المؤلفان هما الأستاذ الجامعي «جان تارديف»، المختص بدراسة الأعراف والثقافات الإنسانية، ومن بين مؤلفاته «الثقافات والإدارة الدولية» 2002 ، «الهويات الثقافية والرهانات الجغرافية الثقافية 2003 ، والأستاذة الجامعية «جويل فارشي»، المختصة بالاقتصاد والصناعات السينمائية، والتي تدرس في جامعة السوربون الأولى. ومن بين مؤلفاتها: «نهاية الاستثناء الثقافي» 1999 ، و«الانترنيت وحقوق المؤلف» 2003 ، و«الصناعة السينمائية» 2004 .

تتموضع رهانات الهوية والثقافة في قلب الدينامية الدولية. لقد ظهرت هذه الحقيقة بأشكال مختلفة عبر التاريخ. وقدمت فتوحات للعقل الإنساني، ولكن هذه الحقيقة أوجدت أيضا اختلافات بين البشر، وأقامت حواجز فيما بينهم وصولا إلى اتخاذها أداة من أجل الحروب.

ومن هنا فإن الخطورة ماثلة في نفي التنافس بين القيم والأفكار والمعايير التي تدخل في صلب كل ثقافة، وتبرز كعوامل في نزاعات العصر الحالي، وصولا إلى القول بالصراع بين الحضارات.فالعولمة لا تعمل على زيادة التبادل في البضائع وحسب، وإنما تقوم ب«تحويل التصورات التي نحملها عن العالم وبالتالي فهي تحتوي على بعد ثقافي أساسي لا يُحفل به غالبا».

والعولمة بهذا مسيرة ذات حدين، فهي من جهة تفتح الأبواب أمام إمكانيات لم توجد من قبل من أجل التفاعل الخصب بين الثقافات. وهي من جهة ثانية تزيد من الأخطار الناجمة عن التبادل اللامتكافئ بين الثقافات وترفع من حدة التوتر فيها بينها.

ولهذا لا بدّ من رؤية جديدة للواقع البشري تمكن من الاعتراف بالتنوع الثقافي واحترامه، وتبعد شبح النزاعات بين الثقافات والتي لم تعد وهمية.والرهانات الثقافية لا تقتصر على الفنون والأعمال الفكرية ولا على الجانب الاقتصادي والصناعي، بقدر ما أنها تكتسي بعدا عالميا واستراتيجيا لا بدّ للسياسة أن تهتم به وتعطيه أولويته.

فالثقافة تعود بأوجهها المتعددة إلى ساحة النقاش السياسي دون أن تكتسب بذلك الأهمية اللازمة لها. فحتى أعوام الستينات كانت تمثل موضوعا ثانويا في العلوم الاجتماعية التي تمحورت على الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية أو على الجوانب المأسسية والقانونية للسياسة.

وإذا كانت الثقافة قد عولجت انطلاقا من الاختلاف، أي بالاعتراف على أنها تحمل طابعا أساسيا في هيكلة المجتمعات البشرية، فإن هذا الاختلاف كان يقوم على التصنيف بين ثقافات «دنيا» و«عليا». والنتيجة أن على الثقافات الدنيا أن تلحق وتتبع الثقافات العليا باعتبار أن هذه الأخيرة تمثل حضارة شمولية أي صالحة للجميع ويجب تطبيقها على الجميع.

واليوم لم تعد الفروق الثقافية بين مجتمعات متقدمة وأخرى بدائية. لماذا؟ لأن هذه الفروق أصبحت جزءا من واقع المجتمعات المتقدمة عينها خاصة مع تضعضع الحدود الجغرافية الرسمية ومع بروز ظاهرة الهجرات.و كانت منظمة «اليونسكو» قد حاولت طرح نفسها كبؤرة للتفكير حول الثقافات والاهتمام بالتراث الإنساني وتدعيم التعليم والتعاون الثقافي بين الدول-الأعضاء،

فإن الأهمية الثقافية لم تبرز واضحة إلا مع ما تقدمه الصناعات الثقافية من مردودات اقتصادية كبيرة ومع التطور الهائل للتكنولوجيات السمعية - البصرية.إن المسألة الثقافية ظلت حتى بالنسبة لدعاة «التنوع الثقافي» مرتبطة ب«الدولة -الأمة»، أي استخدام الشعور بالهوية الثقافية كبعد سياسي ملحق بالإطار الرسمي للدولة ولا يخرج عنه بل تكيفه كما تشاء.

والحقيقة أن النقاش حول إدخال القيم الثقافية في مشروع الدستور الأوروبي، أو النقاش حول انضمام تركيا إلى الوحدة الأوروبية قد أبرز أن المسألة الثقافية قائمة بحد ذاتها وأنه لا يمكن لأية نزعة «وطنية دستورية أو جمهورية» أن تطردها خارج دائرة الاهتمام الاستراتيجي.

