يمكن وصف الثقافة العربية السائدة بأنها «ثقافة الهزيمة» على كافة الصعد المادية والفكرية. ومنذ الاحتلال الأميركي للعراق، والشعور المفجع لسقوط بغداد، انقسم المثقفون والسياسيون العرب إلى تيارين: الأول: يرى في الاحتلال بوابة للتخلص من الاستبداد وخطوة للأمام نحو الحرية والديمقراطية، والثاني: يدعو إلى مقاومة الاحتلال الذي يعتبره دماراً للعراق أرضاً وشعباً ويعيده للوراء مئات السنين.
ويأتي كتاب «مصر بعيون الفرنسيس» لمؤلفه فيصل جلول ـ وهو باحث وكاتب لبناني له العديد من الكتب والأبحاث والمقالات منها: نقد السلاح الفلسطيني، ودفاعاً عن السلام العربي ـ ليبحث في أصول الثقافة السياسية العربية الخاضعة/المهزومة. لأن مصدر الخضوع برأيه، ليس راهناً أو حديث العهد، إنما يمتد خلال الألفية الثانية كلها. أي منذ أن ذوت الخلافة الأموية في الأندلس عام (1031م)، ثم سقوط غرناطة ( 1492 م)، ثم انهيار سلطة العرب في المشرق في معركة مرج دابق ( 1516م) و صعود نجم العثمانيين الذين تعاملوا مع المقاطعات العربية كمصدر للضرائب والمجندين.
مقابل ذلك قام الغرب بنهضته العلمية والفكرية والمادية متأثراً بابن رشد القائل بإعادة الربط بين علوم العرب وعلوم الأجانب على قاعدة الاتصال بين الإيمان والحكمة، وأسسوا هرم الحضارة ووقفوا على ذروته. أما العرب الذين رفضوا كل الفكر العقلاني والتنويري في حضارتهم القديمة والحضارة الأوروبية الحديثة، وجدوا أنفسهم عند قاعدة الهرم، وتحت الاحتلال. وكل الأيديولوجيات الليبرالية والقومية والشيوعية التي تم اشتقاقها من التجربة الأوروبية كانت ضعيفة وعاجزة لأنه بالأساس لم يتم تخصيب التربة لزراعتها حتى يمكن لها أن تنمو بشكل طبيعي.
ويبحث المؤلف في آليات وطرق تكوين الثقافة السياسية في العالم العربي، وكذلك في عناصر الخضوع والممانعة في هذه الثقافة، انطلاقا من مسلمة تفيد بأن الأصل في تخلف العرب وتقدم غيرهم يكمن في الثقافة السياسية. انطلاقا من مصر التي شكلت خلال القرون الثلاثة الماضية مركزاً لإعداد النخب العربية والإسلامية ولأهميتها وموقعها الاستراتيجي في قلب الشرق الأوسط، كانت تلعب دور القطب الجاذب للعالم العربي كله ( كما كانت سابقاً دمشق وبغداد)، قبل أن تكبلها اتفاقيات كامب ديفيد بقيود همشت دورها وموقعها العربي المركزي.
ويرصد المؤلف من خلال أحداث كبرى مثل: حملة نابليون، وحريق القاهرة، والعدوان الثلاثي، وهزيمة حزيران، جذور البؤس السياسي العربي الراهن. وموقف ورؤية بعض الكتاب والمفكرين الفرنسيين لهذه الأحداث مثل: جان تولار، وجورج ميلان، واريك رولو، وجان لاكوتير، ومكسيم رودنسون.
فالحملة الفرنسية على مصر (1798 م) كانت تهدف إلى خلق مستعمرة فرنسية قريبة من فرنسا بعد خسارتها لمستعمراتها الأميركية، وإلى قطع طريق الهند على الإمبراطورية البريطانية. إلا أن شعار الحملة كان «تحديث» مصر وتحريرها من «المماليك». ولم تدم معركة الهرم أكثر من ساعتين لأن الحملة كانت مفاجأة كبرى لسكان مصر الذين لم يكن لديهم أي دليل يسمح بتوقع مثل هذا العدوان.
