محمد الحوراني مؤلف هذا الكتاب صحافي وكاتب سوري صدر له:( أقنعة الاستبداد) و(التغلغل الإسرائيلي في العراق من الثورات الكردية إلى الحكومات الانتقالية). وهو يذهب في كتابه هذا نحو استعراض أشكال وأنواع التعذيب عبر العصور، ثم يستنتج أنه رغم ما تعرض له الإنسان من تعذيب لانتزاع معلومات منه،
أو اعترافه أو معاقبته على عمل ارتكبه، أو تخويفه، منذ أقدم الحضارات سواء ما كان منها قد تأسس على الأديان أم على الأفكار الفلسفية، إلا أن حظ القرن العشرين من التعذيب رغم ما عرفه من تقدم، لم يكن بأقل من حظ القرون الأولى، بل ربما عرف هذا القرن من فظائع ـ بالجملة، ومن القتل الجماعي ـ ما لم تعرفه القرون الأخرى. وخاصة ما ترتكبه الإمبراطورية الأميركية اليوم بحق مخالفيها أو من لا ينصاع لأوامرها.
إذ لا شك أن أميركا ليست أول من شرّع التعذيب، وتفنن في استخدام أدوات مرعبة لانتزاع اعترافات غالبا ما تكون غير صحيحة أو دقيقة، ولكن الشيء الذي يجب ألا يشك فيه أحد، هو أن الولايات المتحدة قد استفادت من كل أدوات التعذيب وفنونه التي استخدمت عبر التاريخ لانتزاع الاعترافات واهانة السجناء المخالفين بالرأي.
ويبدو أن الإدارة الأميركية، ولاسيما زمن بوش الابن، قد درست تاريخ الإمبراطورية الرومانية جيدا، وأخذت أسوأ ما فيه من انتهاكات لحقوق الإنسان والانتقام بطريقة غاية في الوحشية من الأعداء. فإذا كان الأباطرة الرومان قد سنوا تشريعا وحشيا ينص على إعدام أربع مئة (400) من ذكور الأعداء مقابل كل جندي يقتل في المواجهات العسكرية أو غير العسكرية،
فان الإدارة الأميركية باتت تقتل ألف (1000) مسلم مقابل كل مواطن أميركي سقط خلال هجمات الحادي عشر من سبتمبر2001 من خلال حربها التي تشنها على الإرهاب، في عدد من دول العالم، مثل أفغانستان والعراق، والتي يتوقع لها أن تمتد لتشمل دولا أخرى.
وأصناف التعذيب الأميركية التي نشاهدها بين الفينة والأخرى، أو نسمع عنها من هنا وهناك ليست غريبة على الولايات المتحدة التي اشتهر رجالها في أوائل الأربعينات من القرن المنصرم ـ في الحرب العالمية الثانية ـ بالقيام بسلق رؤوس اليابانيين حتى يتساقط اللحم عنها لكي يحولوا الجماجم إلى تذكارات،
وحسب اعتراف الأميركيين أنفسهم فان عشرات القرى أحرقت عن بكرة أبيها، وكانوا يوقفون أعدادا لا تحصى من الفيتناميين الأبرياء، ثم يطلقون النار عليهم، كما كان الجندي الأميركي يدخل رأس سكينه في بطن الفيتنامي ويدفعها أكثر مع كل سؤال لا يجيب عنه.
ثم ينتقل محمد الحوراني إلى احتلال الولايات المتحدة لكل من أفغانستان والعراق. ويرى أن احتلالها لهذين البلدين كان بذريعة نشر الديمقراطية، وحقوق الإنسان، ذريعة انطلت على بعض العرب والمسلمين، ولا سيما أولئك المهللين بقدوم جحافل الجيش الأميركي، إلا أن جلاء الحقيقة لم يستغرق وقتا طويلا.
فبدأت قنوات التلفزة العربية والغربية تبث صورا مشينة للتعذيب وانتهاك حقوق الإنسان، في أبو غريب وغوانتانامو، وغيرهما، فضلا عن فضائح السجون السرية الأميركية هنا وهناك، الأمر الذي يؤكد رغبة الأميركان بعولمة التعذيب، وتعميمه في شتى أنحاء المعمورة.
