مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور فيليب سيناك أستاذ تاريخ القرون الوسطى في جامعة تولوز بجنوب فرنسا. وهو مختص أساساً بمنطقة المغرب الإسلامي وعلم الآثار العربية. وكان قد نشر مقالات أكاديمية عديدة عن العلاقات بين الغرب المسيحي والإسلام قبل القرون الوسطى. كما نشر عدة كتب مهمة نذكر من بينها: تاريخ الغرب المسيحي في مواجهة الإسلام. صورة الآخر. ثم الحدود والبشر بين القرنين الثامن والثاني عشر... الخ.

في هذا الكتاب الجديد يقدم المؤلف قصة حياة إحدى أهم الشخصيات العربية في الأندلس: محمد بن أبي عامر الملقب بالمنصور ومعلوم أنه شغل البشرية الإسلامية والمسيحية على مفترق الألفية الأولى يقول المؤلف منذ البداية ما معناه: ليس من السهل أن نكتب قصة حياة شخص عاش ومات قبل ألف سنة من وقتنا هذا فالمعلومات الموثوقة عنه قليلة عموما، وأفضل مصدر يمكن أن نعتمد عليه هو من دون شك كتاب المؤرخ الأندلسي ابن حيان الذي مات عام 1076 أي بعد ثلاثة أرباع القرن من موت المنصور.

ولكن بما أن والد ابن حيان كان وزيرا لديه فإنه يقدم لنا معلومات ثمينة عنه من المعلوم أن المنصور كان قد اشتهر بجهاده وغزواته لأوروبا المسيحية، وقد أرعبهم جميعا بسبب قوة جيشه وجرأته على الاقتحام وشجاعته في ساح الوغى، وكان القائد العربي الوحيد الذي استطاع أن يصل إلى برشلونة فاتحا. وبعدئذ أصبحت جميع المناطق المسيحية شمال اسبانيا تخشاه وتشعر بالرعب عندما يذكر اسمه، وبالإضافة إلى ذلك فقد أسس نظاما صارما في الداخل وفرض هيبته المرعبة على الجميع.

نعم لقد قدم لنا المؤرخ ابن حيان معلومات كثيرة عن هذا الرجل الذي ملأ اسمه الدنيا وشغل الناس، وكان ذلك في كتاب شهير بعنوان: أخبار الدولة العامرية المنسوخة بالفتنة البربرية. والمقصود بذلك أن البربر هم الذين قضوا على سلالته بعد أن سيطروا على قرطبة حوالي عام 1009 وبالتالي فكلمة منسوخة تعني هنا ملغاة.

لكن من هو محمد بن أبي عامر؟ على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلا: يقول لنا الفيلسوف الأندلسي الشهير ابن حزم بأنه ولد عام 938 م في عائلة يمنية معروفة، وكان أحد أجداده قد ساهم في فتح الأندلس مع طارق بن زياد 711 م.

وقد عاش في فترة ازدهار الخلافة الأموية بالأندلس، ففي نهايات القرن العاشر الميلادي كانت قرطبة قد أصبحت أكبر عاصمة في أوروبا في عهد الخليفة الأموي الكبير عبد الرحمن الثالث الملقب بالناصر، ولكن بعد موت هذا الخليفة الكبير ثم الحكم الثاني الذي خلفه لم يعد هناك أحد لكي يخلفهما فعلا، فالوريث أي هشام الثاني كان صغيرا في السن، وقد استغل المنصور هذه الفرصة السانحة وقفز على سدة السلطة.

والواقع أنه كان يتميز بعدة صفات أساسية أتاحت له قيادة البلاد وزعامتها طيلة ربع قرن على الأقل، فقد كان ضليعا في العلوم الدينية والفقهية، ومحنكا في الشؤون الدنيوية والسياسية، وعلى الرغم من قوته وجبروته إلا أنه لم يقتل الخليفة الشرعي ولم يحل محله وإنما شكل سلطة موازية له، وهكذا ظلت الخلافة للأمويين وإن بشكل رسمي أو شكلي فقط، وأصبحت السلطة الفعلية في يد وزيرهم، المنصور. وقد حصل شيء مشابه لذلك في بغداد عندما استولى البويهيون على السلطة الفعلية وتركوا المناصب الشكلية والتشريفية للخليفة العباسي الذي لم يعد له من السلطة إلا الاسم.

لكي يشرح المؤلف كيفية صعود محمد بن أبي عامر إلى سدة السلطة وما حصل في عهده من أحداث جسام فإنه يقسم كتابه إلى تسعة فصول مع مقدمة وخاتمة. الفصل الأول يتحدث عن بدايات محمد بن أبي عامر، أي عن ولادته، وطفولته، وتعليمه، وارتقائه في سلم الوظائف حتى وصل إلى مرتبة الحاجب: أي الوزير بحسب لغة ذلك الزمان.

