ساهم في تأليف هذا الكتاب عدة باحثين وأشرف عليه وقدم له الناقد الأميركي المعروف هارولد بلوم. وهو يلقي إضاءات عديدة على واحد من أشهر كتاب أميركا اللاتينية إن لم يكن أشهرهم: الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز. يقدم الكتاب لمحة تاريخية عامة عن هذا الكاتب الذي نال جائزة نوبل عام 1982 عن أعماله الكاملة حتى ذلك الوقت. ومعلوم أن رائعته الكبرى: مائة عام من العزلة كانت قد ترجمت إلى مختلف اللغات العالمية. وهي تعتبر من روائع الأدب الكوني.
وكان هذا الكاتب قد ولد في إحدى قرى كولومبيا بتاريخ 6 مارس من عام 1928. وهذا يعني أنه أشرف الآن على الثمانين. وعندما كان طفلا تأثر كثيرا بالحكايات التي كانت تقصها عليه جدته في بيتهم الريفي المليئ بالأشباح، وقد أصبح هذا البيت فيما بعد إطارا للعديد من قصصه القصيرة ورواياته.
ثم حصل غابرييل غارسيا ماركيز على شهادة البكالوريا عام 1946 وسجل نفسه في العام التالي في كلية الحقوق بالعاصمة بوغوتا. وابتدأ يكتب القصص القصيرة منذ ذلك الوقت بعد أن تخلى عن دراسة الحقوق الناشفة التي لم تعجبه، فنداء الأدب كان أكبر.
ثم أصبح صحافيا مرتبطا بالتيارات التقدمية والشخصيات السياسية اليسارية. وقد أرسلته الجريدة إلى أوروبا عام 1955 حيث ذهب إلى جنيف أولا ثم روما. وهناك سجل نفسه في المركز التجريبي للسينما.ولكن بعد بضعة أشهر من ذلك التاريخ فوجئ بإغلاق الجريدة من قبل الدكتاتور روجاس بينيلا.
وهكذا انقطعت عنه الفلوس عندما كان في باريس حيث يسكن في غرفة متواضعة في أعلى طابق بالحي اللاتيني الذي طالما شهد تدفق كتّاب العالم عليه أو الكتاب الذين سيصبحون مشهورين لاحقا.ثم يردف الكتاب قائلا: وفي عام 1958 قام غابرييل غارسيا ماركيز بزيارة ألمانيا الشرقية، والاتحاد السوفييتي، وهنغاريا.
وبعدئذ عاد إلى باريس ثم لندن وكاراكاس حتى عاد إلى بلاده كولومبيا حيث تزوج من امرأة تدعى: مرسيدس مارشا باردو.وبعد انتصار الثورة الكوبية اشتغل في وكالة أنباء مقربة منها في بوغوتا أولا ثم في هافانا ونيويورك لاحقا.
وفي عام 1965 ابتدأ كتابة روايته الخالدة: مائة عام من العزلة. وقد انتهى منها بعد سنتين ونشرها في بوينس ايريس عام 1967. وقد أمّنت له فورا شهرة ضخمة في كل أنحاء أميركا اللاتينية وذلك قبل أن تصل أصداؤها إلى أوروبا حيث ترجمت إلى الانجليزية والفرنسية وسواهما.
ثم سافر غابرييل غارسيا ماركيز إلى إسبانيا وعاش في برشلونة بين عامي 1968-1974. وبما أنه يتكلم الإسبانية ويكتب بها كبقية كتاب أميركا اللاتينية فإنه لم يشعر بالاغتراب في إسبانيا. على العكس فإنه شعر بالعودة إلى الأصل.
وكان دائما متعاطفا مع الحركات الثورية في أميركا اللاتينية. وهي حركات تناضل من أجل الحرية وضد الدكتاتورية. كما وتناضل من أجل الفقراء والمعذبين في الأرض.وفي عام 1975 أصدر روايته الشهيرة: خريف البطريرك. ثم أتبعها عام 1981 برواية أخرى تحت عنوان: وقائع موت معلن سلفا.
وقد نشرت في عدة عواصم دفعة واحدة: أي في بوغوتا، وبرشلونة، وبوينس ايريس. وبيع منها في الطبعة الأولى فقط ما لا يقل عن مليوني نسخة. وحصل بعدها مباشرة تقريبا على جائزة نوبل عام 1982 بعد أن طبقت شهرته الآفاق وتحول إلى أسطورة أدبية حية.
ثم نشر عام 1986 رواية هامة تحت عنوان: الحب في زمن الكوليرا، تلتها عام 1989 رواية أخرى بعنوان: الجنرال في متاهاته. وهكذا أصبح غابرييل غارسيا ماركيز كاتبا كونيا وشعبيا جدا.وعلى الرغم من كل هذا النجاح والإنتاج العبقري إلا أنه كتب مرة يقول: في حياتي كلها لم أُعد قراءة أي كتاب من كتبي خوفا من أن أندم على كتابتها.
ثم يلقي هارولد بلوم والمؤرخون الآخرون عدة إضاءات على روايات غابرييل غارسيا ماركيز ويقولون بما معناه: إن الرواية الكبيرة الأولى «مائة عام من العزلة» تروي قصة قرية ضائعة في أراضي منسية في أميركا الجنوبية.
