أريك هوسلي هو مدير مطبوعتين سويسريتين شهيرتين هما «لا تريبون دو جنيف» و«24 ساعة»، وهو أحد الباحثين الأوروبيين المختصين بالعالم الروسي عامة وبمنطقة القوقاز بشكل خاص. وكان قد جاب مرّات ومرّات وأمضى فترات طالت أو قصرت في هذه المنطقة من العالم خلال السنوات الأخيرة المنصرمة.

في هذا الكتاب الضخم «حوالي 700 صفحة» يحاول المؤلف أن يلقي الضوء على منطقة يكثر الحديث عنها بينما ربما أنها من أكثر مناطق العالم «جهلاً» بها، لاسيما فيما يتعلق بتاريخها ونزاعاتها الداخلية وجيوسياستها وعلاقاتها مع روسيا القريبة والمسيطرة ودور الإسلام فيها. باختصار يحاول المؤلف أن يفتح جميع الملفات وحتى «الشائكة» منها.

ومن بين الملفات «الشائكة» التي يتعرض لها المسألة الشيشانية، وهو يعود في هذا الملف إلى أواسط القرن التاسع عشر كي يتحدث عن المعركة التي خاضها الشيشانيون تحت إمرة الإمام «شامل» ضد جيوش القيصر الروسي، وهو يرى أن لهذه الشخصية بعدين أساسيين، فمن جهة هي شخصية محاربة وشجاعة

ولكنها كانت شديدة القسوة في الوقت نفسه. ويتم التعرض في هذا الإطار إلى ما يصفه المؤلف بـ «التقاليد القوقازية» التي تشكل عمليات سلب ونهب القرى المجاورة بعض سلوكياتها المتأصلة، وذلك على خلفية نوع من «الروح القبلية» ومن التأكيد على أهمية قيم «الرجولة» و«الشجاعة».

وفي مواجهة مثل هذه الروح القتالية وممارسة العنف كجزء من التقاليد، مارست القوات الروسية، ولا تزال تمارس، عنفاً دموياً. ويرى المؤلف أن القوات الروسية تشبّعت بفكرة أن «أهالي الجبال»، الأمر الذي يعني في قاموسها سكان منطقة القوقاز المشهورة بجبالها الوعرة، لا تمكن السيطرة عليهم و«ترويضهم» إلا عبر استخدام العنف، ذلك أن هذه هي «اللغة الوحيدة» التي يفهمونها.

ومن الملفات الشائكة الأخرى التي يتعرض لها المؤلف والتي يشير إلى أنها محاطة بـ «صمت مريب»، الملف المتعلق بفترة الحرب العالمية الثانية وحيث يؤكد أن دعاة النزعة القوقازية، بكل طيوفهم وانتماءاتهم الاثنية، كانوا قد تعاونوا إلى هذا الحد أو ذاك مع القوات الألمانية النازية التي كان هتلر وجهها نحو غزو الاتحاد السوفييتي.

لكن المؤلف يؤكد أن هؤلاء «القوميين» لم يتعاونوا أبداً مع الغازي النازي بسبب أي تعاطف أو تواطؤ ذي طابع إيديولوجي أو إعجاب بالنموذج النازي، وإنما قاموا بذلك من أجل إظهار عدائهم للنظام السوفييتي وأنهم أرادوا أن يستغلوا فرصة الهجوم الألماني من أجل تقوية مواقعهم.

ويتم التأكيد في هذا السياق أن السلطات السوفييتية كانت قد مهّدت في الواقع لتنامي المشاعر المناهضة لها عبر المحاولات المستمرة والدؤوبة التي قامت بها طيلة العقدين اللذين سبقا نشوب الحرب العالمية الثانية من أجل «امتصاص» أهالي الجبال القوقازيين من قبل النظام السوفييتي.

ولم تتردد من أجل ذلك في القيام بعملية نزع ملكيات الأراضي وجعلها «تعاونية»، أي تبنّي صيغة «الكولخوزات» المعروفة. وتتم الإشارة في هذا الإطار أيضاً إلى أن السلطة المركزية في موسكو اعتبرت أن أحد مهامها في القوقاز تكمن في منع انتشار المعتقد الإسلامي في المنطقة باعتباره أحد مصادر التهديد.

