صاحب هذا الكتاب هو السياسي اللبناني المخضرم محسن دلول، وفضلا عن عمله الطويل في مهنة الصحافة فقد عين وزيرا للزراعة في عدد من الحكومات اللبنانية ووزيرا للدفاع في حكومات رفيق الحريري، كما كلف على الصعيد السياسي بعدة مهام حيوية بشأن المصير اللبناني تمحورت حول الحوار مع ميشيل عون حول اتفاق الطائف وإنهاء التمرد وانضمامه إلى الشرعية، وكذلك الحوار مع الأحزاب والميليشيات اللبنانية حول جمع السلاح.
وفي هذا الكتاب الذي قام على إعداد مادته يوسف مرتضى يصحبنا دلول في جولة على تطورات الساحة اللبنانية وما يتعلق بها مقدما من خلالها رؤاه للخروج من أزمة بلاده معتمدا في ذلك على خبرته على مدى فترة غير قصيرة كان خلالها قريبا من كرسي الحكم
في عبارة محددة يقرر دلول أن مأساة لبنان هي عدم تسمية الاشياء بأسمائها الحقيقية وأنه دائما ما يغرق اللبنانيون في الأمور الصغيرة ولا يتطلعون إلى الكبيرة فيستغرقون، حسبه، في توافه الأشياء ولا يحاولون الاقتراب من القضايا الجوهرية.. لأننا مع السهل والسريع مهما كانت خطورته أو سلبياته. ولعل ذلك وراء تأكيده: هذا ما يدفعنا إلى القول بضرورة تنقية السياسة من كل الشوائب وإبعادها عن منزلقات التدرن والترهل وأن نتصارح بالحقائق بدون مواربة.
بعد ذلك وفي إطار تقديمه لتفاصيل رؤاه بشأن قضايا الداخل اللبناني يقدم دلول شهادته عن رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري فيقول انه، على ما يرى، كان رجلا من نسيج خاص لا يمكن وصفه بأنه رجل تاريخي فحسب ولا السياسي الفذ فحسب ولا القائد المتفوق فقط، إنه عجينه عجيبة من كل هذه الصفات والمزايا.
كان الحريري يمتلك فكرا متقدما وعقلا نيرا ذا قدرة هائلة على استنباط قوانين التطور والارتقاء وتركيب صيغها ومعادلاتها. لقد جاء الحريري، حسب دلول، كالعاصفة وبقي أسطورة في قلوب الناس وعقولهم وفي اعتقاده أنه ليس من انسان جزيرة قائمة بذاتها فكل إنسان جزء من الكل وأن الصراع هو بين جبهة تحرير الأرض والإنسان والمستقبل وبين أهل الظلامية الليبرالية المتزمتة.
ويدعونا دلول في حديثه عن مستقبل لبنان الأمر الذي يشغله ويؤرقه إلى التحول به من حالة السلطة والمزرعة إلى دولة المؤسسات، مشيرا إلى أن لبنان أمام مفترق خطر بين أن يتحول إلى مشروع دولة ديمقراطية حرة سيدة مستقلة تعطى قوة المثال لكل دول المنطقة وللعالم أجمع وبين أن يتحول إلى قنبلة متفجرة تطيح بعده الرسالي وقيمه الحضارية.
ومن المشهد العراقي يحذرنا داعيا ان نضعه في الاعتبار عند قرءاة الآتي من تطورات لبنان والمنطقة، فحسبما يشير ربما يتفاءل البعض بطبيعة تعدد الطوائف في كل من خندق الحكم والمعارضة في لبنان، وبعدم وجود انقسام شبيه بحال لبنان عام 1975 بين منطقتين شرقية وغربية بألوان طائفية حادة. ومع إقراره بأن هذا صحيح إلا أنه يشير إلى أنه من الصحيح أيضا أن الحرب اختتمت بصراعات مسلحة داخل كل منطقة بين ميليشيات المنطقة نفسها
وذلك يعني أن المراهنين على إشعال الساحة اللبنانية الآن قد يريدون حروبا أهلية لبنانية وليس حربا واحدة.. يريدون تفجر الصراعات بالوان سياسية «حكم ومعارضة»، مع «سوريا أو ضدها»، مع «المقاومة أو ضدها»، بينما واقع الحال هو موزاييك من القوى الطائفية والمذهبية ويعني بها اذا تصارعت فستكون صراعاتها شرقية (شرقية وغربية) غربية وليس صراعات سياسية تستبعد العنف المسلح من أساليبها.
