مؤلف هذا الكتاب شاعر وأستاذ جامعي يدرّس تاريخ الفن وسيميائيات الصورة في جامعة قابس بتونس وهو حاصل على دكتوراه في علم الاجتماع عام 2003 وقد تخصص نهائيا في الحضارة الإسلامية والفن الإسلامي من وجهة نظر علم الاجتماع.

والفرضية التي يطرحها الكتاب هي أن العمارة العربية الإسلامية تحاول التقليل من حجم ظهور النساء في الفضاءات المعمارية، وهي تسعى ثانيا في الأماكن الاجتماعية المكتظة بالسكان إلى التقليل من احتكاكهن بالرجال بكل الوسائل الممكنة.

وهو يقرر أن ثمة أيديولوجية معروفة معادية للنساء تبرز في حالة العمارة الذكورية عبر وسائل ومواد ملموسة لا تقبل إلا القليل من التأويل.. الحجر والملاط والخشب وغيره، ما يعزز رؤية المؤلف التي يذهب إليها من أن اعتبار المرأة عورة ليست فحسب فكرة مجردة ولكنها تجد لها تمثيلات صريحة في أنماط البناء والتصاميم والمساقط المعمارية في العالم العربي.

يشير شاكر لعيبي إلى أن وظيفة العمارة الأساسية كانت واضحة على الدوام للجمهور العريض.. السكن.. لكن بين الوظيفة المعمارية التي هي بداهة وبين منظومة المعايير الأخلاقية التي تشتغل العمارة بين ظهرانيها ثمة فسحة للتأمل. وفي معرض تفصيل رؤيته يقدم المؤلف أمثولة افتراضية لذلك هي البرجيل

كما يسمى في مختلف دول الخليج بما فيها الإمارات أو ملقف الهواء كما يسمى في مصر. إن البرجيل يدل حسبه على كيفية استجابة العمارة للمناخ. لكن السؤال الذي يطرحه المؤلف هو: هل يتوقف الأمر في العمارة عند هذا الحد الطبيعي الجغرافي أم أن هناك بعدا ثقافيا قادرا على صياغة الأشكال المعمارية للانسجام مع بداهاته الاجتماعية والأخلاقية؟ إن بداهاته موضع إشكال حتى في مواجهة الجغرافيا نفسها.

إن المؤلف يصل، فيما يبدو نتيجة تعسفية، إلى القول ان الملاقف هي حيلة معمارية بديعة لتجنيب السكان، النساء في الغالب، الظهور إلى الفضاء الطلق لاستنشاق الهواء ثم التحايل على الهواء المنعش بالمقابل لكي يمر داخل الحجرات المغلقة.

ويتساءل المؤلف بعد هذا الاستعراض إزاء ما يراه من صعوبة قبول طرحه: هل ثمة إفراط في قول كهذا؟ هل ثمة انسياق تعسفي إلى فكرة جامدة وأيديولوجيا أخرى معارضة وعمياء فيما نفترض؟ وإزاء شعوره بما قد يكون في حكمه من تعسف يقدم لنا أمثلة يؤيد بها طرحه حيث يذكر أنه في الطقس الاستوائي الهندي أو الافريقي لم يفكر الناس بعمارة الملاقف.. لقد ابتكروا طرقا أخرى مختلفة لتبريد بيوتهم.

ويحاول المؤلف حصار قارئه بالإجابة عن ما قد يثيره البعض من أن العمارة وهي أرث ثقافي يقوم على التنوع وأن الحلول التي يقترحها لمشكلات البيئة تختلف بالتالي بين حضارة وأخرى. وفي معرض تعليقه على هذه الخواطر التي يوردها ضمن سياق نصه يقول لا نشك بذلك لأن الأمر بداهة أخرى معروفة،

غير انه يضيف إن مجمل الشروط التي تتحرك فيها المجتمعات العربية الإسلامية إزاء المرأة تبيح لنا القول إن الحل المخترع لجلب الهواء إلى غرف مغلقة عبر الملاقف أو البراجيل ينسجم مع فكرة عزل النساء رغم معرفتنا الأكيدة أن الرجال والنساء يتشاطرون تلك الغرف في ساعات القيظ.

غير أن المؤلف يرى أن هذه الفرضية قد تكون أضعف البراهين وهو ما يدعونا معه إلى تجاوزها إلى براهين معمارية أكثر وضوحا وصراحة بصدد ذلك العزل نفسه وهو حسبما يؤكد كثير. وفي هذا الصدد يؤكد المؤلف أن المسألة أو ما يسميه العقدة النسائية في الضمير الثقافي تمتد وتتداخل في تكوين أشكال وجماليات العمارة بأنماطها التقليدية

وحتى ببعض أنماطها الحديثة الراهنة في مناطق سكن أساسية من أحياء العالم العربي والإسلامي. وفي تقديم أمثلة تطبيقية يشير إلى أنه في منازل مدينة رشيد في مصر خصص الطابق الأول علوي لاستقبال الضيوف وعند بداية الطابق الثاني علوي ينتهي السلم الصاعد إلى المنزل من الطابق الأرضي ليبدأ سلم آخر من داخل الطابق الثاني والطوابق الأخرى وهو ما يعكس حسبما يرى فكرة عزل طوابق المنزل التي تختص بصاحب المنزل وعائلته عن طابق الاستقبال.