وهنا يسرد علينا المؤلف حكاية عائلة بأكملها، عائلة تعيش مراحل الحياة الثلاث من ولادة ونضج وموت. وعبر كل ذلك نطلع على أسرار هذه العائلة وأفراحها وأطراحها وما حصل لها من أحداث كبيرة أو صغيرة.ومن خلال التصوير الرائع للأحداث والظروف والبيئة والشخصيات نطلع على عالم بأسره: هو عالم المؤلف أثناء طفولته التي عاشها سابقا.
وكل ما تريد هذه القرية هو أن تتخلص من اللعنة التي حلت عليها: أي لعنة مائة عام من العزلة. إن هذه الرواية عبارة عن ملحمة مليئة بالحلم والواقع، ومفعمة بسحر الكلمات. إنها عبارة عن قصة حياة عائلة تشبه السلالة المالكة.
فالجد هو الذي أسس القرية المعزولة عن العالم. ثم عاشت هذه القرية أيام المجد المطبوعة بالسحر والحياة البدائية، وذلك قبل أن تشهد انحطاطها وأفولها عن طريق الطوفان وموت الحيوانات.إن هذه الرواية عبارة عن نسخة حديثة عن رواية دون كيشوت لسرفانتيس. إنها لا تقل عظمة عنها. وعلى هذا النحو أسس غابرييل غارسيا ماركيز الرواية العظمى في أميركا اللاتينية ورسخ أقدامها.
أما في رواية «خريف البطريرك» فإن الكاتب يقدم لنا لوحة هجائية أخاذة للأنظمة الديكتاتورية. لاريب في أن روايات أميركا اللاتينية كانت قد قدمت لنا منذ ثلاثين عاما صورة دقيقة عن النظام الديكتاتوري الذي يمارس القمع، والتصفيات الجسدية، والاغتصاب الجنسي، وشتى أنواع الفظاعات والجرائم على معتقليه السياسيين.
ولكن غابرييل غارسيا ماركيز يضيف شيئا آخر هو التصوير الهزلي المضحك للديكتاتور. وهنا لا يستطيع أن يضاهيه أحد في روعة التصوير الفني. فالبطريرك هنا ما هو إلا الدكتاتور بحسب نسخته الأميركية اللاتينية. إنه عبارة عن جنرال قديم يتراوح عمره بين 107-232 سنة. إنه عبارة عن طاغية يشتبه بكل الناس ولا يثق بأحد.
وهكذا يصور لنا المؤلف كل حماقات ومغامرات هذا الديكتاتور ويجعلنا ننفجر بالضحك في كل مرة. وهنا نلتقي بالأسلوب الساحر الجذاب لرواية مائة عام من العزلة.والسؤال الأساسي الذي يطرحه غابرييل غارسيا ماركيز في هذه الرواية هو التالي: هل يمكن للإنسان الذي يحكم بلاده بالسلطة المطلقة أن ينجو من الفساد العام الذي تولّده بالضرورة كل سلطة مطلقة؟ والجواب يقدمه لنا المؤلف من خلال هذه الرواية كلها التي يروي فيها الانحطاط المعنوي والجسدي للدكتاتور.
ويمكن أن نجد في هذه الرواية صورة بينوشيه، الدكتاتور التشيلي الذي قام بالانقلاب على المناضل سلفادور اللندي وقتله كما هو معروف. ولكن الصورة تنطبق على كل الدكتاتوريين في أميركا اللاتينية دون استثناء. وهنا نجد أن غابرييل غارسيا ماركيز كاتب ملتزم بقضايا قارته المعذبة من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه.
ولكن هذا الالتزام لا يتم بشكل مفتعل أو على حساب العمل الفني. على العكس إنه يتم من خلال أروع أسلوب في الكتابة الأدبية والروائية.أما في روايته «الحب في زمن الكوليرا» فيبدو أن المؤلف استلهم قصة الحب الفاشل لأبيه وأمه.
وقد صور ذلك من خلال حديثه عن مدينة صغيرة في جزر الكاريبي عن طريق رواية قصتها في نهاية القرن الماضي: أي القرن التاسع عشر. إنه يحكي لنا قصة حب جرت هناك بين شاب فقير ولكنه شاعر وموسيقار وبين فتاة جميلة. وقد تزوجها وعاشا ثلاث سنوات في نوع من الانسجام الكامل.
ولكن فجأة تعرفت المرأة على طبيب غني فتركت زوجها الفقير وذهبت مع الطبيب. وعندئذ انخرط الشاعر الفقير في حياة مأساوية. ولكنه بدلا من أن يستسلم للأقدار راح يفعل المستحيل لكي ينجح في الحياة بغية أن تعود إليه حبيبته السابقة التي ما انفك يحلم بها ويحبها طيلة نصف قرن.
*الكتاب:غابرييل غارسيا ماركيز
*الناشر:تشيلسي ـ لندن ـ نيويورك 2006
*الصفحات:238 صفحة من القطع الكبير
Gabriel Garcia Marquez
Chelsea House Publications- London New York
p.238