ويقرر دلول بصراحة أنه ليس من مصلحة لبنان وسوريا والعرب جميعا تجدد الفوضى الامنية على الارض اللبنانية ولكن الخوف كل الخوف من تلك السياسات الرعناء للتدخل الأجنبي. وهنا فإنه يشير إلى ما يلمحه من إيجابية في الموقف الشعبي اللبناني فبعد أكثر من ثلاثين سنة على بداية الحرب الأهلية عام 1975 وخمس عشرة سنة على نهايتها بموجب اتفاق الطائف يجمع اللبنانيون على رفض العودة إلى الحرب الأهلية والعمل على إيجاد حلول لبنانية لأزمتهم انطلاقا من مبادئ باتت معروفة لكثرة ما رددها قادة المعارضة والموالاة على السواء.
ورغم ذلك فإن دلول في موضع اخر يحذرنا مما يسميه المرض العضال وهو الطائفية داعيا إلى إلغائها .. فالناس في ظل الطائفية يشعرون في مجتمعهم بأنهم يلقون الحماية من طائفتهم أكثر مما يلقونها من سلطتهم وأن سبيلهم للوصول إلى مبتغاهم هو بمقدار تعصبهم لطائفتهم وادعائهم أنهم الأقرب إلى المراجع في هذه الطائفة أو تلك.. وينتهي إلى أن التعصب الطائفي يسبب المزيد من الإنغلاق والمزيد من التطرف والكثير من ضيعان الحقوق وفي حال استمراره قد يأكل الدين نفسه كما قد يأكل الوطن والمواطن.
ويؤكد على صحة رؤيته تلك بالإشارة إلى أن التجربة السياسية في لبنان منذ العام 1943 حتى الان أثبتت أن لعبة الغلبة الطائفية وسياسة الأوزان والأحجام في مواقع السلطة قادت البلاد إلى الكوارث والفواجع والآلام، وعلى ذلك فقد كان الخاسر في لبنان سواء كان زعيما شعبيا أو حزبا سياسيا أو طائفة دينية يملك قدرا من القوة يمكنه من قلب الطاولة أكان هذا الخاسر في مواقع السلطة أم خارجها، وعلى ذلك فكم من قيادي وعلى امتداد العقود الخمسة الماضية ذهب ضحية انتفاخ حجمه أو نتيجة محاولته خوض معركة إلغاء الآخرين.
وعلى طريق تحقيق ذلك المطلب يرى دلول أهمية إعطاء اللبنانيين حق اختيار نظام إضافي للأحوال الشخصية بحيث يتمكن أي منهم من الزواج والإنجاب خارج أنظمة الأحوال الشخصية العائدة للطوائف السبع عشرة المعترف بها في لبنان باعتبار أن هذا الامر من شأنه اذا أقر تكريس أحد أهم الحقوق التي نص عليها الدستور اللبناني في موضوع الحريات العامة وحقوق الإنسان.
وانطلاقا من خبرته في العمل السياسي وحتى لا تتكرر مآسي الحروب الداخلية وتنتفي أسباب الخلافات حول صلاحيات السلطات العليا يؤكد دلول على ضرورة أن ينتخب رئيس الجمهورية من الشعب وبالاقتراع العام المباشر حتى لا يكون ممثلا حصريا لطائفته في أعلى موقع للسلطة السياسية وبذلك يشارك جميع اللبنانيين مباشرة في انتخاب رئيسهم الذي يكتسب شرعية شعبية ووطنية في رئاسة الدولة، كما يؤكد على ضرورة أن ينتخب رئيس مجلس الوزراء مباشرة من الشعب وبالاقتراع العام المباشر للأسباب ذاتها المتعلقة برئاسة الجمهورية.
ومن الشأن اللبناني إلى الفلسطيني والذي يتداخل إلى حد كبير مع الاول يندد محسن دلول بما يتعرض له الفلسطينيون من حرب اقتلاع وإبادة وتهجير وكأننا أمام نكبة جديدة أفظع واكثر دموية من نكبة عام 1948 قائلا : وبالفعل نستطيع أن نصفها بأنها حرب أميركية بالأصالة وإسرائيلية بالوكالة.
ويذهب إلى أن حرب اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه والتي قادها شارون منذ سنوات إنما تمثل تتمة لأولى حروب القرن الأميركي أو للحرب التي أدت في القرن الماضي إلى نشوء إسرائيل أصلا والتي باتت اليوم، حسبما يرى، تؤلف محمية أميركية ورثتها واشنطن بالكامل من الاستعمار البريطاني.