فالولايات المتحدة لم تكتف بدعم الكثير من الأنظمة الديكتاتورية والقمعية في عالمنا العربي والإسلامي بل عمدت إلى محاكاتها واعتماد أساليبها في فن التعذيب والإذلال. وما الصور والأحاديث التي يتناقلها الناس ووسائل الإعلام إلا بمثابة الجزء الظاهر من جبل الجليد العائم،
فمهما حاولنا أن نضع القارئ في صورة ما حدث ويحدث فسنبقى مقصرين، ذلك أن شبكة السجون والتعذيب تمتد كالإخطبوط في عدد من البلدان التي تحكمها حكومات حليفة أو عميلة للولايات المتحدة منذ اندلاع ما عرف بالحرب على الإرهاب.
فالسجون والمعتقلات السرية تملأ تايلاند وأفغانستان والعراق، وبعض بلدان أوروبا الشرقية مثل رومانيا وبلغاريا وبولندا، وبعض دول الشرق الأوسط، فضلا عن معتقل غوانتانامو الشهير في كوبا. ولما كانت المحكمة العليا الأميركية
، أصدرت حكما يحرم اعتقال أي شخص في الولايات المتحدة أو حبسه بدون تهمة محددة، وأقرت بحق سجناء غوانتانامو في ذلك، بدأت إدارة وكالة المخابرات الأميركية وإدارة الرئيس بوش تنشئان السجون السرية للاعتقال غير القانوني والتعذيب فيما وراء البحار للتهرب من كل القوانين والضوابط.
وإذا كانت حكومات روسيا والمجر وسلوفاكيا قد أنكرت مثل هذه السجون على أراضيها، فان دولا أخرى لم تستطع نفي ذلك نظرا للكم الهائل من المعلومات المتسربة عن المعتقلات السرية فيها. والحقيقة أن إنشاء المعتقلات السرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بدأ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001،
وبدأ العمل على تطويرها وزيادة أعدادها والتفنن في وسائل التعذيب فيها، بعد انتقادات وجهت إلى الإدارة الأميركية عن عدم شرعيتها على التراب الأميركي، وتعتمد ممارسات التحقيق والتعذيب داخل المناطق السوداء على الكثير من التقنيات والخطط المتقدمة، وتحظى هذه التقنيات والخطط الجهنمية في التعذيب بتأييد منقطع النظير من قبل وكالة المخابرات الأميركية،
بالرغم من مخالفتها للمواثيق والمعاهدات الأممية، بل مخالفتها للتشريعات الأميركية ذاتها مع العلم أن مجلس الشيوخ الأميركي قد أصدر مؤخرا قرارات واضحة وملزمة تحرم على الكوادر العسكرية بالجيش الأميركي الممارسات الوحشية واللاانسانية، إلا أن هذه القرارات بقيت حبيسة الأدراج المقفلة.
لا بل إن هذه القرارات أزعجت البيت الأبيض، فهدد بتجميد ميزانية الدفاع، مستغلا المبرر الذي قدمه الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض (سكوت ماكلان) من أن هذا الإجراء يحد قدرات الرئيس ـ بصفته القائد العام للقوات المسلحة ـ على قيادة الحرب على الإرهاب.
إن كل ما تقوم به الولايات المتحدة من تعذيب، لا يعني بحال من الأحوال أنها تتعاطف مع التعذيب، بل إن ذلك كله يتم في الإطار الذي يكفله القانون!!حسب رؤية كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية إذ تقول: نحن لا نتعاطف مع التعذيب، ونحن مصممون على أن نفعل ما نستطيع القيام به لحماية مواطنينا، ولكن في الإطار الذي يكفله القانون.
