قدّم جون ف. كوبير أكثر من عشرين كتابا في ميدان العلاقات والإستراتيجيات الدولية. وساهم في العشرات من الكتب الأخرى، هذا فضلا عن مئات الدراسات والمقالات التي كتبها في العديد من كبريات الصحف والدوريات العالمية. وكان قد أدلى أيضا بالعديد من الشهادات أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي حول آسيا ومنطقة المحيط الهادئ ـ الباسيفيكي. نال في عام 1997 الجائزة الدولية الأميركية في مجال الاتصالات.
ومن بين مؤلفاته: «ترسيخ الديمقراطية التايوانية» و«القاموس التاريخي لتايوان» وحقوق الإنسان في صين ما بعد ماو». «اللعب بالنار» هو كتاب عمّا يعتبره المؤلف أحد أخطر بؤر التوتر في العالم، بل والبؤرة التي يمكن أن تنطلق منها، أو يسببها، حربا كونية ثالثة.
النقطة التي ينطلق منها المؤلف في تحليلاته تتمثل في التأكيد على أن القوة المتعاظمة للصين التي تحقق منذ أكثر من عقدين من الزمن معدلا للتنمية، هو أحد أكبر معدلات التنمية في العالم اليوم، سوف تؤدي بالضرورة إلى سعي «المارد الأصفر» لتأكيد نفسه كقوة إقليمية لا منازع لها أولا، ثم كقوة دولية لها كلمتها في شؤون العالم. ويذكّر المؤلف هنا بتعبير نابليون عن الصين عندما وصفها ب«العملاق النائم».
هذا العملاق النائم هو بصدد الاستيقاظ، وهذا ما لا تستطيع القوى الخارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، أن تتجاهله، وإلا فإنها ستمارس سياسة «النعامة» التي تضع رأسها في الرمل مما يمنعها من رؤية العالم المحيط بها.
ويتم التأكيد أيضا أن الاهتمام الغربي بالصين سوف يتركز على المسألة «التايوانية». وذلك على أساس أن جزيرة «تايوان» الموجودة جنوب الصين تشكل جزءًا لا يتجزأ، بنظر القادة الصينيين، من بلادهم وإنه ليس بينهم أحد تقريبا، ومهما كانت التصريحات الدبلوماسية التي يطلقونها، يرى أي حل في الأفق البعيد، سوى ضمّها، أو بتعبير «أدق»، حسب القاموس الصيني «إعادتها إلى الوطن الأم».
المسألة مغايرة تماما من وجهة النظر الغربية التي ترى في تايوان «نقطة ارتكاز» جوهرية ل«الديمقراطية» المدعوّة للانتشار في مختلف أصقاع القارة الآسيوية، والصين في مقدمتها. لكن الصين ليست قوة اقتصادية صاعدة فحسب، وإنما هي أيضا، وربما أساسا، قوة عسكرية تقوم بخطط تحديث كبرى لترسانتها من الأسلحة والتجهيزات. وهذا ما يرى به المؤلف سببا كافيا وجوهريا كي تعيد الولايات المتحدة الأميركية حساباتها الإستراتيجية في المنطقة.
ويعود مؤلف هذا الكتاب إلى التذكير بالأحداث الكبرى التي شهدتها العلاقات الصينية ـ التايوانية خلال العقود الأخيرة المنصرمة. وحيث يتوقف طويلا عند «الأزمة الثالثة لمضيق تايوان» والمعروفة أيضا باسم «أزمة 1995 ـ 1996».
وكانت تلك الأزمة قد نجمت اثر سلسلة من التجارب التي قامت بها جمهورية الصين الشعبية على صواريخ في المياه الإقليمية التايوانية. ولم يكن الأمر يتعلق بمسائل عسكرية وإنما كان بالأحرى رسالة إلى التايوانيين الذين كانوا على أعتاب الانتخابات لتذكيرهم ب«عدم الابتعاد كثيرا» عن «الوطن الأم».
أما بداية تلك الأزمة فيحددها المؤلف بقبول الرئيس التايواني آنذاك «لي تينغ ـ هوي» عقد ندوة مع جامعة «كورنيل» حول «تجربة تايوان في إشاعة الديمقراطية»، الأمر الذي رأى به القادة الصينيون «نزعة استقلالية» لدى الرئيس التايواني.
ومثل هذه «النزعة» تهدد مباشرة «الأمن الإقليمي»، ولم يتردد القادة الرسميون الصينيون آنذاك بتوجيه الاتهامات للسلطات الأميركية بأنها تسعى إلى «تخريب» مسيرة التقارب التي كان قد تمّ الشروع بها بين بكين وواشنطن.
وبعد فترة من التردد منحت الولايات المتحدة تأشيرة دخول للرئيس التايواني «لي تينغ ـ هوي» الذي أقام فيها ما بين الخامس والعاشر من شهر يونيو 1995. ولم تتردد الصحافة الصينية أيضا آنذاك عن وصف «لي» بأنه «خائن» حيال «الوطن الأم».
وبتاريخ 21 يوليو بدأت جمهورية الصين الشعبية تجاربها الصاروخية في المياه الإقليمية التايوانية، لتبدأ بذلك أيضا أحد أخطر الأزمات التي شهدها مضيق تايوان بعد انهيار المعسكر الشيوعي ونهاية الحرب الباردة. واستمرت التجارب حتى تاريخ 26 من نفس الشهر، لتبدأ سلسلة أخرى ما بين 15 و25 من الشهر التالي، أغسطس 1995.