غير أن دلول يرى أن جانبا من المشكلة إنما يتمثل في موقفنا نحن العرب قائلا في انتقاد لهذا الموقف: كأن الحكام العرب لم يفهموا بعد كل الذي جرى ويجري في فلسطين ولبنان ، أن من ادعى رعايته للسلام هو نفسه من رعى الإرهاب في الوقت الذي يدعي محاربته. متسائلا: وهل هناك تعريف للإرهاب أوضح وأفصح مما يمارسه شارون في فلسطين ويلقبه بوش بأنه رجل السلام.
وعلى خلفية هذا الحديث ينتقد السياسة العربية التي تكفلت أولا بنزع سلاحها ثم تطوعت ثانيا، حسب تعبيره، بنزع ملابسها، ثم إنها ثالثا فرطت في ثقتها في نفسها وما يلازم هذه الثقة من عزة وكبرياء. فالمشكلة، من وجهة نظره، أن بعض العرب سلك نهج الواقعية السياسية واعتقد خطأ أن المفاوضات والمباحثات أكثر نفعا لحل قضية فلسطين من القتال والمقاومة
ونسي هؤلاء أو تجاهلوا أن حرية الشعوب واستقلالها لا تؤخذ إلا بالقوة وهو ما يستشهد في معرض التدليل عليه بتجربة المقاومة اللبنانية التي تعد الدليل الساطع على فاعلية إرادة الشعوب في قهر العدوان وتحرير الأرض، فالمقاومة اللبنانية لم تضع نفسها يوما في ميزان القوى العسكرية لإسرائيل بل كانت قوة الإرادة وقوة الإيمان بالحق هما السلاح الأمضى بيدها فحققت النصر المبين وحررت جنوب لبنان من المحتل اللئيم.
ينقلنا محسن دلول بعد ذلك إلى مستوى آخر من القضايا تتعلق بالعلاقات مع سوريا حيث يؤكد على أنه مطلوب التعقل والحكمة في معالجة العلاقات مع الشقيقة سوريا. ويعرض هنا لرؤيته الداعمة لهذا المنطق مشيرا إلى أن سوريا كانت حريصة بشدة على الشقيق الأصغر لبنان عندما عصفت فيه رياح الفتنة والتشرذم والانقسام فلم تتأخر يوما عن نجدته وإطفاء حرائقه ومحاربة المؤامرات التي كانت تحاك ضده، لتحويله إلى دويلات طائفية متناحرة فكان دخول الجيش السوري، على ما يذكر، لحماية لبنان ممن كانوا يتآمرون عليه في الداخل والخارج وطوال فترة وجوده في لبنان لم يبخل هذا الجيش وقياداته بالتضحيات الجسام وبذل الدم على أرض لبنان لحفظ كيانه ووحدته الوطنية. وعلى خلفية هذه الرؤية يبدي دهشته من بعض المواقف التي تشكك في الدور السوري.
وفي رؤية عامة بشأن السياسة يشير دلول إلى أن السياسة في الدول المعاصرة لم تعد حروبا وفتوحات وغزوات لإعلاء شأن الملك أو السلطان بل هي تخطيط وتبصر لمصلحة الشعب وهو عمل إستراتيجي يهدف إلى حماية المصلحة العليا للدولة ولحسن استخدام الموارد البشرية والطبيعية والاقتصادية بما يؤمن تقدم الشعب ويوفر للأجيال المقبلة أفضل سبل الحياة والحماية والرفاهية.
وعلى هذا الأساس يحذر مما يسميه الجمود ومن أن تصبح مصلحة الحاكم فوق مصلحة الشعب فالتطوير إلى ما هو أفضل، حسبما يرى، يبقى واجب المسؤولين المواطنين، وإلا يبقى لبنان رهينة الغرائز والنزوات، هذه الغرائز التي انفلتت إبان الحرب اللعينة من دون قيد أو حاجز وكادت تقضى على الوطن والمواطنين، فبقليل من نكران الذات وكثير من الإحساس بالمسؤولية تستمر ورشة بناء لبنان وطنا وسيدا حرا مستقلا ودولة ديمقراطية تحفظ فيها حقوق المواطنين وأحلامهم في مستقبل أفضل.
*الكتاب: السياسة والحكم القوة والعقل بين الخوف والمجهول
*الناشر:رياض الريس للكتب والنشر بيروت 2006
*الصفحات: 429 صفحة من القطع المتوسط
ألفت عبد الله