مع ذلك فان وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قامت بالجهد الأكبر في نشر ثقافة التعذيب لدى دول عديدة في العالم ولا سيما دول أميركا الجنوبية إبان الحرب الباردة على الشيوعية، إذ ساعدت القوات المسلحة الغواتيمالية على تعزيز جهاز مخابراتها الوطني ودربت ضباطها على استعمال الأساليب الوحشية في مكافحة التمرد منذ مدة طويلة تعود إلى ستينات القرن الماضي،
الأمر الذي أدى إلى تعرض عشرات الآلاف من الأشخاص للتعذيب أو القتل أو الاختفاء على أيدي قوات الأمن، كما أن هناك مدارس أنشئت خصيصا لتعليم أساليب التعذيب والتفنن فيه، إذ من المعروف أن الجيش الأميركي كان يدير مدرسة (الأميركيتين) سيئة الصيت من العام 1946الى 1948 وهي معهد تعليمي مريب، لو قدّر له أن يحمل شعارا لكان (نحن نمارس التعذيب)
وكان هذا المعهد في بنما، قبل أن ينتقل إلى موقع جديد في فورت بيننغ ـ جورجيا، حيث يمكن العثور على أصول فضائح التعذيب الحالية. وحسب كتيّب تدريب رفعت عنه السرية مؤخرا فان طلاب مدرسة الأميركيتين ـ من ضباط الجيش والشرطة من مختلف أنحاء نصف الكرة الأرضية ـ كانوا يدربون على العديد من تقنيات «التحقيق القسرية» التي انطلقت من هناك إلى غوانتانامو
وأبي غريب: مثل القبض على المطلوبين في ساعات الصباح الباكر لتحقيق أكبر قدر من الصدمة، والتغطية الفورية للرأس والعينين، والإجبار على التعري، والحرمان من الحواس، وتحميل الحواس فوق طاقتها، والتلاعب بالنوم والطعام، والإذلال، ودرجات الحرارة العالية، والعزل، والانتهاكات البدنية، والإكراه.
ولقد تم الكشف أيضا عن كتاب يعد من أشهر كتب تعليم فنون التعذيب كان قد صدر عام 1963 باسم bark ويبدأ الكتاب الشهير هذا بتعليم أفضل الطرق وأنجعها للتحقيق بعبارة (حتى تكون محققا جيدا) ثم يشرح الأساليب التي يجب على المحقق اتباعها لانتزاع المعلومات،
ويوجد في الكتاب المذكور رسوم توضيحية تبين مراحل وأساليب التعذيب، معتبرا ـ طبعا مؤلفوه ـ أن أفضل وسائل التعذيب هي أن يقوم معتقل بتعذيب آخر أو تعذيب نفسه، وهو المنهج الذي تم تدريسه لضباط الاستخبارات والسجون ومكافحة التمرد والثورات في أميركا.
إلا انه وفي العام 1983 طورت المخابرات الأميركية CIA منهج التعذيب إلى الأسوأ. حيث أصدرت كتابا آخر بعنوان (التدريب لاستغلال القدرات البشرية) ويتقاطع المنهج الذي طبق في سجن أبي غريب في العراق إلى حد كبير ومنهج هذا الكتاب، وعندما علم الشعب الأميركي بوجود مثل هذه الكتيب سحبت الإدارة الأميركية في عهد بوش الابن تلك الكتب من الأسواق الأميركية.
ومن أشهر فنون التعذيب التي وردت في تلك الكتب والتي يدرّسها الأميركيون كسر الأضواء الكيماوية، وسكب السائل على المعتقلين، وسكب المياه الباردة والساخنة عليهم وهم عراة، وممارسة اللواط وإجبارهم على النوم بعضهم فوق بعض، وإبقاؤهم عراة عدة أيام
أو ارتداؤهم ملابس نسائية وحرمانهم من النوم واستخدام الكلاب المدربة لترويع المعتقلين. وهي حالات طبقت في السجون العراقية وعلى العراقيين وغيرهم من عرب ومسلمين اعتقلتهم القوات الأميركية وأرسلتهم في رحلات طويلة من السياحة الأمنية.
إنها مشكلة الديمقراطية في الولايات المتحدة الأميركية، ديمقراطية تجاوزت الحدود المعينة لها ـ لذا فهي ديمقراطية مبالغ فيها لأنها ديمقراطية تبيح لأميركا التعذيب والتنكيل لكل من يخالفها في الرأي، ولاسيما أولئك الذين تصنفهم الولايات المتحدة بالإرهابيين.
أنور محمد
*الكتاب: عولمة التعذيب
*الناشر:مركز الراية للتنمية الفكرية جدة 2007
*الصفحات: 187 صفحة من القطع الكبير
