يجد القارئ نفسه في رواية «تنافس محتدم» للكاتب الجنوب إفريقي نك مهلونجو على موعد للقاء مع دينجز وهو طالب عادي في جامعة ويتز يبذل قصارى جهده لتدبير أموره المالية، وفي غضون ذلك ينهمك في حفلات مع أصدقائه، وفي حوارات مع فتيات ثرثارات، وفي تجنب حضور أكبر قدر ممكن من المحاضرات، وتدبير أغدار مقبولة لعدم حضوره الامتحانات.
ونحن لا نمل متابعة جلسات دينجز مع أصدقائه، وهم يناقشون قضايا الساعة في جنوب إفريقيا، وفي مقدمتها الايدز، العنصرية، الحياة السياسية والتاريخ، وفي غضون ذلك نخوض معهم غمار مغامرات يشيب من هولها الولدان، كما يمكننا ان نتوقع، ليس أقلها شأنا التعرض للاختطاف من قبل سائقي سيارات الأجرة والإصابة بمرض السيلان والتعرض للعنصرية في الجامعة، مما يهدد بطرده منها استناداً إلى أسباب مالية.
هكذا فإن القارئ يصادف على امتداد صفحات «تنافس محتدم» شريحة من الحياة على نحو ما تعاش اليوم في جنوب إفريقيا، بما في ذلك اللقاءات بشخصيات يسهل تصديقها، حيث رسمت بدرجة عالية من الإبداع الفني. ودينجز هو نفسه شخصية ينطبق عليها هذا الوصف بامتياز، فهو ذكي، ولماح، وأنت لا تملك إلا أن تحبه، لكنك تدرك بالطبع انه ليس قديسا، وغضبه على العنصرية يبدو في بعض الأحيان متجاوزاً للذروة، وإن كان من الممكن استيعابه وتفهمه.
وفي غضون ذلك نتابع تقلباته فهو في بعض الأحيان يبدو سخيفاً، وفي أحيان أخرى يظهر بمظهر مقيت، ولكنه غالباً ما يكون جذابا. وفي كل الأحيان يبدو لنا شخصية متعددة الجوانب، لها نقاط ضعفها، ولها أيضاً عناصر قوتها.
ولا يتردد بعض النقاد في الإشارة إلى أن «تنافس محتدم» هي رواية أقرب إلى أن تكون سيرة ذاتية، ومن المتصور أن دينجز يمكن أن يقوم بما يفعله نك مهلونجو تماماً، فهو يأخذ يومياته، ويحولها إلى رواية، ثم يستقل القطار إلى كيب تاون محاولاً دفعها إلى النشر.
ربما لهذا على وجه الدقة فإن الرواية تحفل بنبض الحياة، فهناك واقعية مذهلة عندما يتعلق الأمر بتناول هموم من قبيل الايدز والأمراض التي تنتقل بالمعاشرة فضلاً عن مشاعر الحب والضيق بالتعرض لعنصرية يفترض أنها غابت عن آفاق جنوب إفريقيا.
والرواية تطل علينا من قلب هذا كله بلحظات هي الرقة والشجن مجسدين، ومنها على سبيل المثال تذكر دينجز لاحتضار أبيه، في منتصف إحدى مرات هروبه العديدة، حيث يصف امساكه بيد أبيه، فيما الأب يحاول نطق جمل قصيرة هادئة ستبقى في ذاكرة دينجز طويلاً. هكذا يلمس القارئ هذه الرقة عندما يحس دينجز في منتصف إحدى الليالي بأنه يفتقد الفتاة التي يحبها، وهكذا نجده يمضي تحت جنح الليل ليلقي نظرة عليها، على الرغم من كل المخاطر والمتاعب.
وفي لمحة نهائية من لمحات الكتاب نجد دينجز مع أصدقائه في مكانهم المعتاد والذي لا يملون اللقاء فيه، وتجلس معه صديقته الجديدة التي لم تعتد على بقية أصدقائه بعد، وهما يجلسان في هدوء ويعكفان على التهام رقائق البطاطا، وبينما يذكر هذا المشهد القارئ بأنه ما من شيء يذكر تغير في هذا الجمع من الأصدقاء، إلا أن هناك نمواً وحركة لا موضع لتجاهلهما، وأن الحب الذي يهيمن عليهم أعمق بكثير من العاطفة التي تهيمن على الأصدقاء الذين يرتادون مثل هذه الأماكن. ولكن المؤلف يتجنب تحويل هذا المشهد إلى مشهد دامع، وذلك باللجوء إلى وصف المشهد ووصف تفاعل هؤلاء الأصدقاء فيما بينهم على نحو جميل.
