الدكتور سعد الدين كليب مؤلف الكتاب شاعر وأستاذ جامعي في كلية الآداب بجامعة حلب وهو من مواليد حماه ـ سورية عام ـ 1957 ـ باحث في الأدب العربي الحديث له مقالات وأبحاث منشورة في كثير من الصحف والدوريات العربية، من مؤلفاته: «الشبح ـ 1981، الغناء فوق اليباس الخصيب ـ 1984، وأشهد هاك اعترافي ـ 1993.
وفي كتابه الجديد «البنية الجمالية في الفكر الإسلامي» يعتبر الباحث أن الفكر الجمالي العربي ـ الإسلامي يشكل حلقة مهمة ومتميزة من حلقات الفكر الجمالي الإنساني. وذلك لموقعه التاريخي من جهة ولما اتصف به من عمق في طرح المسائل الجمالية من جهة أخرى.
فلم يكن البحث الجمالي فيه ثانوياً أو من سقط المتاع، بل إن له مكانة مهمة لا يمكن إغفالها أو تجاهلها. ويرتبط هذا المبحث بكل من مبحث الإلهيات والمحبة واللذة والحواس والقوى الإنسانية. بحيث يصحّ التوكيد على أن صورة الفكر العربي ـ الإسلامي لا تكتمل دون منظومته الجمالية.
يتألف الكتاب من مقدمة وخمسة فصول. ففي «نظرية الفيض في الفلسفة والتصوّف» يستعرض الباحث نظرية الفيض عند أهم القائلين بها، والهدف من ذلك تبيان الأساس المعرفي الذي ينطلق منه هذا الفكر في وعي الله والكون والمجتمع والإنسان، لما في ذلك من أهمية في تحديد الوعي الجمالي.
والحديث عن نظرية الفيض وأثرها في الفكر العربي ـ الإسلامي ليس حديثاً عن مؤثر خارجي، بقدر ما هو حديث عن منهج معرفي في فهم الذات الإلهية والكون والطبيعة والمجتمع والإنسان، أو بمصطلح القرن الرابع الهجري: في فهم «الحقّ» و«الإنسان الكبير» و«العالم الصغير».
إن هذه النظرية ـ المنهج، وإن تكن ذات أصول يونانية وفارسية، قد أصبحت مُلك الفكر العربي ـ الإسلامي بما طوّرها ووظّفها وشذّبها بما ينسجم والحاضن الاجتماعي ـ التاريخي، والأهداف الأيديولوجية المعلنة أو المستترة، فضلاً عن الوعي الديني الذي كان حاضراً على نحو فاعل.
أي لقد تمّت «أسْلَمة» هذه النظرية ـ المنهج. وعلى أساس هذه «الأسلمة» يمكن ان نفهم ذلك الحضور الفاعل لها في بنية الفكر العربي ـ الإسلامي، وفي أطروحاته الفلسفية والدينية والمذهبية. وذلك بدءاً بفهم العلاقة بين الله والكون، والقديم والمحْدَث، والمطلق والنسبي، والذاتي (الجوهري) والعرضي، والواحد والكثرة، والأول والثاني، والواجب والممكن،
وانتهاء بالمدينة الفاضلة والعضو الرئيس والإمام أو الإنسان الكامل والعناية الإلهية والجبر والمآل أو العالم الآخر. وفي الفصل الثاني «مفهوم الكمال جوهراً في الفكر العربي ـ الإسلامي» يدرس الباحث مفهوم الكمال بوصفه مفهوماً جوهرياً في كل من المنظومة الجمالية المطروحة، ونظرية الفيض.
فتمّ استعراض تجليات الكمال ومحدّداته وموضوعاته الحسّية والروحانية والاجتماعية والفنية. ويرى الباحث ان الفكر العربي ـ الإسلامي أقام منظومته الجمالية على مفهوم الكمال، تماماً كما أقام كل من الفكر الفلسفي والصوفي منظومته المعرفية على نظرية الفيض.
وفي هذا يكمن الأثر الحاسم الذي خلّفته نظرية الفيض في الفكر العربي ـ الإسلامي. فكما ان جوهر الفيض يتبدّى بالكمال الإلهي أو العقل المفارق، فإن تحديد الجمال يتبدّى هو الآخر بالكمال بأجناسه المختلفة من الإلهي إلى الإنساني، ومن الروحي إلى المادي. وإذا لم يكن لنظرية الفيض من أثر سوى هذا الأثر، فإنه يكفيها ان تكون قد طبعت الفكر الجمالي العربي بطابعها الجوهري، وهو محورية الكمال.
فأثر هذه النظرية لم يكن ثانوياً أو عارضاً، بل هو أثر جوهري مؤسس. أو يمكن القول إن تلك المنظومة الجمالية قائمة بنيوياً على مفهوم الكمال. وإذا ما تمّ إضافة المنطق الترابي الذي تفرضه نظرية الفيض، فإن الأمر يتعدّى الحديث عن أثر أو آثار، ليغدو حديثاً عن بنية عامة متكاملة قائمة على ما هو أساسي في نظرية الفيض.
فلا يمكن، وهذا هو الحال، الكلام على الفكر الجمالي العربي ـ الإسلامي بمعزل عن نظرية الفيض. وفي الفصل الثالث يتناول الباحث «القيم الجمالية وطبيعة المشاعر الانفعالية المصاحبة لها» ويشتمل على أربع فقرات هي: الجلال والجمال والقبح والعذاب.
حيث دار الحديث فيها حول تحديد المفهوم والسمات الموجبة له، وتجلياته في الظواهر والأشياء. ويؤكد الباحث ان الفكر الجمالي العربي ـ الإسلامي قد صرف اهتمامه إلى ثلاث قيم جمالية. وهي الجلال والجمال والقبح، مغفلاً إغفالاً تاماً مفهومي التراجيدي والكوميدي.
