مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور برنار دروز أستاذ علم التاريخ المعاصر في معهد العلوم السياسية بباريس. وكان قد نشر سابقا عدة كتب عن نضالات الشعوب من أجل استقلالها. نذكر من بينها: تاريخ حرب الجزائر بين عامي 1954 ـ 1962، ثم التاريخ العام للقرن العشرين حتى عام 1949، الخ.

وفي هذا الكتاب الجديد يستعرض المؤلف نضال شعوب العالم الثالث في كل القارات من أجل التخلص من الاستعمار. ولكي يأخذ القارئ فكرة عن ضخامة المشروع يكفي أن نذكر بعناوين فصوله الأساسية. بعد المقدمة العامة نجد فصلا كاملا بعنوان: التناقضات الاستعمارية.

وهنا يتحدث المؤلف عن وصول الظاهرة الاستعمارية إلى ذروتها في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين. ثم يتحدث عن التناقضات الداخلية التي كانت تنخر في جسد الإمبراطورية الاستعمارية والتي أدت لاحقا إلى انهيارها.

نذكر من بينها نموّ الشعور الوطني أو القومي لدى الشعوب المستعمرة، ثم زيادة الاستغلال الاستعماري للشعوب المحتلة، ثم الغطرسة الاستعمارية التي لم تعد تحتمل، ثم القمع الوحشي كحركات التحرر الوطني من قبل جيوش الاحتلال، الخ. كل ذلك عجّل لاحقا بانهيار الاستعمار وفقدانه لسمعته على المستوى العالمي كظاهرة قمعية ولا إنسانية.

ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن بشائر نهاية الاستعمار بعد انعقاد مؤتمر باندونغ لعدم الانحياز بحضور جمال عبد الناصر، ونهرو، وتيتو، ثم بعد هزيمة الاستعمار الانجليزي ـ الفرنسي على اثر الحملة الشنيعة على قناة السويس. بعدئذ ارتسمت ملامح نظام عالمي جديد يرفض الاستعمار بأي شكل ويدعو الإمبراطوريات الاستعمارية للرحيل. فالعصر لم يعد عصر استعمار واستعباد وإنما عصر استقلال وتحرر للشعوب.

ثم ينتقل المؤلف في الفصل الثاني إلى التحدث عن تحرر الشعوب من نير الاستعمار في آسيا. فهناك كانت توجد أكبر مستعمرة انكليزية في التاريخ: أي الهند جوهرة التاج البريطاني كما يقولون. ولكن كانت هناك أيضا مستعمرات أخرى كسيلان، وبرمانيا، وماليزيا، والهند الصينية الفرنسية. هذا دون أن ننسى أندونيسيا أكبر مستعمرة هولندية في العالم.

أما الفصل الرابع من الكتاب فمخصص لإفريقيا التي كانت مستعمرة من قبل فرنسا، وانكلترا، وبلجيكا في آن معا. ويتوقف المؤلف مطولا عند استعمار تونس، والمغرب، والجزائر، ويقول بما معناه: لا يمكن أن نضع استعمار الجزائر من جهة، ثم المغرب وتونس من جهة أخرى على نفس المستوى.

ففرنسا كانت تستعمر الجزائر بشكل استيطاني كامل، هذا في حين أنها كانت تمارس فقط نظام الحماية المؤقتة على كل من تونس والمغرب. ولهذا السبب كان استقلال الجزائر عسيرا جدا، وقد كلّف غاليا من الدماء والضحايا. وهذا لا يعني أن المغرب أو تونس حصلا على استقلالهما بسهولة أو دون صراع وسفك دماء.

ولكنه يعني أن الصراع كان أشمل وأوسع وأعمق وأخطر في حالة الجزائر. ولهذا السبب دامت الحرب الجزائرية الفرنسية سنوات عديدة وكلفت ملايين الضحايا. وكانت نتيجتها أن رحل المستوطنون الفرنسيون عن الجزائر بمئات الألوف وبشكل جماعي مباشرة بعد الاستقلال. وهذه ظاهرة ضخمة لم تحصل في تونس والمغرب بنفس العنف والاتساع.

في الواقع أن استعمار الجزائر كان من أبشع أنواع الاستعمار. إنه من النوع الاستيطاني الدائم الذي يريد أن يبقى إلى الأبد. أما في تونس والمغرب فالأمر كان مختلفا تماما. كان استعمارا مؤقتا ينتهي بانتهاء ظروفه وحيثياته.