لذا كانت مقاومتهم محدودة وعاجزة أمام جيش كبير مجهز بالأسلحة الحديثة. إلا أن الأهالي ـ برأي جان تولار ـ اعتبروا الفرنسيين جسماً أجنبياً يجب طرده من مصر، واستندوا إلى الانجليز في مقاومتهم للجيش الفرنسي دون أن يفضلوا الانجليز على الفرنسيين. وفشلت الحملة العسكرية بتدخل بريطانيا وإحراقها للأسطول الفرنسي في «أبو قير» بالقرب من الإسكندرية.
وعلى الرغم من الفشل العسكري، إلا أن حملة نابليون الثقافية نجحت إلى حد كبير عبر تأسيس وعي هرمي لدى العرب، تقف على رأسه الحضارة الغربية بعلومها ووجهها التنويري، ويقف العرب عند قاعدة الهرم يمجدون الواقفين على رأسه. أي تمجيد هرمية الغالب والمغلوب واستبطان هذه الهرمية في اللاوعي المصري والعربي عموماً. فكل علوم الأجانب وجامعاتهم هي الأفضل، مقابل هبوط علوم العرب وحصرها بالعبادات والواجبات الدينية .
وأراد نابليون باصطحابه العشرات من علماء الرياضيات والفلك والآثار والهندسة والطباعة، أن يثبت للمصرين أنهم ينتمون إلى حضارة خليقة بالهزيمة لأنها بالضبط تقع في مرتبة أدنى من الحضارة الغربية، وإن هذه الحضارة إن هزمت بالسلاح فهزيمتها مؤقتة وغير نهائية وان المطلوب هو النظر إلى المستقبل والبناء على صورتها وليس على صورة الحضارة العربية المتخلفة. ولذلك كان التركيز على الحضارة الفرعونية واعتبار أن الحضارة العربية الإسلامية عابرة لأن مصر فرعونية بالأصل .
فالحملة حققت في الجانب الثقافي نصراً باهراً مازالت آثاره مائلة حتى اليوم ليس في مصر وحدها بل في العالم العربي والإسلامي برمته. ويضيف المؤلف لوصف «جان تولار» للحملة بأنها غريبة الأطوار، أن نابليون تحت شعار تحرير مصر وتحديثها ارتكب المجازر وقتل آلاف الأسرى، وطلب من قادة جيشه قتل ستة أشخاص يومياً على الأقل لترهيب السكان . ومع ذلك يرى الكثير من المثقفين العرب ومعهم «جان تولار» الوجه التنويري للحملة التي أدت برأيهم إلى شق قناة السويس وتنظيم النيل وإلى تحقيق نهضة اقتصادية وسياسية واكتشاف مصر لماضيها.
أما حريق القاهرة (1952م) والذي شمل مواقع ومباني كان يشغلها الأوروبيون ( 711 مبنى في الأزبكية وسط العاصمة)، وانهار بذلك موقع نفوذ غربي من الدرجة الأولى في العالم العربي، والذي جاء رداً على مجزرة الإسماعيلية، وكان مقدمة حاسمة للثورة المصرية الناصرية في «23 تموز 1952»، تم وصفه بأنها أعمال شعب، وأعمال «رعاع».
ويتوقف المؤلف مطولاً عند التجربة الناصرية،ومحاولتها النهوض بمصر والعالم العربي، وإحياء الفكر القومي العربي، في وجه الاستعمار الغربي، والصهاينة الذين جاؤوا إلى فلسطين تحت شعار «زرع الخدمات الطبية والتربوية للفلسطينيين» غير أنهم التهموا أراضي أبناء البلد الأصليين وأقاموا دولتهم العنصرية عليها. هذه التجربة التي تعرضت للحصار وإعلان الحرب عليها من قبل الاستعمار الأوروبي والصهيوني كما حصل في العدوان الثلاثي عام 1956 إثر تأميم قناة السويس. ثم حرب حزيران «1967» التي ما زالت آثارها حتى الآن.
وشكلت هزيمة حزيران ضربة قاصمة للناصرية والفكر القومي العربي المناهض للصهيونية. ورغم وصفها بالنكسة / من قبل محمد حسنين هيكل احد أعمدة النظام المصري/ إلا أنها كانت الهزيمة /الكارثة. ليس لان إسرائيل انتصرت عسكريا فقط. بل لأنها جعلت من هذه الهزيمة العسكرية حجة لهزيمة العقل المصري بأن جعلها نهاية المطاف للصراع العربي الإسرائيلي. فالهزيمة لا تكون كاملة إلا إذا حولها المهزوم إلى قدر لامناص من الخضوع لأحكامه.
