أجرى أولدين مادج المحرر بموقع بوكسنس الإلكتروني الثقافي المتخصص هذه المقابلة مع الروائي الأميركي لويس بيجلي بمناسبة صدور روايته الثامنة «مسائل شرف» عن دار الفريد نوف النيويوركية، مؤخراً، حيث ألقى الضوء على عالمه الروائي، مشدداً على اهتمامه بالجانب الفكاهي والسوداوي من المجتمع، ومتطرقاً إلى الجوانب التي تجعله يعلق آمالاً كباراً على روايته الجديدة التي وصفها بأنها تحكي المسكوت عنه في عالم سكوت فيتزجيرالد مبدع رواية «جاتسبي العظيم». وفيما يلي نص المقابلة:

في مستهل الحوار مع الروائي الأميركي لويس بيجلي يورد مسرعاً قائمة مؤثرة في النفس بأسماء المؤلفين الآخرين الذين بدأوا نشر أعمالهم في وقت متأخر من حياتهم، ثم يضيف بالمرح المميز له تقليدياً: «أعتقد أنه من غير المحتمل أن يبدأ المرء بنجاح نظم الشعر في السادسة والخمسين من العمر، لكن الروايات مختلفة».

لاشك في ذلك، وقد برهن عليه بيجلي في عام 1991، عندما أصبح روائياً للمرة الأولى وهو في السادسة والخمسين من العمر. ويبدو هذا الانجاز أكثر تميزاً، إذا أخذ في الاعتبار انه كتب روايته الأولى في فترة تفرغ امتدت أربعة أشهر من مكتب المحاماة الذي يعمل به.

وقد استندت في جانب منها إلى طفولته في بولندا في ظل حكم النازي، وكانت بعنوان «أكاذيب زمن الحرب»، وقد فاز عنها بجائزة هيمنغواي وأيضاً بجائزة مديتشي التي تعتبر أرفع جائزة تمنح في فرنسا للأعمال الروائية المترجمة إلى الفرنسية.

وأتبعها بيجلي في عام 1992 برواية «الرجل الذي تأخر» ثم في عام 1994 برواية «الأمر على نحو ما رآه ماكس»، وحظيت هاتان الروايتان بالنجاح في صفوف القراء والنقاد على السواء، وفي 1996 قدم بيجلي ما وصفته صحيفة «تورنتو صن»

بأنه «كتابه الأكثر إثارة للدهشة» وأبدع شخصية البرت شميت، بطله الأكثر تأثيراً وإثارة للحيرة وللخلاف في رواية «عن شميت»، والذي أطل مجدداً في رواية «شميت طليقا»»، وأصدر مؤخراً روايته الثامنة «مسائل شرف».

يقول بيجلي عن روايته الجديدة إنه على امتداد مئات الصفحات يتابع جهود ثلاثة من الأصدقاء الذين التقوا في الخمسينات في جامعة هارفارد لتحويل أنفسهم مما هم عليه إلى ما يطمحون له، وأنه يتفهم ما يقوله بعض الأصدقاء عن أنها تردد أصداء «جاسبي العظيم» لسكوت فيتزجيرالد وأنها أقرب إلى الرواية التي لم يكتبها هذا المبدع العظيم.

ويعود بيجلي إلى شخصية شميت وابنته شارلوت، ويقول: «اهتمامي بشميت متعلق بمسائل الوراثة في مواجهة التنشئة في علاقته بابنته شارلوت. وربما كان هذا الاهتمام راجعاً إلى المرحلة العمرية التي أمر بها أو العصر الذي نحيا فيه، ولكنني مهتم بالعلاقة بين شميت وشارلوت.

و على سبيل المثال، لماذا تسوء العلاقات بين الآباء والأبناء؟ ولماذا نصبح ما نحن عليه؟ لماذا نجد آثاراً من آبائنا في ذواتنا هي أقل الآثار التي يمكن أن نحبها؟ كيف أننا لا نفلح في منع أنفسنا من نقل هذه الآثار إلى أطفالنا؟ يشير بيجلي إلى أن شميت: «من الواضح أنه أبعد ما يكون عن البراءة».

ولكنه يعرب عن دهشته حيال مستوى الازدراء الموجه إلى بطله من جانب بعض نقاد روايته ، الذين ركزوا على رد فعل شميت على خطة ابنته للزواج من جون رايكر وهو محام شاب في مكتب المحاماة الذي كان شميت شريكاً فيه. ويقول بيجلي في هذا الصدد: «هذا الجمع من الناس يعتقدون أن شخصيات الروايات ينبغي أن تكون لطيفة.

وإذا نحى المرء جانباً الروايات الفيكتورية فأين هم الأبطال اللطفاء في الروايات الجيدة؟ إنني لا أعرف أياً من هذه النوعية من الشخصيات».من منظور بيجلي فإن شميت هو رجل نزيه للغاية، يصارع الضوابط المفروضة عليه. وهو يقول عنه: «إنه رجل مليء بألوان التحيز، وبعضها كوميدي، وبعضها الآخر أقل اتساماً بالطابع الكوميدي.

وهو واع تماماً بكون تحيزاته هذه غير مرغوب فيها، ولكنه يعرف كذلك أنها جزء منه، فنحن جميعاً لنا أسرارنا الصغيرة القذرة. وأحد الأشياء التي ينبغي على الرجل النزيه أو المرأة النزيهة القيام بها وضع هذه الأشياء تحت السيطرة. وشميت ليس بالشخص الذي يمكن أن يلحق الأذى بالآخرين، سواء بالقول أو بالفعل، ولكن ذلك جزء من تركيبه الروحي».