وفي المحصلة تضافرت هذه العوامل كلها، والتي كانت موسكو وراءها، من أجل خلق مناخ مناسب و«التعاون» مع القوات الغازية من قبل القوميين القوقازيين على قاعدة «عدو عدوي هو صديقي». ويركز المؤلف في تحليلاته على القول ان هناك آلية تتكرر باستمرار في جميع مناطق القوقاز تقريباً فيما يخص العلاقة بين دعاة الاستقلال الذاتي المحليين والسلطة المركزية في موسكو.

وتتمثل هذه الآلية في القول ان روسيا ومنذ اللحظة التي وضعت فيها أقدامها في منطقة القوقاز سعت إلى ترسيخ وجودها. وكانت الخطوة الأولى هي دائماً محاولة إخضاع القبائل لسلطتها. ولكن هذه القبائل أبدت مقاومة كبيرة لم تكن تتوقعها، وعندما لم تستطع الوصول إلى مراميها شنّت حروباً طاحنة ومستمرة دون هوادة ودموية بنفس الوقت إلى أقصى الدرجات.

ولم تتردد السلطات الروسية المركزية أحياناً في اللجوء إلى عمليات تهجير جماعية تطال مجموعة كاملة من السكان وشعوباً بكل أبنائها، وربما كان الثمن أحياناً هو سقوط مئات الآلاف من الضحايا. أما «الملحمة الجيولوجية» التي يتحدث عنها المؤلف في العنوان الفرعي للكتاب فإنها تكمن في إرجاعه جميع المآسي التي عرفتها وتعرفها منطقة القوقاز إلى الموقع الاستراتيجي لهذه المنطقة من العالم.

إنها موجودة عند تخوم الإمبراطورية الروسية، وكان الانجليز، الذين تطلعوا صوب هذه المنطقة في منظور إمبراطوري يصل بينها وبين أفغانستان والهند، قد اعتبروا القوقاز بمثابة «منفذ ممكن» على طريق الهند بالنسبة لروسيا. ويرى المؤلف أن مثل هذه الرؤية الاستراتيجية الانجليزية هي التي تفسر وجود عدد من العملاء الانجليز النشيطين في منطقة القوقاز ولعبهم دوراً كبيراً في الصراع القائم بين القوقازيين والروس.

أما روسيا، فإنها كانت باستمرار منذ زمن القياصرة وحتى الحقبة الحالية مروراً بالعهد السوفييتي، قد رأت في منطقة القوقاز «خاصرتها» الجنوبية التي لا يمكن لها الاستغناء عنها. وبتعبير آخر رأت بها دائماً جزءاً لا يتجزأ من إمبراطوريتها، هذا بالإضافة إلى أنها تلعب دوراً جوهرياً كمنطقة «عازلة» بين العالم الروسي والعالم التركي الذي ناصب «تاريخياً» العداء لروسيا، وكان لفترة طويلة من الزمن «أذن» الغرب التي تترصد جميع التحركات الروسية.

وكانت «حروب النفوذ» قد تكررت في منطقة القوقاز بحثاً من القوى الداخلة فيها عن تعزيز وجودها من أجل مرام استراتيجية. ثم أخذت «حروب النفوذ» هذه بعداً دولياً أكبر مع اكتشاف حقول البترول والغاز في العديد من مناطق القوقاز اعتباراً من منتصف القرن التاسع عشر.

وكانت الشركات الدولية الكبرى وعلى رأسها الأميركية والانجليزية وخاصة الروسية قد رأت في المنطقة «رهاناً تجارياً» كبيراً مما دفعها للبحث عن الحصول على امتيازات لها مع ما ترتب على ذلك من منافسة كبيرة. هذا بالإضافة إلى مصالح الأطراف المحلية من مختلف الجنسيات والاثنيات.