ثم يقدم لنا شاكر لعيبي فرضية أخرى تتعلق بالفئات المعزولة في العمارة بصفتها مصدات اجتماعية للخارج المشبوه فيشير إلى أن البيت العربي التقليدي يتكون من باحة محاطة بغرف الضيوف والاستقبال ومن دور علوي لسكن أفراد الأسرة في حالات غالبة.

ويقدم المؤلف نماذج كثيرة لما يسمى الحرملك والذي يعزز هذه الفكرة ففي مدينة الإسكندرية يتكون قصر المنتزه من عدة مبان أهمها الحرملك وكان مقر اصطياف الأسرة الملكية المصرية السابقة. وفي مدينة نابلس ثمة قصر النمر الواقع في الجهة الشمالية الشرقية من حارة الحبلة العائد للقرن السابع عشر الميلادي ويتكون بناؤه من قسمين قسم شمالي

وهو القصر الصيفي وجنوبي وهو القصر الكبير.. كل من القسمين يتكون من طابقين الأول عبارة عن ساحة مكشوفة وبركة ماء وإسطبلات الخيل والثاني مجموعة كبيرة من الغرف مقسمة إلى جناحين.. جناح خاص بالحريم «الحرملك» وجناح خاص بالرجال «السلاملك».

وحسبما يذكر المؤلف فإنه في جميع الأمثلة يراعي المهندس بدرجة أساسية توفير أجواء اجتماعية مثالية للرجال، فيما النساء منعزلات في الحوش والمطابخ وأدوار السكن الملحقة بعيدا أو في الطابق العلوي. من جهة أخرى فإن الإطلالات على الخارج تتقلص إلى أبعد حد بالنسبة للجميع.

ثم يتطرق لعيبي إلى ما يعتبره مظهرا آخر مما يعزز فكرته، مشيرا إلى أن البيت العربي يوصف من طرف المتخصصين بالاستقلالية وهو تعبير يشير من دون شك إلى اكتفائه الذاتي أي سعيه إلى أن يكون مجتمعا مصغرا منغلقا على نفسه ويمتلك أقل العلائق مع المجتمع الكبير.

ويشير إلى أنه يلاحظ في هذا السياق ثلاث ميزات معمارية أخرى للبيت التقليدي وأسلافه وكلها ذات هدف اجتماعي محدد الأولى هي ارتفاع جدران البيت العربي ليس فقط لحمايته وإبعاده عن شبح اللصوص وإنما وبشكل مستمر من أجل إبعاد قطانه النساء عن العيون.

والثانية ضيق نوافذه العادية لهذا السبب مطلا في غاية الضيق على الخارج المتهم بالشبهة والريبة إذ لم تطل هذه النوافذ على داخل الفناء فحسب كما هو في أحد النماذج التي يشير إليها المؤلف أو حال النوافذ الوهمية في الطوابق المخصصة للنساء في منازل صنعاء.

أما الثالثة فهي علو تلك النوافذ لكي تصير المسافة بين الداخل والخارج في غاية الاتساع ودوما من أجل محاصرة الخارج وترك أقل قدر من الهامش له ومنعه من ولوج حرمة المنزل. وينقل المؤلف عن باحثين آخرين منهم الباحثة سلمى سمر الدملوجي إشارتها إلى أن إحدى وظائف الممرات التي تصل بين الأدوار العليا للأبنية المتجاورة والمتقابلة في شبام - جنوب الجزيرة العربية - هي إتاحة المجال للنسوة

لكي يتنقلن بين المراويح المختلفة (الأدوار المخصصة للنساء) دون أن يتعرضن للانكشاف على الخارج. ثم يتطرق المؤلف إلى ربط خوخة الباب بموضوع كتابه في تأكيد على الفكرة التي يبرهن عليها والمتعلقة بما يسميه الطابع الذكوري للعمارة.

والخوخة هي الباب الثانوي في جسد الباب الرئيسي وهو يرى أن السبب الداعي لإقامة الخوخة حسب رؤية البعض هو اختصار المسافة دون الحاجة إلى فتح الأبواب الكبيرة إلا عند الضرورات وهي تبعث على الطمأنينة والمحافظة على حياة الولاة وذوي الأمر،

غير أن لعيبي يرى أن الجانب الأمني للخوخة ليس سوى عنصر واحد فحسب يقوم بتفسير العمارة بمصطلحات الحماية والسلطة والسياسة، ويتجاهل العنصر الاجتماعي الحاضر في العمارة. ويشير المؤلف إلى أن خوخة الباب مهمومة كذلك لكي تنسجم مع معايير أخلاقية ودينية متعلقة بحرمة العائلة وإبعاد النساء قدر الإمكان عن البروز في الطريق العام.