كما ويتحدث المؤلف في الفصل الأول عن إرسال الخليفة الأموي له إلى المغرب الأقصى من أجل الدعاية له في صفوف القبائل البربرية وتجنيد المجاهدين هناك، وقد نجح في مهمته المغربية أفضل نجاح على ما يبدو. ولذلك فإن مرتبته في سلم الحكم ارتفعت بعد عودته إلى قرطبة: عاصمة الأندلس الزاهرة.

وأما الفصل الثاني من الكتاب فمكرس لدراسة كيفية وصوله إلى السلطة. والواقع أن العملية لم تكن سهلة ولا ميسورة، فقد اضطر الرجل إلى تصفية منافسيه وخصومه الواحد بعد الآخر، ويؤخذ عليه هنا أنه كان قاسيا لا يرحم، فلم يتردد عن قتل الوزير السابق لكي يحل محله، نقول ذلك على الرغم من أفضال هذا الوزير السابق عليه ومساعدته له في البداية عندما لم يكن شيئا يذكر. وبالتالي فقد انطبقت عليه تلك المقولة الشهيرة: اتق شر من أحسنت إليه.

ثم يتحدث المؤلف في الفصل الثالث من الكتاب عن كيفية بنائه للمدينة الزاهرة في ضواحي قرطبة لكي تكون مقر حكمه وبداية عهد سلالته. كما يذكر لنا أسماء الأدباء والشعراء الأندلسيين الذين تحلقوا حوله لكي يمدحوه ويمجدوا فتوحاته ويحظوا بأعطياته. ومن بين هؤلاء المادحين والمقرظين نذكر: أبو عمر يوسف ابن هارون القرطبي، وابن شهيد، وأبو الفرج، وابن دراج القسطلي، الخ. ولكن يؤخذ عليه اضطهاده للفلاسفة والمفكرين الأحرار في قرطبة، فقد سجن بعضهم، وقتل البعض الآخر، ولم يكن متسامحا مع من يهجونه أو ينقلب عليه وإنما كان عذابه وخيما.

ولكن أليست هذه هي حالة معظم السلاطين والحكام في القرون الوسطى؟ وهل ينبغي أن يدهشنا ذلك؟

وأما الفصل الرابع من الكتاب فمكرس لدراسة النظام الدكتاتوري الذي فرضه المنصور على الأندلس، هذا في حين أن الفصل الخامس يتحدث عن علاقته بالمغرب. وفي الفصل السادس يتحدث المؤلف عن الجهاد العامري، أي عن الغزوات والفتوحات التي قام بها محمد بن أبي عامر والتي دفعت إلى خلع لقب المنصور عليه، فلم يهزم في أي معركة ضد المسيحيين.

أما الفصل السابع من الكتاب فمكرس لدراسة أفول هذه السلالة الحاكمة التي شكلها: أي السلالة العامرية. فالواقع أنها لم تعش إلا بضع سنوات بعد موته، وهذا شيء مدهش لأن الشخصيات الكبرى تؤسس عادة سلالات ضخمة تظل بعدها لفترة طويلة، ولكن يبدو أن أولاده الذين ورثوه على الحكم لم يكونوا عباقرة مثله فأفلتت الأمور من أيديهم وانهارت سلطتهم وسلالتهم بسرعة.

أما الفصل الثامن من الكتاب فمكرس لدراسة الصورة التي شكلها عنه المؤرخون الاسبان قديما وحديثا. وهي صورة سلبية بالطبع لأنه فتح بلادهم ودمر قلاعهم وهيمن على أمرائهم. ولذلك لقبوه بالطاعون. وهذا أكبر دليل على مدى الخطورة التي كان يشكلها على العالم المسيحي آنذاك. أما الفصل التاسع والأخير فيتحدث عن النهضة العامرية، والمقصود بذلك تجديد صورة هذا القائد التاريخي في عصرنا الراهن. ثم يختتم المؤلف كتابه بالتحدث عن أسباب انهيار الخلافة الأموية في الأندلس.

وهو يعيد ذلك إلى أسباب سياسية، واقتصادية، واجتماعية وبالأخص عرقية: أي الصراع بين العرب والبربر ثم انقسام الأندلس إلى عدة مناطق وحكومات متصارعة. وهو ما يعرف باسم حكم أمراء الطوائف. فكل أمير عربي أو بربري مسلم أصبح مشغولا بمنافسة أو حتى محاربة أمير عربي آخر.

وقد انتهز الاسبان هذه الفرصة التاريخية للانقضاض على المسلمين وتدمير دولتهم المجيدة في الأندلس.

وعلى هذا النحو انهارت الأندلس العربية الإسلامية بعد أن أشعت على العالم لمدة ثمانية قرون تقريبا. ولا ريب في أن الكتاب يلقي إضاءات أكاديمية عميقة على كيفية حصول هذا الانهيار التاريخي وأسبابه.

*الكتاب:المنصور، محمد بن أبي عامر

*الناشر:بيران ـ باريس 2006

*الصفحات :246 صفحة من القطع الكبير

Al-Mansour

Philippe Senac

Perrin- Paris 2006

p. 246