في حقيقة الأمر أن سماحة شميت التي تنقذه تكمن في أنه على امتداد الروايتين اللتين يظهر فيهما فإنه يزداد وعيه بذاته، ويعزو بيجلي الكثير من ذلك النمو إلى حب شميت المتزايد لكاري السحرية، وهي نادلة من بورتو ريكو يلتقيها شميت في مطعم محلي.

على امتداد رواياته يتأمل بيجلي في القيود والضوابط التي تفرض نفسها على شخصياته، والتي تضطر هذه الشخصيات في نهاية المطاف إلى مواجهتها. وهو يقول في هذا الصدد: «إنني مهتم بصفة عامة بذلك المفهوم القائل إن، المرء يبلور، عند نقطة معينة، رؤية لضوابطه وضوابط الآخرين.

فالناس ينطلقون في الحياة معتقدين أن أي شيء ممكن، بالنسبة لهم وللآخرين. وفيما هم يمضون قدماً، وإذا كانت عيونهم مفتوحة، فإنهم يدركون أنه ليست هناك إمكانية غير محدودة فحسب، فهناك نقطة لا يمكن للمرء المضي بعدها، مهما حاول. وهناك نقطة لا يتقدم بعدها من يحبهم المرء أشد الحب ومن يكون مستعداً لبتر يده اليمنى من أجلهم. ترى كيف يمكن للمرء أن يتصالح مع ذلك؟

إن بيجلي يستكشف الأسئلة الخطيرة لرواياته ببراعة وغالباً بلمسة عابثة. وهو يقدم على سبيل المثال صورة رائعة ومرحة لشخصية منصور، وهو شخصية ثرية لها حضورها المدهش.يقول بيجلي عن هذه الشخصية المثيرة للجدل إلى أبعد الحدود: «يا للسيد منصور والجمع المحيط به! إنه شخصية كلية الحضور، ويمكنه أن يعطي الآخرين الكثير، وهو يفسد الأمور بأكثر الطرق غرابة وخروجاً عن المألوف.

وهو أيضاً شديد الاعتداد بنفسه، وعلى تمام اليقين من أن بمقدوره إصلاح كل شيء. ومن الأمور الطريفة فيما يتعلق بشديدي الثراء أنهم يعتقدون أنهم سيحظون بحياة خالدة، لأن المال خالد.. ولدى اهتمام بما يمكن أن تدعوه بالجانب الفكاهي والسوداوي من المجتمع. أقصد أنني استمتع بمعالجة ذلك الجانب».

يتم المضي قدماً بطرافة روايات بيجلي وحيويتها عبر نثر يتسم بالوضوح والدقة على نحو مدهش. وبيجلي كاتب شديد التمكن من الأسلوب الذي يكتب به، وهو أمر مميز، أخذاً في الاعتبار أن الانجليزية ليست لغته الأم.وهو يقول في هذا الشأن: «من الواضح أنني أتحدث الانجليزية بشكل جيد، ولكن سيدهشك كيف أن لغة المرء تتداعى عندما يحاول المرء الكتابة.

ولست أعتقد أن ذلك ينطبق على الكتاب الذين يكتبون بلغتهم الأم، فأنت تحس فجأة بأنك غير واثق من تركيب أي جملة. وهكذا فإنني أقوم بالتدقيق والمراجعة بصورة استحواذية، وإتمام كتابة فقرة يشبه الاشتغال بتكسير الحجارة. وفي الوقت نفسه، فلا بد لي من القول إنني بعد كتابة صفحة أو صفحتين فإنني أدرك أن تلك هي أسعد مهنة لأنها تثير في نفسي أحساساً بسعادة عظيمة، سعادة لا أعايشها في أي سياقات أخرى».

ويتابع: «بالنسبة لي فإن الهدف الحقيقي هو أن أكتب شيئاً ليس مضجراً. وقد يبدو هذا شيئاً بسيطاً، وغبياً حقا، لكنه صحيح. وزوجتي تقرأ كل شيء أكتبه فيما أعكف على كتابته. وأنا أقول لها: (لا تقولي لي إن هذا جيد أو سيئ. وإنما قولي لي ما إذا كان مضجراً من عدمه!)».

محطات في حياة بيجلي

* ولد الكاتب الروائي الأميركي لويس بيجلي في 6 أكتوبر 1933 في غربي ما كان يعرف آنذاك ببولندا، في منطقة أصبحت الآن جزءاً من أوكرانيا، وهاجر مع عائلته عقب نهاية الحرب إلى باريس ومن ثم إلى نيويورك، ودرس اللغة الانجليزية والحقوق في هارفارد، واشتغل بالمحاماة طويلاً، ثم في وقت جد متأخر، بالمعايير التقليدية، أصدر روايته الأولى في 1991 بعنوان «أكاذيب زمن الحرب»، وما لبث أن تقاعد من المحاماة ليتفرغ للعمل الأدبي، وإن ظل يعمل مستشاراً في مكتب المحاماة الذي كان شريكاً فيه.

* أصدر بيجلي ثماني روايات أشهرها «عن شميت» في 1996 و«حطام» في 2003 وأخيراً «مسائل شرف» الصادرة مؤخرا، وترجمت رواياته إلى أكثر من 15 لغة عالمية.

* فاز بيجلي بجوائز عدة منها جائزة إرنست هيمنغواي، جائزة أيريش تايمز، جائزة ميديتشي، جائزة هارولد ريبالو، جائزة جانيت شوكين، جائزة الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب، جائزة كونراد أديناور، وكان عضواً في مجلس أمناء المركز الأميركي لاتحاد الكتاب العالمي من 1992 إلى 2001 وتولى رئاسة الفرع الأميركي لاتحاد الكتاب العالمي في السنوات من 1993 إلى 1995 وحصل على وسام فارس الفنون والآداب الفرنسي، وهو عضو في الجمعية الفلسفية الأميركية.

منى مدكور