مؤلف كتاب «معاني القرآن» هو أبو زكريا يحيى بن زياد المعروف بالفراء، أحد أعلام المدرسة الكوفية بالنحو وأخبار العرب، وكان قد قرأ بالبصرة على «يونس بن حبيب» ثم قرأ على «الرؤاسي» زعيم المدرسة الكوفية، ثم لازم الكسائي في بغداد، ولد سنة 144 هـ وتوفي سنة 207ه.

ويعتبر كتابه «معاني القرآن» دراسة لغوية، فهو يبحث في التراكيب والإعراب، ولم يكن عنوان الكتاب أول اسم أطلق إنما كان واحداً من جملة كتب حملت هذا العنوان، فقد اهتم كثير من النحويين واللغويين في القرون الثلاثة الأولى للهجرة بوضع كثير من الكتب تحت اسم «معاني القرآن» ومن هؤلاء : الكسائي، النضر بن شميل، قطرب، والأخفش.

يبدأ «الفراء» بتفسير القرآن الكرم سورة سورة، يعد مقدمة قصيدة ـ بترتيب تنازلي، بحيث يشرح ما في الآيات من الغريب والإعراب والقراءات شروحاً مختلفة، لغوية ونحوية وإخبارية وأدبية، وقد يبين أسباب النزول، ثم يسند كلما وجد إلى السند سبيلاً.

ويرى بعض الباحثين، أن الفرّاء أول من تناول تفسير القرآن بترتيب السور. وقد بدأ ذلك بسورة الفاتحة، ثم سورة البقرة وهكذا تنازلياً، ويتعرض لآيات كل سورة آية بالترتيب ولم يقتصر على الغريب، بل يفسر الآية، ثم يفسرها تفسيراً نحوياً، ويتبع في تفسير الغريب قاعدة واحدة، هي أن يشرح الآية بالآية، ثم بالحديث إذا تسنى ذلك ثم بالشاهد الشعري أو المثل أو الكلام الفصيح، وإذا تعرض لأسباب النزول، فإنما يروي بالسند عن أئمة المفسرين من الصحابة والتابعين.

ويهتم المؤلف «الفرّاء» بالقراءات، فيعرض لها في الآية، مبيناً وجهة نظر كل قارئ، مفسراً قراءته، وقد تتعدد القراءات وتتعدد آراء المفسرين، فيفاضل بين آرائهم، مختاراً ما يراه قريباً من الصواب، ويرى أن النسق في الآية يوجب الترجيح لقراءة ما.

ويطرح مالا يتفق وكلام العرب من القراءات، وينقل عن أئمة المفسرين والصحابة، فينقل عن «علي بن أبي طالب» رضي الله عنه، وابن عباس، والحسن البصري، وقتادة، والسدي، ومن الإخباريين عن ابن الكلبي وغيرهم، ولا يظهر اجتهاده ورأيه في شرح معاني الغريب أو توضيح إعراب أو بيان إعلال أو إبدال، أو تغيير ما في اللفظ أو العبارة، ويقلل من الشاهد الشعري ولا يفسر به الآيات تفسيراً مباشراً، ولا يحتج على معنى الآية بمعنى البيت لكنه يأتي بالبيت لتوضيح المعنى اللغوي القريب الذي لا شبهة وراءه.

ويغلب على الكتاب الطابع النحوي، وهذا طبيعي من إمام النحويين الكوفيين في عصره، ولذا كثيراً ما نراه يقف ليوضح الجانب النحوي والإعراب، وينتهي إلى النظرية العامة فيبين قواعدها وأصولها وأدلتها وأسبابها ومسبباتها.

وكما يوجه عنايته للنحو والإعراب، يعني بالصرف وبناء الألفاظ مثل قوله تعالى في الآية: وقالوا مجنون وازدجر: «زجر بالشتم وازدجر افتعل من زجرت، وإذا كان الحرف أوله زاي صارت تاء الافتعال فيه دالاً، فقس عليه ما ورد».

ويحكم القاعدة الصرفية في تصحيح القراءات أو رفضها، كما يتكلم على المجاز بالمعنى اللغوي، وقد يتطرق إلى المجاز المعنوي أو إجازته فيقول في الآية: «فسنيسره للعسرى » فهل في العسرى تيسير؟ فيقال في هذا: إجازته بمنزلة قوله تبارك وتعالى: «وبشّر الذين كفروا بعذاب أليم» والبشارة في الأصل للمفرح والسار، فإذا جمعت في كلامين، هذا خير وهذا شر، جاز التيسير فيهما جميعاً.

وكثيراً ما يتعرّض «الفرّاء» لمواطن الاستعارة في القرآن الكريم، كما يتعرض لأبحاث متنوعة في الأسلوب، فيتكلم عن الاستفهام وخروجه أحياناً إلى معان أخرى كالتوبيخ، والانتقال من مخاطبة الشاهد إلى الغائب، والتقديم والتأخير وغير ذلك. ويطرق الفرّاء أبواب أبحاث لغوية عامة، تتصل بمعاني الألفاظ وليست بالإعراب وحده، من ذلك كلامه عن التكرار.

ومن لطائف أسلوب القرآن الكريم التي يذكرها «الفرّاء» : أسماء العذاب والقيامة التي جاءت بمعاني الدواهي وأسمائها، وهذه التفاتة طريفة لتنبه إلى ما لهذا الاستعمال القرآني من أثر في نفوس العرب، إذ يثير لهذه الألفاظ استدعاءات وجدانية تروع الناس وتخوفهم، لأنهم اعتادوا أن يقرنوا بين هذه الألفاظ وبين مدلولاتها من الدواهي. وهكذا وضع الفرّاء أمامنا كتاباً في معاني القرآن في صيغتها الأولى.