تعمل ماري لور لوفولون، مؤلفة هذا الكتاب، مراسلة لصحيفة «لوفيغارو» الباريسية في البلدان الاسكندنافية، وتقيم في السويد منذ أكثر من عشر سنوات، ولها العديد من المساهمات في مختلف الصحف والدوريات السويدية. من المعروف أن النموذج الاجتماعي-السياسي الذي اختارته بلدان شمال أوروبا الاسكندنافية كان مضربا للأمثال في العدالة والتوزيع المنصف للثروات، وذلك طيلة فترة الحرب الباردة.

لكن هذا النموذج عرف بعد سقوط جدار برلين وتحديدا خلال عقد التسعينات المنصرم أزمة كبيرة خاصة فيما يتعلق بعدد العاطلين عن العمل والعجز المتعاظم في ميزانياتها. لكن هذه البلدان عرفت كيف «تنتفض» وتستعيد قواتها لتندمج في إطار العولمة.

في هذا الكتاب تقدّم المؤلفة توصيفا كاملا لما يسمى ب(الموديل الاسكندنافي) كي تشير بداية أن هذا «الموديل»، ورغم شهرته الكبيرة، ليس معروفا إلا قليلا لدى الرأي العام الأوروبي نفسه وبطريقة غير دقيقة. وتتمثل أهم السمات التي تنعت بها «الموديل» موضوع دراستها، بأنه يتمتع بعدة صفات أساسية غدت ك(علامات فارقة) بالقياس إلى محيطه الأوروبي العام.

وهذه الصفات هي وجود اقتصاد قوي وفعال بالإضافة إلى مناخ اجتماعي «معتدل» خالٍ إلى درجة كبيرة من مختلف أشكال التقلّصات والتوترات، لاسيما في ظل وجود معدل بطالة أقل مما هو لدى البلدان الأوروبية الأخرى. وتتم الإشارة هنا إلى أن رجال السياسة وأصحاب القرار الأوروبيين يشيرون في مناسبات كثيرة إلى نجاح البلدان الاسكندنافية حيث أخفقت البلدان الأخرى، ولكنهم لا يذهبون إلى حيث ينبغي من تحليل أسباب مثل هذا النجاح.

الميزة الأولى والأساسية لهذا الكتاب هي أنه يساعد على «اكتشاف» الموديل الاسكندنافي، مع التأكيد على البعد «الثقافي» لهذا الموديل. وتحاول المؤلفة أن تشرح الحاضر الذي تعرفه البلدان المعنية في السياق التاريخي الحضاري الخاص بها. وهكذا تلحّ في الفصلين الرابع والخامس في الكتاب على دراسة الفن والأدب والموسيقى الاسكندنافية.

وتصف المؤلفة البلدان الاسكندنافية، أو بلدان شمال أوروبا الخمسة: الدانمارك وفنلندة وايسلندة والنرويج والسويد بأنها «واحة للرفاهية»، و«منازل للسعادة» بالنسبة لمواطنيها، وإنما التي تقدم أيضا الكثير من الخدمات والخيرات لأولئك الذين يؤمونها ك(لاجئين سياسيين) وغيرهم. وتولي المؤلفة اهتماما خاصا بدراسة الأبعاد الاجتماعية-الثقافية للمجتمعات الاسكندنافية دون أن تهمل بالطبع البعد السياسي.

لكنها لا تنسى أن تنبّه منذ البداية إلى أن هذا الكتاب ليس كتابا «دعائيا». وتؤكد قولها أيضا: «هذا ليس كتابا في الطبخ ولن تجدوا فيه شرحا لكيفية إعداد هذه الوجبة أو تلك».وترى المؤلفة أيضا أن البلدان الخمسة المعنية،

ورغم بعض الخصوصيات التي تتسم كل منها بها، تمتلك العديد من القواسم المشتركة التي تسمح بدراستها تحت العنوان الكبير: «البلدان الاسكندنافية» التي توحّد بينها الجغرافيا ويجمعها المناخ الذي يتشابه فيها كلها مع بعض الاختلافات الطفيفة.

