مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب فتحي العشري، قدم من قبل أكثر من ثلاثين كتاباً مؤلفاً ومترجماً في السينما، والمسرح والأدب، والفنون التشكيلية ومنها: «مفكرون لكل العصور»، «سينما نعم، سينما لا»، «دقات المسرح» و «ألوان العصر»، كما شارك في العديد من المهرجانات الدولية والعربية.

يتضمن كتاب نجيب محفوظ «حول الشباب والحرية » على العديد من المقالات التي نشرت بجريدة الأهرام في الفترة «من 24 مايو 1976 حتى 26 ديسمبر 1985»، والتي يتناول فيها نجيب محفوظ العديد من القضايا الوطنية والقومية والاجتماعية وبعض المشكلات اليومية، التي طرأت على الساحة في ذلك الحين واستحوذت على اهتمام العامة، والخاصة من قراء، ومثقفين، ومتخصصين، فأديبنا كعهده دوماً لا ينأي بنفسه أبداً عن قضايا وطنه ومشكلات مجتمعه، وإنما يحرص دائماً على أن يشارك في الحوار والجدل، ويلقي الكتاب أيضاً الضوء على حياة نجيب محفوظ وأعماله، وأهم الكتب العربية والأجنبية التي صدرت حول حياته وأعماله. ويشير الكتاب إلى أول مقالات نجيب محفوظ رداً على تقرير سري لرئيس وزراء بريطانيا «كامبل بينزمان» يقول فيه : لسنا في حاجة إلى تقرير سري ليذكرنا بمغزى الوحدة العربية، أو نتيجتها الحتمية في خلق أمة قوية، أو قوة عالمية، ولكننا في حاجة إلى من يذكرنا كل يوم بأن عدونا يروم تشتيت قوانا في حروب مستمرة والغريب أننا لا نكتفي بما رسم العدو ودبر، ولكننا نعاونه على تحقيق هدفه بخلافاتنا المتواصلة واستنزاف قوانا في نزاعات إقليمية حتى أوشك الفرد منا أن يكفر بهذه الوحدة، وييأس منها.

ولتحقيق هذه الوحدة العربية وخلق أمة قوية الأمر يحتاج إلى أساسين جوهريين هما، أن تكون هناك خطة شاملة لجميع الأوطان العربية، يشترك في إعدادها جميع الخبراء العرب وبعض بيوت الخبرة العالمية تستهدف استصلاح كل شبر من الأرض والنهوض بالصناعة في جميع مجالاتها، وإعداد مراكز البحث العلمي والثقافي، بذلك نبعث الحضارة في الوطن العربي، وتضمن بلاد البترول تجديد ثرواتها قبل نضوب الطاقة المخزونة، وأن يكون هناك إيمان راسخ كقوة دافعة للعمل يعتمد على قيمنا الروحية الخالدة، إسلامية ومسيحية، ويطعم بتجارب الأمم الحديثة في التقدم، وإقامة نيران العدالة الاجتماعية وليتنافس زعماء العرب في تحقيق هذا الهدف بدلاً من التخاصم، والتنافس في الأباطيل.

ويواصل الكتاب في عرض مقالات الأديب محفوظ، فيعرض مقالة هل للشباب مشكلة ؟ يدعونا فيها محفوظ أن نتصور أن الطفل في بلادنا يحظى في بيته بحنان أبويه، وأنه يجد بعد ذلك في مدرسته جواً صحياً وتعليماً مفيداً، وتربية رشيدة دينية ووطنية، ولنتصور أيضاً أنه يوجه تبعاً لاستعداده، وأنه يؤهل بحق لحياة عملية ناجحة في سبيل حرفة أو مهنة، وأن المستقبل ينبسط أمامه واعداً بالنجاح على قدر اجتهاده، وبإشباع حاجاته الأساسية كالزواج من النطاق المتاح من إمكاناته ولنتصور أيضاً أن نشركه في مسؤوليات الرأي والحوار ومسؤوليات البيت والحياة .

ويعود محفوظ للحديث عن العرب فيقول : ان العرب يمرون بمحنة، ويواجهون تحدياً ضارياً، وهو موقف جرح أليم، ولكنه ليس أسوأ المواقف إذا قيس بما امتحنوا به في ماضيهم البعيد والقريب، والآن هم مطالبون بإعادة النظر في أنفسهم ورؤيتهم للحياة لمواصلة مسيرتهم، وتحقيق ذواتهم ولذلك فعليهم أن يتحرروا من الأوصياء الوطنيين كما تحرروا من الأوصياء الأجانب، وأن يتحملوا مصيرهم بأنفسهم، وأخيراً عليهم أن يستثمروا فائض أموالهم في بلادهم، ليخلقوا من أشتاتها المتهافتة وحدة اقتصادية حضارية، تقدر على المشاركة في العصر الحديث، فليفعلوا ذلك، وليفعلوه بلا تردد أو إبطاء، أو فليذهبوا بغير سلام ليستخلف الله على أرضه من هم خير منهم.