على حين لم يشر إلا بإشارات جمالية عامة في أغلب الأحيان، إلى مفهوم المعذَّب. بل ان هذا الفكر قد أعطى جلّ اهتمامه إلى الجلال والجمال، بحيث يصحّ القول ان هذا الفكر فكر الجلال والجمال، كما انه فكر الكمال معرفياً. ويعتقد الدكتور سعد الدين كليب ان ذلك ينهض من ارتباط المبحث الجمالي بكل من مبحث الإلهيات، ومبحث المحبة.
إذ ان الكلام على هذين المفهومين لا يكاد يتمّ الاّ في إطار الحديث عن الموجود الأول أو الله عز وجل. فالهدف يكمن أولاً في تبيان الجلال والجمال في الكمال الإلهي، ويكمن ثانياً في تبيان الجمالات التي فاضت منه. وبما أن الأمر مرتبط بالذات الإلهية، فإن الحديث عن المحبة وأسبابها، وعن المحبوبات وأصنافها، يبدو بدهياً. فالله هو المحبوب الأول الذي يستوعب كل اسباب المحبة.
وبما ان ثمة جدلاً، في هذا الفكر، بين المحبة واللذّة ـ فالمحبة توجب اللذّة كما ان هذه توجب تلك ـ فإن ارتباط كل من الجلال والجمال باللذّة يغدو هو الآخر بدهياً. وبذلك لا غرابة في ان يستحوذ هذان المفهومان على الاهتمام الأكبر، في حين ان الاهتمام بالمعذب يبدو اهتماماً هامشياً.
وفي الفصل الرابع يتناول الباحث «اللذّة الجمالية»، حيث يتحدث عن الحواس والقوى الإنسانية، وعلاقة اللذة بها، وبكل من المحبة والمعرفة، وعن اللذات الجمالية التي انقسمت ـ أي الانواع ـ إلى ثلاثة، وهي اللذة الحسّية، واللذة المعنوية ـ العقلية، واللذة الروحانية. ثم اللذة الفنية وعلاقتها بتلك الذات.
وينظر الباحث إلى الفكر الجمالي العربي ـ الإسلامي على انه منظومة جمالية متكاملة ويظهر ذلك، فيما يظهر، في اللذة الجمالية التي تمّ النظر إليها من منظور الكمال والملاءمة. فالكامل المتلائم مُلذّ بالضرورة. وهو ما ينسجم ومفهوم الجمال الذي يتحدّد، في هذا الفكر، بالكامل المعتدل.
وإذا ما أشرنا إلى ان المعتدل هو نفسه الملائم من منظور الحواس والقوى، فإن الأمر يغدو أكثر وضوحاً. حيث إن الجميل مُلذ ومحبوب بالضرورة. اما اختلاف الأذواق في الموقف من الجميل، فينهض مما هو ذاتي متعلّق بالإدراك وشروطه، لا مما هو موضوعي متعلّق بالمدرك.
فإذا ما كان الكمال قائماً في المدرَك والمدرِك والإدراك، فإن اللذة الجمالية تكون عندئذ قد حازت على الكمال. وهو ما يعني النشوى القصوى. ويظهر ذلك في الأثر الانفعالي ـ الجمالي الذي يخلّفه الموضوع الجميل أو الجليل أو القبيح أو المعذب، حيث يتحدّد ذلك الأثر الذي هو اللذة الجمالية نفسها بالأنس والفرح والسرور أمام موضوع الجميل، وبالنفور
والاعتبار أمام الموضوع القبيح، وبالتأسي أمام الموضوع المعذَّب. وفي الفصل الخامس يتناول الباحث «الجلال والجمال في الإنسان الكامل» بوصفه مثلاً أعلى في الجلال والجمال وبوصفه الأنموذج التطبيقي الذي يستوعب نظرياً المنظومة الجمالية التي طرحها هذا الفكر.
ولا يغفل الباحث ان أسطورة الإنسان الكامل اسطورة شرقية متأصلة نجدها متمثلة في الإنسان الأول عند المزدكية، وفي الإنسان القديم عند المانوية المستعربة، وفي ـ آدم قدمون ـ في كتب القبّالة اليهودية ونجدها، في مرحلة مبكرة، عند الزرادشتية. ولم يكن الفكر العربي ـ الإسلامي، بطبيعة الحال، بمنأى عن التأثر بذلك.
ولا يرى الباحث ان هذا التأثر هو الأساس في وجود مفهوم الإنسان الكامل، في هذا الفكر. إذ أن البنية العامة لهذا الفكر، التي يُعدّ مفهوم الكمال جوهرياً فيها، كانت تفترض مفهوم الإنسان الكامل، فهو بهذا المعنى مفهوم عربي ـ إسلامي بقدر ما هو مزدكي أو مانوي...الخ،
بل يمكن القول إن الفكر العربي ـ الإسلامي قد أعطى هذا المفهوم غنيً وتنوعاً وشمولاً لم تكن له من قبل، وينهض ذلك من ثلاثة اعتبارات: معرفي وأيديولوجي وجمالي. ثم ينهي الباحث الدكتور سعد الدين كليب دراسته باستعراض الأشكال التي تمظهر بها الإنسان الكامل في الفكر العربي ـ الإسلامي، وقد حصرها بثلاثة اشكال هي: الشكل الاجتماعي، الشكل الفردي، الشكل الكوني.
د. وانيس باندك
*الكتاب:البنية الجمالية في الفكر الإسلامي
*الناشر:دار نون ـ حلب 2006
*الصفحات:238 صفحة من القطع الكبير