ولكن فضلا عن هذا وتلك فإن لهذه البلدان «تاريخا مشتركا» تلتقي فيه منذ الأزمنة الغابرة. وقد انطلقت من شطآنها موجات من المغامرين الذين وصلوا إلى مختلف أصقاع العالم. وليس أقل هؤلاء شأنا الغزاة المعروفين باسم «الفايكنغ» الذين عاشوا في هذه البلدان منذ أكثر من ألف عام.

ومن الملاحظ أن مؤلفة هذا الكتاب تشير منذ الصفحات الأولى منه إلى أن ذهنية «الفايكنغ» لا تزال تجد امتداداتها لدى سكان شمال أوروبا الحاليين، لاسيما فيما يتعلق ببساطة البشر ولكن أيضا بفعاليتهم بنفس الوقت وبحس التنظيم النامي لديهم حيث يبدون وكأنهم من شعوب الأرض الأكثر انضباطا والتزاما بالقوانين المفروضة،

حتى فيما يتعلق بأبسط أمور الحياة اليومية والتقيد بالقوانين النافذة، بما في ذلك قوانين السير. ومن الميزات الأخرى التي يتم التأكيد عليها في نفس السياق لدى الاسكندنافيين قدرتهم العالية على التأقلم في أي محيط يعيشون فيه، بل وقدرتهم على «امتصاص» مختلف التأثيرات التي يتعرضون لها.

ومن الخصوصيات التي يتم التأكيد عليها أيضا بالنسبة لشعوب شمال أوروبا الاسكندنافية هي أنها ليست ذات ماضي استعماري «عريق» وحيث ان «الغزاة» الذين انطلقوا منها من «فايكنغ» وغيرهم إنما كانوا مدفوعين بحس المغامرة ودافع الاستكشاف والتعرف على ما هو جديد.

ولكن لم يكن في تاريخ هذه البلدان أية ممارسة منهجية ل(العبودية) حيال أبناء الشعوب الأخرى، على غرار ما عرفته تجارة العبيد في دورتها المثلثة، انطلاقا من أوروبا باتجاه إفريقيا ونقل أبنائها ك(عبيد) إلى القارة الأميركية. وترى المؤلفة أن مثل هذه الذهنية «المنفتحة» لم تكن بعيدة عن سهول «تغلغل» الدعوة اللوثرية، أي الأفكار التي قال بها مارتن لوثر، المعروفة بالبروتستانتيون الأغلبية الساحقة بين سكانها.

وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب تؤكد على وجود قواسم مشتركة بين عموم البلدان التي تنضوي تحت تسمية «الاسكندنافية»، فإنها تركز بنفس الوقت على تحليل الدور الذي لعبه بلد محدد هو السويد. وذلك على أساس أن السويد كانت هي البوتقة الأولى التي شهدت تكوّن ملامح الموديل الاسكندنافي.

وتتوقف طويلا حول شرح مفهوم «بيت الشعب»، وهو التعبير الذي كان قد استخدمه أولا المدعو «بيرالبين هانسون»، زعيم الحزب الاجتماعي ـ الديمقراطي السويدي عام 1928. وذلك من أجل أن يصف «المجتمع الذي يحلم به الناس»، أي المجتمع الذي يؤمن لجميع أفراده دون أي تمييز بين رجل وامرأة،

أو بين هذه الطبقة أو تلك، ودون النظر إلى المنشأ الاجتماعي، الحد الأدنى المطلوب من أجل تأمين العيش الكريم. وهي الصيغة المجتمعية التي قارب الكثيرون بينها وبين الصيغة الشيوعية المعروفة للمجتمع والقائل «من كل بقدر طاقته ولكل بقدر حاجته».

باختصار أنه «مجتمع المواطن» المضمون والمكفول ضد «نوائب الدهر» فيما يخص تأمين معيشته. ولا شك أن المجتمعات الاسكندنافية كانت قد حققت الكثير من المكتسبات والميزات لمواطنيها بالقياس إلى البلدان الأوروبية الأخرى.

