يومياتها.

*الكتاب: روسيا العسيرة - يوميات إمرأة غاضبة

*الناشر:بوشيه وشستل - باريس 2006

*الصفحات :420 صفحة من القطع المتوسط

Douloureuse Russie

Buchet & Chastel - Paris 2006

p.420