باختصار يصعب اليوم ربط مسألة الثقافة بالدولة الوطنية لأنها أصبحت تتعداها وتطرح نفسها على كافة المستويات التي يمارس فيها الإنسان نشاطاته ويعمل على إعطاء معنى لوجوده، خاصة في عصر تبرز فيه «الإمبريالية الثقافية» حسب تعبير الكاتبين. فهذه الإمبريالية تشكل «واحدة من التهديدات الأكثر جدية اليوم» وتقود إليها «الشركات الاحتكارية» للصناعات الثقافية والاتصالية.

وبهذا فإن الأميركيين هم «وحدهم الذين جعلوا منذ 20 عاما» من مسألة نشر قيمهم وتصوراتهم ومفاهيمهم للعالم مسألة استراتيجية بالقياس إلى غيرهم وبهدف فرض «هيمنة ثقافية» على العالم. فمثلا يعكس إنتاج هوليود هذه الحقيقة واعتبار ما يحمله هذا الإنتاج من معنى أو مغزى «شموليا» وقد تم تسويقه في كل مكان، في حين أنه لا يعبر إلا عن رؤية أميركية - مركزية - خاصة.

وتتمثل واحدة من المظاهر الواضحة للعولمة في التحول الذي طرأ على مفهوم المكان والزمان. فالزمن أصبح عولميا، وهذا لا يكمن في الجانب الاقتصادي والمالي، وإنما أيضا بالطريقة التي أصبحت فيها التكنولوجيات الاتصالية تجرب العالم كله بحيث اننا أشبه ما نكون في «كل فضائي» من الترابطات المباشرة بين الأفراد والدول والمجتمعات.

ولكن هل هذا يعني نهاية الانتماء الإقليمي والدول؟ كلا، وإنما يعني إعادة تركيب اللوحة الجغرافية الاقتصادية والسياسية والثقافية للمعمورة. فنحن وإن كنا في واقع تدفق ثقافي عولمي، فإن «أرجلنا موجودة دائما في مكان ما». لكن الثورة الجديدة تشير إلى أن هذا الإطار الجغرافي لم يعد مرجعا بحد ذاته في تشكيل الوحدات الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية التي تظهر هنا أو هناك.

و«الجغرافيا الثقافية التي يشدد عليها الكاتبان هي من نوع فضاءات ثقافية واسعة بدأت تطرح أهميتها الاستراتيجية في عصر الامبريالية الثقافية». بعبارة أخرى فإن هذه الجغرافيا متعددة لا تعترف بالحدود التقليدية بقدر ما أنها تطرح مناطق إقليمية تتعرف بحالات جديدة من الانتماءات والهويات الثقافية المختلطة.

إنه «لم يعد بالإمكان التفكير أو مواجهة التحديات اليوم انطلاقا من الدولة القومية أو الوطنية» وعلى قاعدة مفاهيمها بقدر ما أن الأمر أصبح يستلزم الاعتراف المتبادل بمختلف الهيئات الفاعلة (سلطات عامة، فاعلين اجتماعيين ومدنيين، منشآت إنتاجية) وذلك في كل فضاء ثقافي بل وعلى المستوى العالمي من أجل تسيير شؤون العالم وحتى لا تبقى العولمة موظفة لصالح بعض القوى الكبرى وعلى حساب غيرها.

وبهذا فإن الثقافة «طريقة مبتكرة باستمرار يصنعها الإنسان» ويعبر من خلالها عن وجوده في العالم وعن علاقته مع الطبيعة والأشياء والآخرين. ولأنها - أي الثقافة- سيرورة مستمرة فإنها تسمح بالانعتاق الفوري والجماعي. بعبارة أخرى كل ثقافة «تمثل طريقة أصيلة » في إدراك وفهم وتصور الإنسان وإعطاء المعاني والدلالات لحياته وبما يمكنه أن يفعل فيها وعليها اجتماعيا وتاريخيا.

بهذا «لا يكفي أن تكون بعض الفضاءات الثقافية مجرد «منتوج تاريخي» بقدر ما يجب خلق حركة داخلها لتحقيق التفاعلات والتبادلات الحية وإنهاء الحواجز داخلها، والانطلاق من مجتمعاتها القاعدية لخلق هذه الحركة ووضع الأطر السياسية في خدمتها والتأكيد على البعد الاستراتيجي للثقافة وأولويتها في تشكيل سيرورة منفتحة تحول الفرد إلى ذات حرة فاعلة وبحيث يصبح «التنوع الثقافي» رهانا إيجابيا إبداعيا للعولمة في القرن الجديد.

*الكتاب:رهانات العولمة الثقافية

*الناشر:مطابع هور كوميرس فرنسا 2006

*الصفحات :365 صفحة من القطع المتوسط

Les enjeux de la mondialisation culturelle

Hors Commerce- France 2006

P .365