هكذا مثلا تحمّلت الدولة على عاتقها جميع نفقات الأمومة بعد الولادة بما في ذلك تأمين الحضانة والرعاية مما يتيح للأم الانخراط بشكل كامل وفاعل في مجال عملها المهني وفي النشاطات العامة. لكن تتمثل إحدى السمات الأساسية التي تركز عليها المؤلفة في تحليلها ل(الدينامية)التي تتمتع فيها المجتمعات السويدية، في قدرتها على التجديد والتكيّف والنهوض حتى في أحلك الأوقات.

وهذا ما تجد ترجمته على أرض الواقع في الكيفية التي واجه بها قادة البلدان المعنية الأزمة التي عرفتها بلدانهم بعد الصدمة النفطية الكبيرة التي أعقبت حرب 1973 في الشرق الأوسط وحيث ظهرت البطالة وأخذت تتفاقم تدريجيا. كذلك تعاظمت النفقات العامة ومعها الديون.

إن أولئك القادة اختاروا في فترة الأزمة تلك أن يكرّسوا جهودهم لتعزيز قطاع التربية والتكوين وشجعوا روح التجديد لدى مواطنيهم. وهذا ما أثمر في أرض الواقع حالة من الازدهار في بعض القطاعات إذ ليس صدفة أن تكون شركة «نوكيا» للهواتف المحمولة هي شركة فنلندية ونظيرتها «اريكسون» هي سويدية.

ومن المعروف أيضا أن سكان البلدان الاسكندنافية من الأكثر استخداما ومهارة، وبالتناظر مع الأميركيين، للانترنيت وللتكنولوجيات الحديثة المتقدمة. وبالتوازي مع ذلك لجأت الحكومات المعنية إلى عملية «ترشيد» حقيقية لسياسة الإنفاق العام ولم تتردد في اللجوء إلى عدد من عمليات الخصخصة للعديد من مؤسسات القطاع العام وفي مقدمتها البريد والكهرباء والسكك الحديدية.

كما طالت إجراءات «الترشيد» أجور العاملين في مختلف مؤسسات الدولة. وكانت النتيجة هي أن البلدان الاسكندنافية أصبحت تحتل المرتبة الأولى، من حيث قدرة منافسة اقتصادها بالقياس إلى بلدان الاتحاد الأوروبي الأخرى. كما أنها تحتل مرتبة متقدمة في قائمة البلدان ذات التنمية البشرية العالية حسب توصيفات منظمة الأمم المتحدة.

وفي المحصلة يتم التأكيد على أن مكمن قوة البلدان الاسكندنافية يتمثل في مواجهتها للمشاكل وليس الهروب أمامها، وعدم التردد في وضع سياساتها موضع الشك عندما يدعو الواقع إلى ذلك. وبالتالي قدرتها على القيام بعملية «إصلاح ذاتي» على قاعدة دلاجة متقدمة من التنسيق الاجتماعي العام،

والحوار بين الشركاء المعنيين بكل قطاع من قطاعات الإنتاج بحيث تمتلك المؤسسات هامش استقلالية حقيقية كبيرة. ثم إن مثل هذه الاستقلالية مثبتة في «قانون العمل» نفسه.وكتاب تتجاوز فيه مؤلفته التعبيرات و«الكليشيهات» العامة والعمومية السائدة عن الموديل الاسكندنافي،

وذلك كي تغوص في شرح آليات عمله ونقاط قوته، ولكن نقاط ضعفه التي تخصها بعدد من الصفحات بنهاية عملها، قبل تبنّي مفهوم «تحسين النسل» وممارسته على مدى عدة عقود في النرويج، وأكثر منها في السويد.

*الكتاب:وثبة الموديل الاسكندنافي

*الناشر: لين دو روبير ـ باريس 2006

*الصفحات :174 صفحة من القطع المتوسط

Le rebond du modèle scandinave

Lignes de Repères-Paris 2006

p. 174