وكان رد الولايات المتحدة الأميركية «عنيفا» هو الآخر إذ أُعطيت الأوامر للسفينة الحربية الأميركية «نيمتز» بعبور مضيق تايوان في شهر ديسمبر، لتكون بذلك أول سفينة حربية أميركية تعبره منذ عام 1976. ثم كانت هناك سلسلة تجارب صاروخية صينية ما بين 8 و15 مارس 1996 حيث «عبرت» الصواريخ فوق الجزيرة بارتفاع يتراوح بين 25 و35 ألف ميل.
كانت الانتخابات التشريعية ستجري في تايوان بتاريخ 23 مارس. وتتم الإشارة هنا إلى أن تلك الأزمة كان لها آثارها السلبية الكبيرة على الاقتصاد التايواني إذ انخفضت أسعار البورصة فيها بمعدل 17 بالمائة طيلة فترة الأزمة وبرزت ظاهرة نزوح رؤوس الأموال عن الجزيرة بينما شهدت أسعار البناء انخفاضا كبيرا.
وفي المحصلة كانت تلك الأزمة، مع ما رافقها من تعبئة و«تظاهرات» عسكرية بمثابة «لعب بالنار»، ولكن «اللعبة» لم تذهب بعيدا لحسن الحظ. وتتمثل إحدى «الرسائل» الأساسية في هذا الكتاب بالقول ان نشوب حرب بين الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية الصين هو «أمر محتمل» الوقوع، وذلك على خلفية مطالبة تايوان بالاستقلال.
ولكن قد تمكن السيطرة على الوضع طالما أن الأمر يبقى على صعيد «المطالبة» ولا ينتقل إلى مستوى «الإعلان» رسميا عن مثل هذا الاستقلال. ذلك رغم أن تايوان تمتلك الآن جميع أشكال مؤسسات الدول المستقلة بما في ذلك برلمان ورئيس ودستور، ولكن دون إعلان.
ويؤكد المؤلف بأشكال مختلفة أن حالة «السلام» السائدة على جانبي مضيق تايوان، هشّة جدا رغم ما تبدو عليه من ثبات، ذلك أنه ليس هناك ما يضمن استمرارية الوضع القائم. والأزمة مرشحة ل«الانفجار» في أية لحظة، لاسيما أن للولايات المتحدة الأميركية مصالح إستراتيجية تخص حضورها في المحيط الهادئ برمته، وأن الصين تنظر بكثير من الحذر لهذه البؤرة التي تمثل بنظر غالبية القادة الصينيين نوعا من «الطابور الخامس» في خدمة الخصم «الإستراتيجي» الأميركي.
ويولي مؤلف هذا الكتاب أهمية خاصة لمسألة قد تبدو على هامش «المسألة التايوانية» وتخص الأحداث الدامية التي عرفتها ساحة «تياننمن» في بكين. إنه يرى في تلك الأحداث «منعطفا» في العلاقات الصينية ـ الأميركية، ذلك أن الذهنية التي كمنت وراء قمع «الطلبة الديمقراطيين» آنذاك، كانت هي نفسها التي غذت رغبة الصينيين في «قسر إرادة» التايوانيين عبر التلويح بالصواريخ عام 1996.
وإذا كان الرد الأميركي خجولا عام 1989، فيما يخص أحداث ساحة تياننمن، فإنه لم يكن كذلك أبدا عام 1996 إذ لم تتردد في إرسال سفنها الحربية إلى أعالي منطقة مضيق تايوان كي تؤكد دعمها وتضامنها مع الحليف التايواني.
لكن إذا كان المؤلف لا يستبعد إمكانية نشوب مواجهات مسلّحة بين الولايات المتحدة والصين بسبب تايوان، فإن هذا لا يمنعه من استعراض العديد من الخبراء والمحللين الذين يرون أن التعاون في المجالات الجيوسياسية والاقتصادية والدبلوماسية قد يجعل إمكانية نشوب حرب بين أميركا والصين قليلة الاحتمال في المستقبل، وأن المصالح المتبادلة قد تدفع الطرفين إلى إيجاد سبل للتفاهم وتجنب المواجهة بعيدا، بل وربما تجاوزا لمطالب تايوان في الاستقلال.
وإذا كانت إمكانيات المواجهة الأميركية ـ الصينية حول تايوان تشكل نوعا من «اللعب بالنار»، إذا انتصرت خيارات المجابهة على خيارات التفاهم، فإن مؤلف هذا الكتاب يتحدث عن «لعب آخر بالنار» يقول به رجال السياسة داخل تايوان نفسها، لاسيما عندما يظهرون عدائية واضحة،
بل وأحيانا يكون سلوكهم تحريضيا، حيال الصين وتحديها باسم «السيادة الوطنية» التايوانية وإنما دائما على خلفية الدعم الأميركي. وهم بذلك لا يولون الأهمية المطلوبة لما يمكن أن يترتب على مسألة استقلال تايوان من مواجهات قد تتجاوز المحيط الإقليمي.
ولعله من الهام الإشارة إلى الفائدة الكبيرة التي يمثلها هذا الكتاب فيما يخص «التأريخ» للعلاقات الدبلوماسية الصينية ـ الأميركية منذ أحداث ساحة تياننمن تحديدا عام 1989 وهذا يساعد كثيرا في فهم رهانات الأمن الإقليمي وليس في بحر الصين وحده وإنما في عموم تلك المنطقة كلها من أسيا. وتاريخ عدة عقود من العلاقات الصينية ـ الأميركية عبر «مضيق تايوان» الذي يرى به العديد من الخبراء الإستراتيجيين «بؤرة» محتملة لانطلاقة شرارة حرب عالمية ثالثة.
*الكتاب:اللعب بالنار ـ الحرب التي تلوح في الأفق بين الصين وتايوان
*الناشر:بريج سيكورتي انترناشونال ويستبورت 2006
*الصفحات:266 صفحة من القطع المتوسط
Playing with fire - the looming war with China and Taïwan
Praege Security International 6002 troptseW
662 .p
