ينطلق صقر أبو فخر في كتابه الجديد «الدين والدهماء والدم - العرب واستعصاء الحداثة» من حالة الإحباط التي تعصف بالوضع العربي، ليقدم ما يشبه جردة حساب، تتضمن مراجعة نقدية حارة، وحادة، لمظاهر وقضايا عديدة تسيدت دنيا غالبية العرب وأفكارهم، وأثرت على سلوكياتهم، وتحكمت في حاضرهم، بالرغم من أن بعضها يرجع إلى مئات السنين التي خلت،
لكنه عاد مع أفول مرحلة الأحلام الكبرى والسرديات والغائيات، ليتجسد في أراء وأقاويل فقهاء لا يفقهون في شيء: لا في الدين ولا في سواه، وأنظمة حكم عجزت عن تحقيق أي إنجاز لشعوبها سوى أنها مارست الاستبداد وعممته، فأحكمت سيطرتها على أفواه العباد عبر أجهزة أمنية تعددت صورها ومسمياتها وفروعها، وتمادت في التصرف في مقدرات البلاد وثرواتها لحسابها الخاص وحساب من يدور في فلكها من المقربين و(الفئات المافيوية والأزلام). إنها قضايا تبدأ بالإصلاح، وتمتد إلى العلمانية والديمقراطية، بوصفها حقلي محايثة للكتاب، ينتصر لهما صقر أبو فخر كسبيلين للخلاص والانعتاق، ولا تنتهي عند الشورى والدولة الدينية والأصوليات الحجاب والسفور، وسائر قضايا المرأة والتحرر وآثار العولمة والجنس والأدب والتاريخ والأسطورة والخرافة والجسد، لكنها تركن في النهاية إلى دفء بيروت وحاناتها ومقاهيها وشوارعها وأنوارها التي تمرّ بمرحلة خفوت في أيامنا هذه.
ويفنّد صقر أبو فخر العديد من الآراء الشائعة، من مثل الكلام الرائج حول أن ظهور الحضارة الغربية ونموها وتقدمها ما كان ممكناً لولا الحضارة العربية التي أمدتها بالكثير من عناصر انبثاقها وديمومتها، مع إقراره بأن العرب ساهموا مساهمة كبرى في الحضارة الإنسانية، مثلهم في ذلك مثل الصينيين والهنود والفرس وسواهم، لكن السؤال يدور حول دورهم التوليدي في نشوء الحضارة المعاصرة، التي يعتبر أنها قامت على ثلاث ركائز جوهرية، هي: المطبعة والبوصلة والبارود، وأتت من خارج أوروبا، وتضافرت وتفاعلت معاً فيها لتطوّر حضارة جديدة.
إن ما يثير حفيظته هو سيل الفتاوى والآراء و المواقف والمقولات، وخاصة تلك التي تفسر الانحطاط بأسباب غيبية، إذ طالما رأى المسلمون أن العلة في انحطاط العالم الإسلامي تكمن في الابتعاد عن الدين، مشيراً إلى الدور الحاسم الذي لعبته العوامل الجغرافية والجيوسياسية في تقهقر المنطقة العربية، لكنه يعزو الأسباب إلى «العقل العربي»، وذلك بالمقايسة والاستناد إلى العقل الغربي، ليدخل ضمن جوقة نقاد العقل العربي مع علمه بضرورة التمييز ما بين من استقال عقلهم وارتاحوا إلى النقل وبين من حاولوا استخدامه لنقد الأوضاع أو لاتخاذ موقف سلبي منها.
إن العقل العربي لا يتحمّل قضية التخلف، بوصفه لا يشكل كلاً أو واحداً أو كائناً توجه السهام نحوه، فالعقل يُعرف بتجليات وتمظهرات عديدة، ولا يختص بجنس أو قوم قدر اختصاصه بالفرد الإنساني ومحيطه، وليس العرب من وصف العقل بأنه جوهر متعال، بل العديد من فلاسفة الميتافيزيقا الذين ينتمون إلى مختلف الأعراق والشعوب. وإن كان سؤال التجدد والحداثة مطروحاً حتى يومنا هذا، فإن أول من وقف ضده، ومازال يقف ضده، هو صاحب الخطاب الذي ينزع نحو تأبيد الحاضر والاستناد إلى الماضي الذهبي، أي رجلي السياسة والدين: الحاكم والفقيه.
واعتقد أن أهم أسباب التخلف تكمن في التحالف المعلن أحياناً، وغير المعلن في أحيان أخرى، ما بين المؤسستين: السياسية الحاكمة والقابضة على السلطة وأجهزة الدولة، والدينية التي تتسيد المجال الاجتماعي وتتحكم في عقول العامة من الناس، والصراع الدائم في بلداننا هو الصراع ما بين العقل النقدي، الحر، المستقل، البعيد عن سراديب الماضي، والمتطلع إلى مستقبل أفضل، وبين العقل المرتهن إلى التقليد والنقل وتأبيد الحاضر وتمجيد الماضي.