وهذا ما جرى على يد السادات. حيث بدأت الدعوات للحوار مع إسرائيل والاعتراف باغتصابها لفلسطين، والتي أدت إلى اتفاقيات كامب ديفيد ثم وادي عربة وأوسلو. وتم تقزيم السياسة الخارجية المصرية وحصرها في حدود ضيقة لا تخترق سقف السياسة الأميركية والإسرائيلية في العالم العربي والإسلامي.
ويجد المؤلف أن وقائع الغزوات التي تعرض لها العالم العربي خلال تاريخه أن الغزاة كانوا يأتون إلى منطقتنا بدوافع «نبيلة» في ظاهرها إلى أن يستقر بهم المقام وتتضح عندها الأهداف الحقيقية للغزو وهي في الغالب اقتصادية أو دينية أو جيوستراتيجية أو مختلطة. وهذا ما كشفته وثائق الغزاة أنفسهم. كما حدث في احتلال الجزائر 1830 والحملة الفرنسية على مصر وادعاءات البريطانيين أنهم سيقيمون دولة عربية متحدة إذا ما انضم العرب إلى الحلفاء في الحرب العالمية الأولى فكانت النتيجة التآمر على العرب وضياع فلسطين.
واليوم تقول الولايات المتحدة الأميركية أنها احتلت العراق من أجل الحرية والديمقراطية وضد الإرهاب، في حين نراها الآن بأم العين بأنها تدمر البلد بحجره وأرضه وبشره. ورغم ذلك ما زال هناك العديد من المثقفين والسياسيين يرون في الاحتلال منقذاً وله وجه «تنويري وحضاري وديمقراطي»!
ويرى المؤلف أن الضعف العربي كان وما زال يغري المستعمرين ويستدرج المهيمنين إلى منطقتنا. والضعف لا يختزل بنقص التسلح ومحدودية المقاومة وإنما بنوع الثقافة السياسية التي سادت وتسود بلداننا. وذلك أن السيطرة تدوم بالعقول وليس بالسلاح والقوة العسكرية. فالغالب يبحث دائماً عن إقناع المغلوب بعدم جدوى المغالبة فيسيطر عليه بأرخص الأثمان أي برضى المغلوب نفسه.
ومن مظاهر الضعف في ثقافتنا السياسية أننا ما زلنا نلطم وجهنا جراء هزيمة حزيران 1967 ونعلق ما صنعناه وما لم نصنعه منذ ذلك الوقت على الهزيمة. في حين أن اليابانيين والألمان خسروا حرباً عالمية دون أن يخسروا ثقافتهم وهم بفضلها يحتلون مقاعد أمامية بين سادة الاقتصاد والتقدم العالمي.
وأخيرا ينطوي الكتاب على سيرة فرنسية لناصر بقلم /جان لاكوتير/ يقتفي أثره منذ نشأته حتى وفاته. حيث يشبه الناصرية في العالم العربي بالديغولية في فرنسا والبوليفارية في أميركا اللاتينية والأتاتوركية في تركيا، والبيرونية في الأرجنتين.
إلا أن الناصرية انتهت مع وفاة عبد الناصر وتفتت إلى اتجاهات متعددة. مما يستوجب مراجعتها ونقدها والاستفادة من دروسها. باعتبار أن الخيارات التي طرحتها مازالت راهنة خصوصا فيما يتعلق بمسالة الهوية والوحدة والسيطرة على الموارد العربية وبناء فضاء سياسي متضامن ومواجهة التسلط الدولي والصهيوني. لان النصر - كما يرى المؤلف - يحتاج إلى نظام سياسي واجتماعي وثقافي مختلف جذريا ويحمل في مضاعفاته فرص النصر الحقيقية.
*الكتاب: مصر بعيون الفرنسيس
*الناشر:الدار العربية للعلوم بيروت2007
*الصفحات: 160 صفحة من القطع الكبير
مروان عبد الرزاق