والتقنية المتبعة في انجاز هذا المشهد لم تأت من فراغ، وإنما هي نابعة من اقتناع المؤلف بأن دور الكاتب هو أن يراقب المجتمع، وأن يتأمل فيه، ومن هنا فإن القصة التي يرويها لنا هي في جوهرها سلسلة من القصص التي سمعها في الشارع، في الحافلة، في المقهى، ونوقشت خلال الجلوس إلى طاولات المطاعم، والتي استمدت عناصرها من الأحداث والمعتقدات والآراء المتداولة في جنوب إفريقيا.
ربما لهذا، على وجه الدقة، فإننا نجد في هذه الرواية لحظات من القوة الانفعالية الحقيقية الممتزجة برحلات هرب قاتمة في مرحها، أبطالها أساتذة ساديون وسائقو أجرة انتهازيون. هذه كلها مواقف مألوفة في جنوب إفريقيا انتقلت إلى صفحات كتاب لا يمكن القول إنه خال من العيوب، ولكن من الذين يكترث بذلك؟ إن الأمر المهم هو أننا أمام رواية تستحق عن جدارة أن تحظى بتقدير عالمي باعتبارها تفجيرا مدوياً لواقع لا ينقصه التعقيد.
تنتمي رواية «تنافس محتدم» إلى نوعية الروايات التي ما كان يمكن أن تشق طريقها إلى سلسلة «كتاب أفارقة» التي كانت تصدرها دار هانيمان والتي توقفت عن الصدور، ذلك لأنها رواية صانعة للتيارات والاتجاهات في حد ذاتها، ينسج على منوالها، بينما هي أبعد ما تكون عن تقليد غيرها أو الرقص على إيقاع هذا الغير.
لقد نقل عن نك مهلونجو إعرابه عن تقديره وحبه لأعمال الروائي النجيري بن أوكري، ولكنه حرص في الوقت نفسه على القول إن: «الكتابة فيما يتجاوز ذاتك» ليست بالدرب يحب أن يمضي فيه، لأنه يعتقد بأن من الضروري للكاتب أن يجرب أو يعايش أو على الأقل يعرف ما يكتب عنه، وبالنسبة له فإن ما يعنيه هو الحياة في بلدات جنوب إفريقيا بعيداً عن الصقل أو التجميل أو إضفاء الطابع الرومانسي.
هكذا فإن أبناء هذه البلدات لا يتم إضفاء الطابع الانفعالي على شخصياتهم، ولهذا فإن دينجز يبدو لنا شخصية معقدة، لكنه ليس بالفتى الذي يمكن أن نكرهه، فهو مخادع وغاضب وطريف ومدهش ولكننا يمكننا أن نتعرفه ويمكننا ربطه بشخصيات محددة نعرفها. وليس من قبيل الصدفة أن كتاب نك مهلونجو المقبل يدور حول الايدز في جنوب إفريقيا، وهو يشير إلى ذلك في غمار حديثه بعصبية حيث يتعرض لضغوط كبيرة لإطلاق كتابه الثاني، ولكنه ليس من النوع الذي يستسلم للضغوط بسهولة.
وربما لهذا يتوقع النقاد أن يجيء الكتاب المقبل لمهلونجو عملاً حافلاً بالجانب المظلم من حياة جنوب إفريقيا تروي وقائعه بابتسامة ساخرة وبرؤية للدنيا تتجاوز القلق حول ما إذا كان ما سيقدمه شيئاً تعلق عليه آمال كبار من عدمه.
جيل كويتو
يطلق اسم «موسيقى كويتو» على نوعية من الموسيقى نابعة من البلدات الصغيرة في جنوب إفريقيا، حيث ان الموسيقيين الذين يقدمونها يعقبون على الوضع الراهن في جنوب إفريقيا، لكن هذا الاصطلاح اتسع نطاقه ليشمل أيضاً الكتاب والأدباء الذين ينتمون إلى جيل ما بعد سقوط نظام التفرقة العنصرية، والذين يعرفون أيضاً بجيل ما بعد التفرقة العنصرية،
ويقدمون روايات وقصصاً مختلفة تماماً عن الأعمال التي قدمها جيل سابق، والتي دارت بشكل أساسي حول مفهوم النضال ضد التفرقة العنصرية، ويلفت النظر في هذا الجيل الجديد محدودية عدد أبنائه أصلاً، ثم الموت السريع والمبكر الذي حصد الكثير منهم. ومن أبرز أبناء هذا الجيل إلى جوارنك مهلونجو كذلك كي. سيلو ديوكر، الذي انتحر وهو في الثلاثين من عمره، ودفاسواني مبي الذي مات في الرابعة والثلاثين من عمره، ربما بمرض الإيدز.
مقتطف من رواية « تنافس محتدم»
*الكتاب: تنافس محتدم
*الناشر:دار كويلا للنشر جوهانسبرج 2007
*الصفحات:240 صفحة من القطع المتوسط
Dog Eats Dog
Niq Mhlongo
Kwela Books- Johannesburg 2007
P.240
