سواء تحدثنا عن حياة لويس بيجلي العملية كمحام دولي أو كروائي، فنحن حيال انجاز فذ بكل المعايير، فهو باعتباره شريكاً في مكتب محاماة كبير في نيويورك شق طريقه نحو صفقات عملاقة عبر المشهد الحافل بالفخاخ للأنظمة الأوروبية المتداخلة.

وهو باعتباره مؤلفاً لثماني روايات حظي باهتمام وتقدير كبيرين من النقاد ورشح لجائزة الكتاب الوطنية الأميركية، وشغل رئاسة المركز الأميركي لاتحاد الكتاب العالمي، وتأثر جانب كبير من رواياته بسنوات يفاعته في بولندا في ظل النازي، وهو الظل الكئيب الذي أفلح في الهرب منه وشق طريقه إلى الولايات المتحدة.

وروايته الجديدة، الصادرة مؤخراً، التي تحمل عنوان «مسائل شرف» هي تأمل آخر حافل بالأفكار حول هذه التجربة. وكلا الجانبين في حياته مشخص في هذه الرواية، أحدهما كرواية، كروائي شهير، والآخر كأفضل صديق له، كمحام دولي والقصة تفتتح في هارفارد في أوائل الخمسينات من القرن العشرين، عندما يحظى الطلاب الضعفاء على نحو كوميدي برعاية الندلاء، والخادمات والأساتذة المصممين على تشكيل «باقة اجتماعية جديرة بصالون عظيم».

ينحدر الطالب سام ستاندش من الفرع المتواضع من عائلة ثرية تنتمي إلى نيو إنجلاند، وهو يشعر بالحرج من أبويه المستهترين، ويسعد بالابتعاد عنهما، ويغدو أكثر سعادة لعلمه مؤخراً بأنه تم تبنيه وأنه أصبح مستفيداً من صندوق مالي كبير، غامض، سيحرره منهما تماماً.

ينغمس زميله في السكن، هنري وايت، في عملية انفصال وإعادة ابتكار للذات أكثر دراماتيكية، فهو الابن الوحيد لأبوين بولنديين حجبا نفسيهما وابنهما عن عيون النازي، وقد جاء إلى هارفارد بفضل منحة دراسية، وهو يأمل في الأفلات من عاطفة أمه التي تحاصره وجهودها لجعله ينشأ على غرار نشأتها.

و هو يستعين بسام لتعليمه سلوكيات الطبقة العليا من البيض الأميركيين المنحدرين من قدامى المستوطنين. وهو يقول في هذا الصدد: «لسوف أعيد صياغة نفسي على غرار الصورة التي أحملها في أعماقي». على امتداد عدة مئات من الصفحات يصف سام جهود صديقه العبثية لتحويل نفسه والظفر بفؤاد فتاة تنتمي إلى المجتمع المخملي، التي تعد بالنسبة له «مشروعه بعيد المدى»، والتي تمثل كل شيء يتمناه،

وهو ما سنرى المؤلف يشير إلى أنه يردد أصداء رواية لم يكتبها ف. سكوت فيتزجيرالد مؤلف رواية «جاتسبي العظيم».هنري مثقف متألق، ويقوم سام بكل ما في وسعه لتقديم النصح إليه، ولكن المشروع بكامله يحمل ملامحه المأساة، فأياً كان الجهد الكبير الذي يبذله هنري فإنه لا ينخرط في سلك الفتية والفتيات الذهبيين.

وهو لا يستطيع مجاراتهم في الرضا الذي يستشعرونه حيال المكانة التي يحتلونها بحكم ما يسمونه بالحق الإلهي. وحتى عندما ينجح في «العبور» فإنه يتحمل عار تلك الخديعة، وعندما يكشف النقاب عن خلفيته المتواضعة، فإنه يحس بعذابات النظر إليه باعتباره شخصية غرائبية أو الإلحاح عليه بسرد قصص درامية حول محنته في ظل النازي.

غالباً ما يتسم تحليل لويس بيجلي للطبقة والطموح الاجتماعي في أميركا بأنه شديد البراعة، ولكن هذه الرواية استاتيكية على نحو يقتضي الكثير من المطالب من القارئ التي يتعين عليه تلبيتها. والحبكة تتحرك على مهل عبر سلاسل من الحفلات والحوارات غير المترابطة، والتي غالباً ما تنجرف إلى قصص جانبية معقدة، لا تعطي أبداً الانطباع بصلتها بما يجري.

ويبدو زميل هنري وسام الثالث في السكن حضوراً مهماً في الرواية بالنسبة للعديد من الفصول، إلى أن يتم استبعاده فجأة من ساحة الأحداث. وبينما تحظى أنواع الشراب وألوان الديكور باهتمام تفصيلي من جانب المؤلف، فإن عدداً من الأحداث التي تغير مجرى الحياة تمضي مسرعة من دون تحذير أو نتيجة.

