أجرت لينورا تودارو، المحررة الثقافية بمجلة «فيلج فويس» الأميركية هذه المقابلة مع الروائية التركية أليف شفق، بعد انحسار أصداء الضجة المدوية التي ثارت حول محاكمتها بتهمة الإساءة إلى الهوية التركية بتناول ما يعرف في تركيا بـ «المسألة الأرمنية» .

في أحدث رواياتها، التي تحمل عنوان «وغد استانبول»، وهي المحاكمة التي انتهت بتبرئتها، حيث ألقت الضوء على روايتها المثيرة للجدل وعالمها الروائي بعامة، واهتمامها بالتفاصيل الدقيقة للحياة اليومية للمرأة التركية، وما تعنيه الكتابة الروائية بالنسبة لها. وفيما يلي نص المقابلة:

تقول الروائية التركية أليف شفق في مستهل اللقاء معها في فندق وارويك بنيويورك: «عندما أكتب رواية فإنني أصبح إنسانة أخرى ذات شخصيات عدة، وأغدو مخلوقة جريئة، ثم في حياتي اليومية أعود إلى كوني مخلوقة لها مخاوفها وأسباب قلقها».

وقد سجلت شفق في قائمة نزلاء الفندق تحت اسم مستعار، وألغت جولة الترويج لروايتها «وغد استانبول» التي كان من المقرر أن تمتد عبر ست مدن أميركية، ولم تقرأ مقاطع منها إلا في نيويورك وحدها، وذلك بعد أن أعلنها غلاة المتطرفين الأتراك عدوة للدولة التركية، في ضوء مقاطع من هذه الرواية أشارت إلى القتل الجماعي للأرمن على يد الأتراك في مطالع القرن العشرين.

وضاعف من خطورة الموقف أن التهديدات التي وجهت إلى شفق جاءت بعد تعرض الصحافي حرانت ضنك للاغتيال في 19 يناير الماضي على الخلفية نفسها، وقد كان من أصدقاء شفق المقربين، كما اضطر أورهان باموق، الروائي التركي الفائز بجائزة نوبل للأدب، إلى قطع جولة له في ألمانيا على خلفية تهديدات مماثلة. ومنذ ذلك الحين تعيش شفق من دون أن يفارقها حارس شخصي كأنه ظلها.

ومن بين الستين مثقفاً تركياً الذين قدموا للمحاكمة في قضايا رفعها ضدهم المدعي العام التركي أو شخصيات تركية معروفها بنزعتها القومية المتطرفة، فإن شفق هي الوحيدة التي وجه إليها الاتهام بناء على كلمات وردت على لسان شخصيات في روايتها.

وتتابع رواية «وغد استانبول»، التي غدت من أفضل الكتب مبيعاً في تركيا بصورة فورية، حياة عائلتين، الأولى هي قبيلة تركية تسكن استانبول، والثانية عائلة أرمينية تقيم في كاليفورنيا وأريزونا، حيث تعمل شفق بالتدريس عدة أشهر من كل عام.

ومن خلال قصص هاتين العائلتين تستكشف شفق الموضوع السياسي المحرم المعروف في تركيا باسم «المسألة الأرمينية»، التي تتساءل عما إذا كان ترحيل ما يزيد على مليون أرمني وموتهم على يد الأتراك في عام 1915 هو «قتل جماعي» أم أنه على نحو ما تذهب الحكومة التركية جزء من الحرب العالمية الأولى.

تصف شفق نفسها بأنها بدوية، حرة الروح، امرأة ربتها أم مطلقة تعمل دبلوماسية، مضت بها لتقيم حيث تعمل في أسبانيا والأردن وألمانيا. وهي تقول: «إنني إنسانة تكتب دائماً سواء أكنت في طريقي إلى تركيا أو بعيداً عنها، وعندما أحس بالاختناق فإنني أكتب أو أغادر البلاد».

غير أن المرء عندما ينظر إلى الروائية التركية ذات الخمسة والثلاثين ربيعاً لا يحس بأنها امرأة متمردة، فهي ترتدي ملابس محتشمة، تغلب عليها الألوان القاتمة، وجعلها عيشها تحت ظل التهديد تنتقي كلماتها بدقة، فهي لا تطلق العنان لعواطفها،

ولا تفصح عن شعورها بالغضب الشديد، باستثناء لحظة بدا فيها أن الدمع يترقرق في عينيها، بينما هي تتحدث عن ميلاد طفلتها في سبتمبر 2006 في استانبول خلال المحاكمة التي خرجت مها بحكم بالبراءة من التهم التي نسبت إليها.

وربما كان مصدر هذه اللمحة الدامعة أنها تذكرت أنها كانت تداعب طفلتها حديثة الولادة وهي في فراشها بالمستشفى، بينما كانت تشاهد التلفزيون، الذي كان يعرض مشاهد متظاهرين يحرقون بوسترات تحمل صورتها.

وهي تقول معلقة على ذلك: «كان هناك جدل مشهد يحدث داخل الغرفة في تلك اللحظة، فعلى شاشة التلفزيون كان هناك عنف وظلام، وفي الغرفة يولد أطفال صغار كل لحظة وهناك أمل ونور». وبدورها تستهل رواية «وغد استانبول» على نحو دراماتيكي بميلاد طفلة في ظروف صعبة، حيث لا تنجح محاولة زليخة قزنجي لإجهاض نفسها، وتصبح ابنتها آسيا صلة الوصل بين العائلتين.

