في الرابع من إبريل 2006 رحل الشاعر محمد الماغوط، وقد مرت المناسبة مرورا عاديا، وقليلا ما تذكرته مؤسسة رسمية أو أهلية أو صحافية أوردت خبر رحيله إلى جانب أخبار أموات يقرأون شعرا في اتحاد الكتاب ـ لا أحد يسألني أي اتحاد أعني ـ تتشابه الاتحادات والمنابر والرداءة واحدة.
يتذكر العالم صورة الماغوط في أيامه الأخيرة عجوز مترهل يمضغ سيجارة بين شفتيه، تختفي عيونه الخضراء خلف نظارة سميكة وثوب فضفاض وقبعة صوفية تدفئ رأسه. وهكذا هي صورته في الأذهان، أو على الأقل صورته الرسمية في أرشيف الصحف ومواقع الانترنت.
رغم شهرته الواسعة، كان الماغوط قليل الظهور الإعلامي عازفا عن الحوارات الصحافية أو الأمسيات الثقافية، محبا للانزواء في ركن مقهى شعبي حيث ينتمي، مقهى أبو شفيق في دمشق كان مكانه المفضل، لا يحب المتطفلين أو الرسميين أو ملتقطي الصور التذكارية، كان نسيج حزنه ووحدته وصمته.
سخرية الماغوط في الحياة حولته إلى شخص عازف عن الظهور قليل الكلام كثير التدخين كثير الانتقاد يرى بعين المراقب ما لا يراه غيره، ولديه من الفوران اللاذع ما يجعل المرء يموت غيظا على طرقات وطنه.
ذات مرة أطل مستشرق على الماغوط ليقوم بعملية مسح للثقافة العربية، فسأله أين تقف الآن في الساحة الأدبية، قال الماغوط : أقف الآن على آخر طريق الاشتراكية العربية ورائي ثلاثون سنة وأمامي ثلاثون مواطنا حتى يأتي دوري في الحصول على رغيفين من الخبز.
سخرية لاذعة ناقدة لحاله وحال وطنه، لذلك لم يأبه بالأوسمة والنياشين والصور وهذا يفسر فقر أرشيف الصحف بصورة مناسبة للنشر تعود لأيام شبابه، غير تلك الصورة التي تصدرت غلاف أعماله الكاملة. صورة رسمت بالألوان المائية لشاب وسيم
لا يتقن لغة أجنبية تحيل شعره البسيط إلى ثقافة جاك بريفير أو فاسكو بوبا أو رامبو، فهو- رغم عمق صورته النثرية - لم يمر على صفحات سوزان برنارد في كتابها عن قصيدة النثر، ولا مرجعية له سوى أحاسيسه التي تحولت إلى بساطة مفرطة في معناها ومغزاها.
حياة الماغوط كانت شهادة فاجعة وصادقة على مرحلة مظلمة من حياة العرب يمكن للأحفاد أن يشموا من خلالها رائحة الهزائم وغضب العاجزين، ويمكن أن يروا فيها صورة لماضي أجدادهم علهم يتوقفون عن التمجيد ذات يوم، فالأمجاد العظيمة في الماضي لا تعيش في المستقبل خاصة لدى الأمم العاجزة،
فما بالنا بالعاجزين الغاضبين، محمد الماغوط كان عاجزا وغاضبا وناقما وساخرا ومتسكعا ومدركا أن مهمة الشاعر ليست تحويل الهزائم إلى انتصارات بل وضع الاصبع على الألم والضغط قليلا ليسمع صوت الآه.