ويعود المؤلف في دراسته لـ «حروب النفوذ» إلى الحرب العالمية الأولى ما بين 1914 و1918 ليقول ان حركات الإضراب التي شهدتها مناطق بترولية مثل باكو وغروزني ساهمت في شل قدرات النظام القيصري الروسي وأعاقت كثيراً المجهود الحربي الذي كان يتهيأ له من أجل خوض غمار الحرب.

وفي الوقت نفسه كانت علائم الثورة البلشفية تلوح مهددة في الأفق، كذلك يتم التأكيد أن الثروات البترولية لمنطقة القوقاز لم تكن بعيدة عن رهانات الحرب العالمية الثانية وخاصة عن قرار السلطات النازية شن الهجوم على الاتحاد السوفييتي ـ السابق، وذلك بغية الوصول إلى مصادر طاقة جديدة كان الألمان بأمسّ الحاجة لها، ولكن لم يكن مثل هذا الرهان أيضاً غائباً عن القادة الروس والسوفييت الذين أبدوا استعدادهم للدفاع عن تلك المصادر بأي ثمن كان.

وينتهي المؤلف في تحليلاته إلى القول ان منطقة القوقاز هي إحدى أكثر مناطق العالم إثارة ل«المطامع» اليوم، الأمر الذي يجعلها في الوقت نفسه أحد الأكثر خطورة. هذا إلى جانب عدد من بؤر التوتر في مقدمتها المنطقة الشيشانية وداغستان وجورجيا، حيث يمكن للنزاعات أن تنفجر في أية لحظة.

وضمن هذا المنظور يؤكد المؤلف أن هذه المنطقة الواقعة على مفترق استراتيجي بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط يمكن أن تكون في الفترة المقبلة مسرحاً لنزاعات مسلحة، هذا لاسيما في ظل محاولات السيطرة على مصادر الطاقة ووجود العديد من التمردات المسلحة وتعاظم قوة الحركات المتطرفة والنزوعات نحو الاستقلال.

إن مؤلف هذا الكتاب يشرح على مدى صفحاته التي تقارب السبعمئة الأسباب العميقة لـ «حروب النفوذ» التي خاضتها القوى العالمية الكبرى السياسية والعسكرية لتثبيت أقدامها في هذه المنطقة الاستراتيجية مع ما رافق ذلك من مجازر وعمليات ترحيل قسري أحياناً.

ويتم التعرض في هذا الإطار لما يُسمّى بـ «اللعبة الكبرى» التي تجابهت فيها بريطانيا والقياصرة الروس طيلة القرن التاسع عشر. ثم جاء دور الأطماع الألمانية ومحاولات السيطرة على المنطقة، خاصة خلال الحرب العالمية الثانية.

هذه المجابهات والأطماع كلها ودور «سادة الحرب» أو القادة المحليين والجواسيس الانجليز وعناصر استخبارات ستالين ومن خلفوه جعلت تاريخ القوقاز مأساوياً في أكثر الأحيان وكان السكان المحليّون هم الذين دفعوا «الثمن الباهظ» باستمرار.ولعلّ هذا الكتاب عن القوقاز، هو أحد الأكثر اكتمالاً بين الكتب العديدة التي تمّ تكريسها مؤخراً لهذه المنطقة «المضطربة» من العالم.

ويجد القارئ فيه الكثير من الخرائط التي تساعد في فهم «التقلّصات» التي تعيشها بلدان القوقاز، على خلفية توزعها الاثني والديني. كذلك يضم الكتاب العديد من الشهادات الفردية والإحصائيات والتعريف بالشخصيات التاريخية التي كان لها فعلها في تاريخ المنطقة. وفي المحصلة قد لا يكون من المبالغة القول ان هذا الكتاب يقدّم «المفاتيح» الأساسية لفهم «الملحمة الجيوسياسية وحروب النفوذ» لتاريخ منطقة القوقاز.

*الكتاب:ملحمة جيوسياسية وحروب نفوذ من أجل فتح القوقاز

*الناشر:سيرت ـ باريس 2006

*الصفحات :687 صفحة من القطع المتوسط

A la conquête du Caucase, épopée géopolitique et guerres d'influence

Syrte- Paris 2006

P.687