ينبغي العلم بأن عدد الفرنسيين في الجزائر كان يشكل عشر السكان عام 1954: أي مليون نسمة. وهو عدد كبير جدا. ولهذا السبب تشبث الفرنسيون بالجزائر بكل قوة حتى آخر لحظة. فقد كانوا يعتبرونها لهم وما كانوا يحلفون إلا بالجزائر الفرنسية! وما كان أحد يفكر آنذاك ولو للحظة واحدة بأن الجزائر سوف تصبح دولة مستقلة بذاتها وأن جميع الفرنسيين سوف يهربون منها بعد الاستقلال خوفا من الانتقام.

مهما يكن من أمر فإن نهاية الحرب العالمية الثانية دقت المسمار في نعش الاستعمار. فإذا كانت فرنسا قد تحررت من الاحتلال النازي، فلماذا لا تتحرر الشعوب الأخرى من نير الاستعمار الفرنسي؟وهكذا ما عاد القادة الفرنسيون بقادرين على منع الشعوب من الثورة والمطالبة بنيل حريتها.

فحركة التاريخ كانت تمشي في هذا الاتجاه، كل الشعوب كانت تواقة إلى الحرية والاستقلال واسترداد كرامتها الوطنية. وما عاد بإمكان القوى الاستعمارية أن تقمع الشعوب بالحديد والنار كما كانت تفعل سابقا. ففلسفة حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها أصبحت على الموضة كما يقال. لقد أصبحت شعارا كونيا تتبناه الجماعة الدولية بأسرها.

وقد ساهم الرئيس ويلسون من خلال مبادئه الأربعة عشرة في نشر هذه الفلسفة التحررية والإنسانية. وعندئذ وجدت الإمبراطوريات الاستعمارية نفسها في موقع حرج جدا. فإذا ما استمرت في قمع الشعوب فإن أنظار الرأي العام العالمي أصبحت متركزة عليها وتلومها على مثل هذه الأفعال التي لم تعد تليق بعصر الحريات والشعوب.

يضاف إلى ذلك أن المستوطنين في الدول المستعمرة بفتح الميم أصبحوا أقلية صغيرة جدا بالقياس إلى السكان المحليين وذلك نظرا لزيادة الإنجاب لدى هؤلاء الأخيرين.ومن العوامل التي ساهمت في انهيار الاستعمار تشكل نخب وطنية مثقفة داخل البلدان المُستعمرة بالذات. وهي نخب عرفت كيف تستخدم فلسفة الغرب وحقوق الإنسان لكي توجهها ضد الغرب بالذات.

فإذا كان الغرب يفتخر بأنه مهد فلسفة التنوير وحقوق الإنسان فلماذا إذن يستغل الشعوب الأخرى ويستعمرها؟ هل يدخل ذلك في باب حقوق الإنسان؟! ألا يخون الغرب نفسه وقيمه التحررية إذ يعامل الشعوب الأخرى معاملة العبيد؟ أين هي مبادئه وقيمه التي يفتخر بها ويتبجح؟

أين هي مبادئ الثورة الإنجليزية والفرنسية والأمريكية؟ هذه هي الأسئلة التي طرحتها النخب الجزائرية والتونسية والمغربية والإفريقية والهندية، الخ على قادة الغرب ومثقفيه. ولهذا السبب فإن العديد من فلاسفة الغرب نهضوا ضد الاستعمار وأيدوا حق الشعوب في نيل استقلالها.

يكفي أن نذكر هنا اسم الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر أو اسم الفيلسوف الانجليزي برتراند رسل أو آخرين عديدين. بل إن بعض المثقفين الفرنسيين تعرضوا للتهديد بالقتل بسبب دعمهم لنضال الشعب الجزائري. والكثيرون منهم سجنوا أو اختفوا عن الأنظار عندما احتدمت الأمور أكثر من اللزوم وما عادوا ينامون في بيوتهم.

وبعضهم قدم خدمات جلى لجبهة التحرير الوطني الجزائرية ودفعوا ثمن ذلك.هكذا نلاحظ أن هذا الكتاب يتعرض لكل الملابسات التي رافقت انهيار حقبة بأسرها: هي حقبة السيطرة الاستعمارية الأوروبية على مقدرات شعوب عديدة في آسيا، وإفريقيا، وعموم العالم العربي والإسلامي.

*الكتاب:تاريخ القضاء على الاستعمار في القرن العشرين

*الناشر:سويل ـ باريس 2006

*الصفحات: 386 صفحة من القطع الكبير

Histoire de la décolonisation au XXe siècle

Seuil - Paris 2006

P.386