وفي مقالة «المجرم الحقيقي» يؤكد الأديب أن الفساد ظاهرة اجتماعية لا تخلو منه بيئة، يقترف خفية، وما إن تلمحه عين القانون حتى يضبط في مكمنه، وينال ما يستحق من العقاب، أما إذا تعرض القانون نفسه للعلل فهان أو ضعف، فالفساد ينطلق من عقاله كالوحش دون وازع أو رادع، ولا يهون القانون كما يهون في ظل حكم الفرد المطلق، أو الدكتاتورية،

ونتيجة لذلك فإن أهل الخطوة والمقربين يفتح أمامهم مجال الإغراء بلا حدود، وتمتحن طبيعتهم البشرية امتحاناً قاسياً قل أن ينجو من مهالكه أحد، فإذا استجابوا للإغراء سقطوا بلا ضابط، وتمادوا بلا وازع، فأصبح الفساد على أيديهم دولة في الدولة ولو برئ الحاكم مما يفعلون، ويجب أن نستخلص من مآسينا دروسها لننتفع بها، وأن نقتنع بأنه آن الأوان لإعادة النظر في قوانيننا و لتنقيتها من أي شائبة يمكن أن تكون مدخلاً لتزييف إرادة الأمة ومصادرة حقها المشروع في أن تكون مصدر السلطات والرقيب عليها.

وتأتي مقالة أخرى حول التبرع لسداد الديون، وهي دعوة للشعب في الإسلام في واجب لم يسبق له الإسلام فيه، على حين أن الشعب هو الذي يقوم بكل كبيرة وصغيرة في النشاط العام، الشعب هو الذي ينتج،وهو الذي يخدم وهو يمول بقوة العمل، وبالمال الذي يتحصل من الضرائب بشتى أنواعها، ولذلك قبل أن نفكر في التبرع يجب أن نكون قد أحكمنا رقابتنا الضريبية على جميع الخاضعين لها،

بحيث لا يتهرب أحد أو يعمل في غفلة منها، إننا نبارك الدعوة، ولكننا نطالب بأن تسبق بتقويم الأداء وتطهيره من الأدوار، وإلزام من لا يريد أن يلتزم بواجبه هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فمنها تكون حصيلة التبرع فلمن تكون أكثر من نقطة في بحر الديون، ولذلك فلعله من الأفضل أن توجه إلى ميدان الإنتاج لتدور في عجلته المكرسة للتنمية الاقتصادية .

وفي مقالة «الهدف الأول» يذكر الأديب أن خطة التنمية الشاملة هي أهم أمانة نحملها في هذه الفترة من تاريخنا، هي مخرجنا من أزمة معقدة متشعبة، ومدخلنا إلى الانطلاق والحضارة، وهي صندوق حاو لهمومنا جميعا : اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، ينتظم مفردات مختلفة ومتكاملة في آن واحد : زراعية، صناعية، تعليمية، صحية وترفيهية فلا يجوز في هذه الفترة الحرجة أن نتسامح مع الإهمال، أو التراخي والتسيب أو النزاهة والأمانة، ناصبين من أنفسنا نقاداً لأنفسنا قبل أن ينقدنا الآخرون.

ويجب أن نقرر ما هو مطلوب منا كي نتحرر من الإعانات والقروض، مدخلين في حسابنا تكاملنا مع السودان، وواجبات الشباب في شتى مراحله التعليمية والعلمية، والتضحيات الواجبة على كل مواطن على قدر طاقته، فلا عيب أن نعتبر أنفسنا في مأزق، وما أجدر الذين يعانون المآزق بالتضامن والتعاون والإخلاص في العمل، والارتفاع بأفكارهم وعواطفهم إلى مستوى التحديات العنيدة، فالتحديات تتجدد في رحابها الحضارات أو تبيد، وعلينا أن نختار الوجود ولا بديل عن ذلك.

ويتطرق محفوظ إلى خطر السموم البيضاء في مقالة بعنوان «هل جزاء القتل إلا القتل » فيقول: يبدو أن خطر السموم البيضاء قد استفحل لدرجة اقتضت التصدي له على المستوى القومي، وهو خطر داهم، مدمر، وذو عواقب وخيمة، سريعة قد يقضي على زهرة شبابنا، وقوانا العاملة، وينقض على نهضتنا بنكسة متهورة إلى جانبها نكسات الحروب، والاقتصاد، والرجعية،

ولا شك أن مقاومة السموم تقتضي سياسة تقوم دعائمها على أصول تربوية وسياسية، وثقافية، وإعلامية، وتتطلب عملاً دؤوباً طويل المدى، غير أن مواجهة الخطر الداهم تحتم اتخاذ اجراءات عاجلة غير قابلة للتأجيل، ونأمل أيضاً في ألا تأخذنا بالمجرمين رحمة، فيجب أن يكون الإعدام جزاء المهرب والموزع، وأن يتم دون إبطاء للأجر والعبرة في كلمة : إما القتال أو الانتحار والله في عون المرء ما دام المرء في عون أخيه.

*الكتاب: نجيب محفوظ ـ حول الشباب والحرية

*الناشر:مكتبة الأسرة - القاهرة 2006

*الصفحات:248 صفحة من القطع الكبير

أيمن رفعت