وشخصيات شفق النسائية ذات حضور بارز في أعمالها، حيث تدير زليخة صالونا للوشم ولها ثلاث أخوات، إحداهن قارئة للطالع، والثانية مدرسة للتاريخ التركي، أما الثالثة فتعاني من الانفصام. وأمهن «كان يمكن أن تكون إيفان الرهيب في حياة أخرى».

وتنتقل الرواية سريعاً إلى آسيا، وهي شخصية ذات أبعاد دوستويفسكية، فهي فتاة في التاسعة عشرة من عمرها، وهي لا ينقصها التعصب. أما بالنسبة للعائلة الأميركية ذات الأصل الأرمني فنجد فيها الفتاة ذات الذكاء المتألق أرمنوش، والتي تبدو ناطقة بلسان الغضب الأرمني على الأتراك.

وعلى امتداد أكثر من مئة صفحة تعمل شفق ببراعة على التمهيد للصدام بين خطي الحبكة، عندما تكتشف آسيا وأرمنوش تقاطع أسرار عائلتيهما. وعلى امتداد الطريق فإن انطلاق شفق المطرد تتخلله إيماءات شخصياتها إلى النهاية المدوية.

على امتداد مسيرة الرواية تبدي شفق اهتماماً فائقاً بتفاصيل الحياة اليومية للنساء، وبصفة خاصة الأطعمة التي يتناولنها. وهي تقول في هذا الصدد: «يدهشني على الدوام كيف أن الأطباق الشائعة تتجاوز الحدود الفاصلة بين الأمم».

وعلى المائدة يدفع مذاق أكلة البيلاف المؤلفة من الأرز واللحم والبهارات آسيا وأرمنوش إلى إدراك أن عائلتيهما تشتركان في تاريخ واحد. والحلوى التركية المعروفة باسم «عاشوراء» تحدد بنية الكتاب، حيث إن مكوناتها تشكل الفصول وتلعب دوراً في خاتمة الرواية.

بينما يثير الطعام الذكريات، فإن مرض الزهايمر يمحوها، ويرد عدد من أجمل مقاطع الرواية من حيث إبداع الكتابة النثرية في الرواية في معرض تصوير شخصية الجدة البالغة من العمر ستة وتسعين عاماً، والتي تصاب بهذا المرض» أصبحت كلمات الصلاة التي يتعين عليها أن ترددها فجأة متشابكة معاً في سلسلة متطاولة من الحروف ومضت بعيداً متتابعة، شأن يسروعة سوداء مشعرة لها قوائم أكثر من أن تحصى».

ويثير مرض الزهايمر السؤال الذي يدور حول الكيفية التي يتذكر بها المرء. وهو نفسه السؤال الكامن خلف المسألة الأرمينية. هنا تتساءل أليف شفق: «إذا كان الماضي حزيناً فهل تود أن تحيط به علماً؟». وتتباين شخصياتها في معرض الرد على هذا التساؤل، فبعضها يرغب في أن يعرف الماضي رغم كونه حزينا، والبعض الآخر لا يرعب في معرفة ماض على هذه الشاكلة.

وتقول العمة بانو، في غمار سعيها وراء إجابات فيما يتعلق بالمسألة الأرمنية: «إما أن تمنحني هبة الجهل، أو تعطيني قوة تحمل المعرفة. ولكن لا تجعلني عاجزة ومطلعة في آن». وتضيف شفق أنها خلال المحاكمة عكفت على قراءة رواية «دون كيخوته».

وفي ضوء ظروفها فإن ذلك يقدم مقارنة مناسبة، فرواية «دون كيخوته» ورواية «وغد استانبول» تشتركان في الميل إلى السخرية من النزعة القومية، وتستكشفان أخلاقيات الخديعة. وبينما تتحرك «دون كيخوته» بين الفارس والفلسفة، بين المغامرات الحقيقية والمغامرات المتخيلة، فإن شفق تفعل الشيء نفسه رغماً عنها، حيث تنتقل من محاكمة الحياة الحقيقية لشخصيات متخيلة إلى تأمل متخيل في الموت والحياة الجديدة.

محطات في حياة شفيق

* ولدت الروائية التركية أليف شفق في ستراسبورغ بفرنسا في عام 1971، وأمضت طفولتها وصباها في تركيا واسبانيا. وقد تخصصت في دراسة العلاقات الدولية في الجامعة الفنية للشرق الأوسط، وحصلت على الماجستير في «الجنوسة » ودراسات المرأة وعلى الدكتوراه من قسم العلوم السياسية بالجامعة نفسها.

وعملت بتدريس التاريخ العثماني والكتابات النسائية وتركيا والهويات الثقافية في جامعة بيلجي باستنابول وعملت باحثة زائرة في جامعة ميتشيغان بالولايات المتحدة، وهي حالياً أستاذة مساعدة في قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة أريزونا.

* تعد شفق ناشطة بارزة في الحياة العامة التركية، وهي تساهم بمقالات يومية وشهرية في العديد من المطبوعات التركية.

* أصدرت روايتها الأولى وهي في السابعة والعشرين من عمرها بعنوان «الصوفي» التي صدرت منها ثماني طبعات ونالت عنها جائزة الرومي التي تمنح لأفضل عمل أدبي ـ صوفي، وأعقبتها برواية «مرايا المدينة» التي صدرت منها سبع طبعات،

ثم رواية «النظرة» التي صدرت منها ثماني طبعات وأحدث رواياتها «وغد استانبول» وهي ثاني رواية تكتبها بالانجليزية، وظلت تتصدر قوائم أفضل الكتب مبيعاً في تركيا خمسة أشهر متوالية، وبيع منها هناك أكثر من مئة ألف نسخة حتى الآن.