ويضيف: وفي هذا السياق نرى أن الخوخة تدفع الجسد الفيزيقي بشكل واضح للتكثيف مع وضعيتها: عليك أن تنحني قليلا على الأقل لكي تمر وعليك التثبت من موقع قدمك عند اجتياز عتبتها الأولى وعليك في أحيان كثيرة ودائما وفق قيم دينية صارمة التأكد من أنك تضع القدم اليمنى أولا عند الدخول.

إن الخوخة حسبما يشير لا تسمح ببروز كامل الجسد وتسمح فقط بمشاهدة جزء منه، إنها تمنع المارة من التأمل بقامات النساء وتفاصيل ملامحهن كلها وتسعى إلى منعهن من الجلوس عند عتبات الأبواب وإذا ما فعلن لسبب من الأسباب فإن الإطلالة على العالم ستكون مختصرة جسديا، ستكون المرأة مراقبة مقرفصة في ركن صغير بأقل كشف وأقل ضرر ممكن.

ومن خوخة الباب ينقلنا المؤلف إلى مظهر آخر للعمارة العربية والإسلامية هي المشربية فيشير إلى إنها إطلالة أحادية الجانب على العالم وإنها حب يائس للعالم من طرف واحد، العمارة نفسها في تعبير المشربية تصير تجسيدا لإرادة اجتماعية في الإبقاء على الكائن سجين حلمه وتأملاته، الكائن الأنثوي قابع وحيد خلف المشربيات يراقب المشهد من دون أن يلحظه أحد.

وحسب المؤلف فإنه في المشربيات نلتقي بفكرة التلصص بجميع أبعادها السيكولوجية المحض، فثمة تناقض جلي في عمل هذه المشربيات ففي حين تريد أن تكون عازلا وتضع النساء في موقع يرين من خلاله ولا يراهن أحد فإن تلاصق المشربيات من الأعلى قد يؤدي إلى أكبر احتكاك ممكن حتى فيما يتعلق بالحياة الحميمة للسكان بين الرجال والنساء وإن بطريقة ملتوية.

ثم يشير شاكر لعيبي إلى أن انتشار نمط البنايات ذات الطوابق المتعددة المكونة من شقق سكنية والمصممة لكي تقوم بوظائف محددة أكثر مما تقدم أشكالا وجماليات معمارية بالضرورة قد أحدث تغيرات معمارية اليوم ومس بشكل أو بآخر العلاقات البشرية نفسها بين السكان وجيرانهم من جهة وبين أفراد العائلة الواحدة من جهة أخرى.

وعلى ذلك فوظيفة حوش البيت (والبيت عموما) الهادفة سابقا إلى استبعاد النساء قد انفرط عقدها قليلا أو كثيرا في هذه البنايات العالية حيث لا مفر لهن عند الخروج من الشقة من استخدام المصاعد الكهربائية والاحتكاك بالتالي بسكان البناية الآخرين من النساء والرجال،

وهو ما يدعو المؤلف إلى التأكيد على انكسار وحدة وصرامة الفضاء التقليدي كامل الإغلاق. ففي الأحياء الجديدة في بغداد كما في أبوظبي والقاهرة لم يعد للأطفال من جهتهم في هذا الفضاء المركب أي البناية ذات الطوابق أية مساحة واسعة لنشاطهم الحيوي واللعبي.

ورغم ذلك يخلص المؤلف إلى أن التغيرات المعمارية الحديثة في المنطقة العربية مقامة من أجل حرية الرجل وحده في الحركة وهي تغيرات تعمل وقد وضع المعماري في حسبانه أن يقوم الرجل بمراقبة الفضاء الذي تشتغل فيه معاييره الروحية والأخلاقية أو تلك المفهومات التي يصطنعها كمعايير له ولأسرته.

وفي معرض ذلك يشير إلى الديوانية والتي تعرف بأنها مجلس الرجال ويرتبط هذا النوع من العمارة بالرجال على وجه الخصوص. وحسبه فإنه من الصعب أن تتخيل امرأة تسترخي بطلاقة وانطلاق جسدي على مطارح الديوانية، حتى في دولة مثل اليمن تتم جلسات القات في مجالس رجالية صرفة، فيما النساء يتناولن القات لو فعلن في المطابخ بعيدا عن عالم الرجال.

ألفت عبد الله

*الكتاب:العمارة الذكورية

*الناشر:رياض الريس للكتب والنشر ـ بيروت 2007

*الصفحات: 213 صفحة من القطع الكبير