جرت في تاريخ الفكر العربي الإسلامي الزاخر، مراسلات كثيرة بين العلماء والفلاسفة، ومذاكرات أعربوا فيها عن آرائهم وسجلوا نقاشهم وتجادلهم، وذلك على أعلى المستويات الفكرية، ومن هذه الرسائل: رسائل أبي العلاء المعري

ولا سيما رسالة «الغفران» إلى «ابن القارح»، ورسالة «عمر الخيام» إلى القاضي أبي نصر عبد الرحيم النسوي، تلميذ ابن سينا، ورسالة «ابن عربي» إلى «فخر الدين الرازي» ومنها أيضاً سلسلة السؤالات والجوابات التي جرت بين «أبي الريحان البيروني» والشيخ الرئيس «ابن سينا».

ابن سينا هو أبو علي الحسين بن عبد الله علي بن سينا المعلم الثالث للإنسانية ولد في «أفشنة» قرب بخارى سنة 980 ميلادية، وتوفي في «همذان» سنة 1037 م. تعمق في دراسة الفلسفة وبخاصة فلسفة أرسطو، وهو كما يعرف للجميع أول فيلسوف عربي مكّن علماء الغرب من مباشرة الثورة العلمية التي ابتدأت فعلاً في القرن الثالث عشر الميلادي،

وبلغت ذروتها في القرن السابع، إضافة إلى ذلك فإن ابن سينا الطبيب قد أثر في آرائه الطبية وبخاصة في كتابه «القانون» على كل من جاء من بعده سواء في الشرق الإسلامي أو في الغرب اللاتيني، ومن هنا نحن أمام فيلسوف طبيب.

أما كتابه هذا «رسائل ابن سينا» فقد ذكره «البيروني» في كتابه «الآثار الباقية» ونتبين أن هذه الرسائل حصلت حين كان المفكران البارزان شابين. كان «البيروني» 973 1051 ميلادية أسن من : «ابن سينا» بنحو سبع سنين، وقد نشرت، مرات، إحداها نشرها الأستاذ التركي «حلمي ضيا أولكن» في استنابول، ضمن مجموعة بعنوان «رسائل ابن سينا» .

تتضمن هذه الرسائل عشر أسئلة تتعلق بكتاب «أرسطو» «السماء والعالم» وثماني أسئلة أخرى طرحها «أبو الريحان» وأجاب عنها «ابن سينا» واحداً فواحداً، ثم اعترض «البيروني» على جوابات «ابن سينا» مناقشاً من الجوابات العشرة الأولى ثمانية، ومن الثمانية الثانية سبعة، تمس المسائل الأولى كتاب «أرسطو» إضافة إلى الكتب الأخرى لأرسطو المتعلقة بالطبيعيات.

انتقد البيروني تعويل أرسطو المفرط على أقاويل الأقدمين والأحقاب السالفة في الفلك، دون الاعتماد على ملاحظاته الخاصة، وضرب البيروني مثلاً على ذلك أن وصف الهنود وأمثالهم في الزمن الخالي لا يمكن الاعتماد عليه في القضايا الطبيعية لأن التغيير أمر واقع، إن أشكال الجبال قد تغيرت والحدوث ظاهر في بعضها.

وأجاب «ابن سينا» بالتفاوت بين الجبال التي تتغير كوناً وفساداً والأجسام السماوية التي لا يقع ذلك فيها، واتهم البيروني أنه أخذ هذا الاعتراض إما من «يحيى النحوي» الذي خالف أرسطو، وإما من «محمد بن زكريا الرازي» الذي كان ينبغي له أن يبقى طبيباً ولا يعالج القضايا الميتافيزيائية التي ليس ضليعاً فيها.

ينتقد «البيروني» رأي أرسطو، بأن هنالك ست جهات للمكان بتمثيله على المكعب، لأن المرء يستطيع أن يتصور أكثر من مكعبات مماسة له، حتى تصير جملة المكعبات كلها مع المكعب الأصلي سبعة وعشرين مكعباً، ويرى أن تلك الجهات الست معدومة في الكرة.

ويرد «ابن سينا» موضحاً ما عناه أرسطو بالجهات الست، وهي التي تحاذي نهايات الأبعاد الثلاثة للجسم، وهي الطول والعرض والعمق، فللمكعب ستة وجوه، وما يحاذي الوجوه الستة ست جهات، أما الجهات الأخرى التي يتصورها البيروني، فهي تلامس الحروف لا الوجوه، ويطبق ذلك على الكرة أيضاً.

انتقد «البيروني» رفض المشّائين لاحتمال وجود عوالم أخرى مختلفة تماماً عن عالمنا الذي نعرفه. إن تلك العوالم لا نعرفها لعدم استطاعة حواسنا الكشف عنها، كالذي ولد أعمى، لا يستطيع أن يفهم معنى الرؤية لو لم يسمع من الناس ذكر البصر. ويقبل «ابن سينا» احتمال وجود عوالم أخرى تختلف عن عالمنا ولكنه يدافع عن رأي أرسطو، بأنه لا يمكن أن يوجد عالم آخر مثل هذا العالم له عناصره وطبيعته نفسها.

ويتبين لنا من خلال تلك الأسئلة والأجوبة أن آراء أرسطو مع شروحها ومع بعض عناصر الافلاطونية الحديثة كانت شائعة عند كثير من فلاسفة العرب والمسلمين وعلمائهم، وهي ما يطلق عليه لفظ الفلسفة المشّائية التي كان ابن سينا أكبر ممثليها، وإن تجاوزها في بعض الأحيان،

وكانت هناك تيارات فكرية أخرى تنأى عن التقليد وتناهض الاتجاه الأرسطي، وتعتمد إلى ثقافتها الواسعة المختلفة على الاستقلال في التفكير العلمي، ومن أبرزهم البيروني وندرك عمق الفلسفة العربية الإسلامية ودورها الحضاري الرائد.

محمد سطام الفهد