للكاتب العراقي يعقوب يوسف كورية كتابان الأول «إنكليز في حياة فيصل الأول» والثاني «يهود العراق ». الذي تعاد طباعته مرة أخرى نظرا لأهميته التاريخية والمستقبلية. يدعي اليهود أن تاريخهم يرجع إلى عهد إبراهيم الخليل، إلى ما قبل 400 ق.م.،
غير أن كثيرا من الباحثين يحدّدون تاريخ ظهور أول مجموعة يهودية في العراق إلى أواخر القرن السادس أو أوائل القرن الرابع قبل الميلاد، وأن هذا التأريخ يتطابق مع تاريخ السبي الآشوري إلى شمال العراق بحدود 626 ق.م.
وهو ما سبب في تطور ديانتهم على أساس فكرة الوحدانية الشاملة، لقد حدث ذلك واليهود يعانون الاضطهاد. والديانة اليهودية التي نعرفها اليوم ولدت في أثناء الأسر في بابل، كما أن أسفار التوراة الأولى قد دوّنت معظمها في هذه الفترة، أي في أثناء السبي.
واليهود قسمان: سفراد واسكناج، الأول يضم المقيمين في البلاد العربية وفي فرنسا واسبانيا والثاني يضم المقيمين في بقية أقطار أوروبا وأميركا الشمالية، وهناك فئة قليلة من اليهود ويطلق عليهم السامريين، وهم يعتقدون أنهم ورثة بني إسرائيل، وحماة التوراة العاملون بتعاليمها ووصاياها العشر، وأن الله اختارهم لذلك، وهم البقية الباقية من أولاد يعقوب عليه السلام.
تحدث الكتاب عن أهمية الاقتصاد والتجارة والمال لدى يهود العراق، فقد استفادوا من تجارتهم فائدة عظيمة، وأثرى كثيرون منهم لأن فعالية التجارة بيدهم وكانت مخازنهم مشحونة بالبضائع. ثم يبيّن أوضاع من تحسنت تجارته ويورد أسماء بعضهم، مثل شاؤول المعلم وياسين الخضير ويهودا زلوف وإبراهيم حييم وحزقيل طويق وسلمان عنبر.. الخ.
ولم يترك اليهود صنفاً من أصناف البضاعة محلية أم مستوردة لم يتعاملوا فيها من أخشاب إلى أدوية وعقاقير إلى أسلحة وأصباغ على مختلف صنوفها، الإطارات والأقمشة التي برزوا فيها بشكل لافت للنظر، ويكفي أن تذكر أن شركة واحدة من تلك الشركات كانت وكيلة لأربعين شركة عالمية في مختلف الصنوف والفروع،
ابتداء من شركة فورد ( سيارات، لوريات، تراكتورات، طيارات) وانتهاء بشركة ACZDB of A. المنتجة للمكننة الزراعية ( محاريث، حاصدات ).. الخ. وقد عمل معظمهم في وزارة المالية، وبعد حرب فلسطين أخذ عددهم يتقلص في دوائر الدولة سواء بإحالتهم على التقاعد أو عدم الإقدام على تعيينات جديدة.
لليهود في العراق أمكنة مقدسة قديمة، وأشهر مزارات اليهود :
1 ـ قبر عزرا الكاهن، 2 ـ حزقيال النبي، 3 ـ مرقد يوشع كوهين كادول، 4ـ مرقد الشيخ اسحق القاووني، 5 ـ قبر ناحوم الالقوشي، وهذه المزارات يؤمها المؤمنون من هذه الجماعة للتبرك وطلب شفاعة الأنبياء والصالحين.
وتعتبر مدرسة الاليانس ( الاتحاد الإسرائيلي ) من أقدم المدارس التي قدمت أكبر خدمة للطائفة الإسرائيلية في العراق، وقد تمّ إنشاؤها في العام 1864، وعملت على تخصيص حصص دراسية لتعليم الكتب الدينية عند اليهود والتبشير بمفاهيمها خاصة التلمود، كما أنها دأبت على تدريس اللغات العبرية والعربية، إضافة إلى المنهاج العام، ومن الواضح أن المدرسة المذكورة قد خرّجت قوافل من الشبان، كان لأكثرهم دور بارز في المجتمع العراقي.
وقد تأسست فروع للمدرسة المذكورة في الموصل والبصرة والعمارة، وفي سنة 1903 أنشأت جمعية الاتحاد الإسرائيلي مدرسة لتهذيب البنات في بغداد ثم في البصرة والموصل والعمارة، وفي سنة 1921 تم الانتهاء من تشييد مدرسة لورا خضوري للبنات التي شيدها العازر خضوري، وجعل اسمها تيمناً باسم زوجته.
ثم انتشر التعليم في بغداد، إذ بلغ عدد التلاميذ الذين تضمهم المدارس اليهودية في العراق 8228 تلميذاً ـ يتوزعون على ست وعشرين مدرسة فقط في خمس مدن عراقية، وكانت موارد المدارس تأتي من جهات متعددة، ولكن أكثرها كانت حصيلة ما يتبرع به أثرياء اليهود في العراق، وعلى رأسهم عائلة خضوري ودانيال وشعشوع... وغيرهم.