وقد انشغل العديد من المفكرين العرب، منذ القرن السادس عشر، بسؤال: لماذا تأخر العرب وتقدم غيرهم؟ وبقي المتنورون العرب يطمحون من دون جدوى إلى تحول تاريخي عميق يموقع بلدانهم وناسها في حركة التاريخ الإنسانية، ويمكّنهم من تحقيق المصالحة مع التاريخ، ومن صنع القرار والمبادرة، والإسهام في الحضارة الكونية كعنصر فاعل لا عنصر منفعل. لكن النهضة بقيت كاسم، اكتسب فاعليته بوصفه المخلص والمنقذ من حالة الفوات العربي، وحضرت دون الاكتراث بحقيقة وجوده أو عدمها.
وسميت نهضة تيمناً، ومقايسة، بالنهضة الأوروبية المتحققة الوجود. وعليه يمتلك سؤال أبو فخر وجاهة حين يطول أحد رموز النهضة بالقول: هل كان محمد عبده إصلاحياً ومجدداً أم مجرد فقيه وصاحب فتاوى جريئة؟ ذلك أن دعوته الإصلاحية كانت تعاني نوعاً من عدم الاتساق، حين لجأ إلى التركيب ما بين معطيات متصلة بمجالات من الفكر الإسلامي الوسيط وبين معطيات تتصل بمجال معرفي مخالف، فأسهمت دعوته في إنتاج نصوص أراد من خلالها ردّ الاعتبار للذات الإسلامية المحاصرة تاريخياً بصعود تاريخ جديد،
وهي ذات لا تملك غير عدّة تراثية محافظة، يسمها التكرار بسمات مغلقة، فلم يجد غير طريق العمل التوافقي، أملاً في إيجاد سبل السماح بإصلاح العقائد السائدة، بشكل تتكيف فيه مع المعطيات التي استجدت في عصره المعرفي، ومعطيات واقع جديد، منفتح على أزمنة جديدة، بعد أن عصفت به تغيرات وثورات في العلم والتقنية والفلسفة والسياسة والاجتماع.
وقد ظهرت، مع التأثر بالحداثة، مفاهيم جديدة في الحياة، كما تغيرت العديد من مظاهرها القديمة، وعارض الفقهاء ومعظم رجال الدين هذا التجدد وواجهوا أي تغيّر يطرأ، وبقيت النظرة الدينية إلى الإنسان نظرة قديمة، تستند إلى النص التراثي: النص المقدس الذي يكبل الفرد بأغلال تاريخية واجتماعية فضلاً عن الدينية.
ومع عودة الأصوليات والحركات التفكيرية روّج لمفاهيم وشعارات تجعل فهمها للدين الإسلامي هو الحل الذي يأتي بالخلاص المنشود. ولا شك في أن فشل الأنظمة الحاكمة واستبدادها أدّيا إلى حالات الضعف والانهيار والخراب في واقع العرب والمسلمين ودينهم، فجعلتهم ينشدون الخلاص، بالرغم من اتساع قاعدة القنوط واليأس. وظهرت الأصوليات الإسلامية التي تتمثل «دين الإسلام» بوجه من الوجوه، وتجعله مبدأ لإيديولوجيا أخروية، بعد أن فقدت الإيديولوجيا القومية العربية فاعليتها،
وكذلك الإيديولوجيا الاشتراكية والشيوعية، فيما تحول العلمانيون المتمسكون بإزاحة دور الدين من الشؤون العامة للمجتمع والدولة إلى قلة قليلة، وكذلك هي حال الليبراليين الذين يرون أن الليبرالية عليها الاقتران بالديمقراطية.ولا شك في أن تساؤل أبو فخر: هل دولة الخلافة أفضل أم الدولة المدنية المعاصرة؟ يقوده إلى اعتبار الدولة الدينية لا معنى لها في عصرنا الحالي، وحتى مفهوم الدولة ووظيفتها وشؤونها ومهماتها لم يعرفه المسلمون إلا حين أن بدأ الصراع على السلطة بعد وفاة الرسول.
وتؤكد الحوادث التاريخية أن الخلافة ليست مسألة دينية بل سياسية، أي اختيار بشري بامتياز. ويشهد التاريخ العربي الإسلامي على أن «دولة المدينة» الأولى قامت على أساس من تعاقد اجتماعي حقيقي وبإرادة طوعية حرّة، من خلال بيعة العقبة الثانية. وأعطت تلك الدولة حق المواطنة لجميع سكانها دون تفرقة بينهم في لون أو جنس أو دين أو لغة، أي أعطتهم هذا الحق بالرغم من أنهم كانوا يختلفون من الناحية الدينية، وبالتالي لم يفرق الرسول بين مواطني دولة المدينة الأولى، مسلمين وغير مسلمين.
*الكتاب:الدين والدهماء والدم العرب واستعصاء الحداثة
*الناشر:المؤسسة العربية للدراسات بيروت 2007
*الصفحات:287 صفحة من القطع الكبير
عمر كوش