سام يتردى في سلسلة من نوبات الاكتئاب المعرقلة بصورة مفاجئة على نحو ما يمكن أن يلتوي كاحلك، ثم يمضي في عقود من التحليلات الأسبوعية التي لا نسمع بشيء عنها على وجه التقريب.إن أحد فصول الرواية يبدأ على النحو التالي: «وصلت صداقتي مع الكاتب الياباني وجولاتي في كيوتو إلى نهاية مفاجئة». والقارئ لا يملك إلا التساؤل: أي صداقة مع كاتب ياباني؟ أي جولات في كيوتو؟

ويضاعف من متطلبات هذه الحبكة التي تمتد عبر خمسين عاماً الراوية الذي يسرد لنا الرواية، فسام يتحدث بصوت هادئ مصاغ على نحو صارم، أيا كان ما يصفه لنا، سواء أكان يحدثنا عن تعرضه للضرب المبرح على يد مجموعة من البلطجية أو استدعائه إلى مكان حادثة انتحار دموية، فكل شيء يحدث على مبعدة كبيرة منا، متجرداً من أي لون أو حرارة أو مباشرة. وما يبدو لأول وهلة مكبوح الجماح ومتألقاً يظهر بالفعل مصطنعاً وكئيباً ومضجرا.

ولكن في الفصول الأخيرة تعود الرواية فجأة إلى بؤرة الأحداث، وتركز على الأزمة الأخلاقية النهائية في حياة هنري كمحام ناجح لايزال يبحث عن القبول وعن المكانة وعن الفتاة التي نأت عنه. وهو يقول لسام في هذا الشأن: «ربما تتساءل محقاً ما الذي أوصلني إليه هذا النفي لنفسي. إن خصالي القديمة لاتزال ملتصقة بي تماماً كرائحة النفس الكريهة.. لم أصل إلى شيء، صفر، أو أقل من الصفر. وأجوري هي العار والأمور الشائنة».

إنه تقويم مثير للقلق، يطرح على نحو رائع، ويغرس بصورة درامية في نوعية الحبكة القانونية المعقدة التي لابد أن بيجلي قد واجهها بنفسه باعتباره محامياً. وعمل هنري الأخير والشجاع المتمثل في إعادة ابتكار ذاته هي حجة ختامية بارعة في مرافقة، ولكن المرء يأمل في أن المحلفين من القراء سيهتمون بالرواية بقدر كاف بحيث يصلون إلى هذه المرافعة الختامية.

والقراء الذين يملكون القدرة على المتابعة وصولاً إلى هذه المرافعة الختامية لاشك أنهم سيدركون أن القصة الجوهرية تروي مرات عدة، وغالباً ما يتم ذلك بصورة دافئة، واحياناً على نحو مثير للقلق، على نحو ما ينسجها سام محولاً إياها إلى حقائق لا سبيل إلى تجنبها حول الثروة، الجدارة، النظام الطبقي لبلاد يفترض أن لها مثل هذا النظام.

وكما أشار بيجلي محقاً، فإن «مسائل شرف» تردد أصداء في سكوت فيتزجيرالد بطرق عدة، ليس أقلها شأناً تصويرها لعالم لا أحد يعمل فيه بيده، ولا يفتقر فيه أحد إلى المال لمدة تزيد على الفاصل القصير الذي يحصل خلاله على الكثير من المال. والرواية تتحرك في شريحة اقتصادية واجتماعية قد لا تكون بعيدة عن نظر معظم القراء، لكنها يقينا بعيدة عن مطال أيدي غالبيتهم.

وتظل شخصيات بيجلي، شأن شخصيات فيتزجيرالد، فانية، فهي عندما تجرح تسيل الدماء منها، وهي في بعض الأحيان لابد لها من أن تتخلى عما لديها، مما يكبدها ويكبد غيرها الكثير، لكي تحصل على ما تريد أو تدرك ما تحتاج إليه.

وبيجلي لا يجامل العالم الذي ولجه سام وآرشى وهنري في ذلك اليوم من أواخر الصيف الذي مضوا خلاله إلى هارفارد، فهو عالم من المعاناة، وما يتركه موضعاً للتساؤل ومعلقاً بلا رد هو ما إذا كان أولئك الذين يعانون تحت آفاقه على نحو متألق لهم أي نصيب في جعل هذا العالم أفضل.

الذكرى الأولى

هذه هي الذكرى الأولى لديَّ عن هنري. إنني أقف عند باب إحدى غرف النوم الثلاث في جناح الطابق الأرضي في مهجع الكلية، الذي تم تحويلي إليه. وعند النافذة المفتوحة انحنى إلى الخارج فتى أصهب، طويل القامة، نحيلها، معطياً ظهره لي، وقد مضى يلوح لشخص ما.

وقد سمع وقع قدمي، فالتفت، وأشار لي قائلاً: ألق نظرة! هناك فتاة جميلة تبعث بقبلاتها إليَّ. لم أرها من قبل، لا شك في أنها مجنونة.مضيت إلى النافذة، وعلى مبعدة لا تتجاوز عشرة أقدام كانت فتاة واقفة على النجيل تبعث بقبلاتها عبر الهواء حقاً ملوحة بيدها باتجاه نافذتنا، وبين القبلات، كانت تبتسم، وبدا فمها كبيراً للغاية بفعل طبقة كثيفة من أحمر الشفاه.

*الكتاب: مسائل شرف

*الناشر:الفريد نوف ـ نيويورك 2007

*الصفحات:320 صفحة من القطع المتوسط

Matters Of Honour

A.Knopf - N.Y. 2007

p. 320