يبرز في مقدمة رجال الفن عندهم قراء المقام العراقي، واليهودي يميل على المقام ويهواه، كما يعشق البستات الشعبية والأغاني الفلكلورية، فتألفت فرق الجالغي البغدادي، وكانوا متميزين عن غيرهم في الطرق على آلات الجوق الموسيقي، ولقد قام قسم منهم بإنشاء دور اللهو، وفي مقدمتهم تياترو صالح حزقيال الذي كان يجلب أهم المغنين اليهود إلى محله.
أما الحفلات النسوية التي كانت تقام عند يهود بغداد فكانت هناك فرقة نسوية وتستعمل في موسيقاها آلات الدنبك والنقارة والدف، وهذا الجوق النسوي الذي كان يحيي أفراح اليهود كان يدعى (الدقاقات)، وأشهر مغنية ودقاقة كانت تدعى مسعودة البمبلية نسبة إلى مدينة بومباي في الهند، كما برز في المجتمع اليهودي بعض الفنانات اللواتي لعبن دوراً كبيراً في شؤون اللهو والفن، وأبرزهن بنات مراد، وإحداهن تزوجت المطرب (ناظم الغزالي).
وأعياد اليهود واحتفالاتهم في بغداد هي نفس أعياد اليهود واحتفالاتهم في سائر أنحاء العالم، وأشد هذه الأعياد بهجة ومرحاً هو عيد الفصح، وفيه تخرج اليهودية بمئزرها الحريري ذي الألوان اللطيفة الفاتحة فتظن الشوارع مزدهرة ازدهار الحدائق، وهم يتمسكون بما يفرضه هذا العيد من إعداد الخبز الفطير وطهو الحمل وما إلى ذلك.
ويزور جميع اليهود في آخر أيام العيد الحدائق والبساتين، كما يتبادلون الزيارات مع المعارف والأصدقاء. وهم يتمسكون بشعائر عيد الكفارة ويقومون بها بصورة جيدة جداً إذ لن تجد من يفطر فيه، وهم يصومون لمدة 25 - 62 ساعة، ويلبسون البياض من قمة الرأس إلى أخمص القدم، ولا يلبسون فيه نعلاً جلدياً أبداً.
أما عيد المظال فهو عيد تتوق إليه كل أسرة يهودية، وتنصب فيه عرائس من سعف النخل كي تنام فيها الأسرة وتأكل، ويتجمع اليهود في آخر يوم في القوارب النهرية، أو قد يجلسون على ضفة النهر جماعات ووحدانا، ويؤمن فقراء اليهود بقوة العين الشريرة والسحر إلى أبعد حدّ، وتذهب كثير من نسائهم بصحبة جاراتهن المسلمات إلى «المزارات» الإسلامية، ومنها ضريح الشيخ عبد القادر الكيلاني، ومن اليهود من يعتقد أنه كان يهودياً.
وكثير من نساء اليهود يحترفن ويدعين المقدرة على شفاء كثير من الأمراض بما في ذلك العقم والجنون وأن بإمكانهن جلب الطالع السعيد وإحلال الحب في القلب، وهن يزعمن المقدرة على طرد الأرواح الشريرة ومخاطبة الموتى والإتيان بأخبار الغائبين.ويمارس فقراء اليهود عموماً شعائر دينهم ويلتزمون بفرائضه أشد الالتزام، ومن ذلك عدم إشعال المصباح الكهربائي في يوم السبت، لأن إضرام النار محرم على بني إسرائيل في هذا اليوم.
إن الشاب الخطيب عادة يعرف خطيبته ويدبر أمر الزواج كله على الطريقة الأوروبية، وكل يهودية مصيرها الزواج، وقد يقوم أحد أفراد الأسرة بإعالتها إن لم تتزوج، ولا ترث اليهودية من أبيها مالاً مهما كان موسراً، فمال الأب يرثه أولاده الذكور حصراً، ويراد بصداق المرأة التعويض عن ذلك وشمولها بالعدل والإنصاف، وإن مات اليهودي تقاطر أقرباؤه كلهم على بيته وعلا البكاء والعويل، وقد يحثو التراب على رأسه وقد يمزق بعضهم ثيابه حزناً عليه.
وليس من المستساغ أن تترك المرأة الحزينة بيتها إلا بعد شهور الوفاة، وتستقبل الحزينات زائرتهن ولا تعلوا وجوههن الابتسامة طيلة أيام الحداد، وهن يزرن الميت كل يوم من الأيام الأولى لوفاته، ثم يزرنه بين فترة وأخرى بعد ذلك.
يقدم الكتاب قائمة بأسماء بعض اليهود من سكان مدينة بغداد وأماكن سكناهم وبعض الموظفين والعمال والطلبة والمحامين والخياطين والصاغة ومواد الأغذية والصيرفة والتمور وبائعي الأقمشة والبقالين والتجار والبزازين وأصحاب الوكالات والمستوردين من رجال ونساء،
ويقدم ترجمة لحياة خمسة عشر شخصاً ممن كان لهم تأثير في الحياة العراقية، أبرزهم أحمد نسيم سوسة، صاحب كتاب العرب واليهود في التاريخ، وقد نشر قصة اعتناقه الإسلام في كتاب صدر عام 1936، بعنوان طريقي إلى الإسلام في جزأين.ويورد الكتاب كثيراً من القصص الطريفة والحكايات عنهم وعن تعلقهم بوطنهم العراق، وعن حبهم للمال والصيرفة.
فيصل خرتش
*الكتاب:يهود العراق ( تاريخهم، أحوالهم، هجرتهم)
*الناشر:الأهلية ـ عمان 2006 *الصفحات: 306 صفحات من القطع الكبير

