إدغار موران هو أحد أهم، إن لم يكن أهم، عالم اجتماع فرنسي معاصر. قدّم ما يزيد على خمسين عملا للمكتبة الفرنسية من بينها: «تحديات القرن الحادي والعشرين» و«التأمل في أوروبا» و«حوار حول الطبيعة الإنسانية» و«الثقافة والبربرية المعاصرتان»، الخ.
«العالم الحديث والمسألة اليهودية» كتاب أثار الكثير من الجدل في الأوساط الثقافية الفرنسية وخاصة أولئك الذين يؤيدون السياسات الإسرائيلية دون أي تحفظ، وعلى رأسهم «آلان فينكلكراوت» الذي دخل معه إدغار موران في أكثر من حوار وعاب عليه «تحيزه» لإسرائيل دون الأخذ بأية نظرة نقدية، كما فعل هو نفسه وهو يهودي مثله.
يبدأ إدغار موران كتابه بالإشارة إلى مقال كان قد كتبه برفقة كاتبين آخرين ونشرته صحيفة لوموند بتاريخ 4 يونيو 2002، فما كان من محامي جمعية فرنسا - إسرائيل سوى أن قام بتقديم شكوى ضد الكتّاب الثلاثة لدى المحاكم الفرنسية لأنهم قدّموا نصا «يمدح الإرهاب ويناهض السامية». وبعد إدانة المساهمين في المقال من قبل المحكمة البدائية بتهمة «التشهير العرقي».
ولكن محكمة النقض ألغت الحكم بتاريخ 12 يوليو 2006 معتبرة أن الحكم الأول قد «عزل» المقاطع التي اعتمد عليها في إصدار الحكم، عن سياقها، بل اعتبرت أن الحكم الأول «مشينا» وختمت بذلك القضية تماما. وقد اعتبر مؤلف هذا الكتاب الحكم عليه في البداية،
بأنه «عنصري» يشكل احتقارا لمسيرته الفكرية كلها وهو القائل: «إذا كان هناك شيء ما تتصف به أعمالي ويتصف به تفكيري إنما هو رفض أي ازدراء أو أية بغيضة حيال أي شعب وأية أمّة». هذا مع إضافة أنه قد حرص حتى أثناء الاحتلال النازي لبلاده وانخراطه في المقاومة على رفض «إدانة الألمان» بل إدانة «النازية».
إن مؤلف هذا الكتاب يحاول طرح «المسألة اليهودية» عبر وضعها ضمن سياقها التاريخ داخل العالم الحديث. لكنه ينبّه أولا بأول أنه لا ينوي عمل «كتاب تاريخي» وإنما «تأمل خاضع لمنطق التاريخ»، أو ما يعبّر عنه بالقول في المقدّمة: «سوف أجهد كي أصف وأنا أتأمل، وأتأمل وأنا أصف».
تحت عنوان: «اليهودية والمسيحية ومعاداة اليهودية»، يعود إدغار موران إلى دراسة العلاقات الأولى بين اليهودية الرسمية للإمبراطورية الرومانية منعت منعا باتا أي «تبشير يهودي». وخلال القرون الأولى لسيادة المسيحية كان العداء لليهودية ذا طابع لاهوتي «تيولوجي» في البداية ثم، وعلى خلفية تهمة «صلب السيد المسيح» أخذ العداء لليهودية طابعا شعبيا وحيث تمّ النظر لليهود على «أنهم قادرون بل انهم ارتكبوا أسوأ أنواع الفجور».
ويشير المؤلف هنا أيضا إلى أنه كان يوجد في أوروبا آنذاك حوالي 000 35 يهودي بينما كان يزيد عددهم في الشرق على 5,4 ملايين نسمة. وحيث كان اليهود الأوروبيون يعملون بغالبيتهم كفلاحين أو حرفيين أو تجار. لكن اعتبارا من القرن الحادي عشر أصبح اليهود يعيشون في أحياء مغلقة عليهم ـ غيتوات ـ ثم بسبب منعهم من ممارسة العديد من المهن توجّهوا خاصة نحو «تجارة المال»، ذلك أن «القروض ذات الفوائد كانت ممنوعة على المسيحيين».
وفي المحصلة سادت نزعة مناهضة لليهود في أوروبا المسيحية خلال العصور الوسطى على خلفية عدة أشكال من الرفض. الرفض الديني للشعب الذي «صلب» السيد المسيح، والرفض السياسي- الديني للأمراء والملوك المسيحيين والرفض الشعبي. وتطور هذا «الرفض الشعبي» إلى إلحاق كل أنواع الشرور باليهود مما جرّ عليهم فيما بعد مذابح كما في بولندا عام 1648 وفي روسيا عام 1881.
واستمرت فكرة «الأذى الفطري» الذي يتصف به اليهود حتى القرن العشرين (قد يكون من المفيد التذكير هنا أن إدغار موران كان قد قدّم كتابا في نهاية عقد الستينات الماضي تحت عنوان «إشاعة أورليان» وحيث سرت في تلك المدينة إشاعة أن فتيات شابات يختفين في الأماكن المخصصة لقياس الملابس الجاهزة التي كانت تحت سيطرة تجار يهود. وأضافت الإشاعة أنه كان يتم إرسال تلك الفتيات للعمل في بيوت للدعارة في الشرق).
ويرى موران أن تلك المعاملة لليهود ساهمت في «انغلاقهم على أنفسهم» ردا على «الانغلاق المسيحي» حيالهم والذي منع أي زواج مختلط - ما عدا بعض الاستثناءات- وأي حوار فكري معهم. كما أن اليهود، كما يصفهم، كانوا قد وجدوا أيضا في الانغلاق ميزة أنهم «الشعب المختار» والآخرين كـ «فاسقين».
ويصل إدغار موران في تحليلاته إلى القول ان اهتمام اليهود بالمال، وما نظر إليه المسيحيون على أنه نقيصة عندهم، إنما أصبح بنفس الوقت وسيلة لتحررهم.وفي معرض الحديث عن تاريخ اليهود في أوروبا يشير المؤلف إلى أن اليهود الذين جرى طردهم من إسبانيا عام 1492 ثم من البرتغال عام 1497 «وجدوا ملجأ بل حسن الضيافة في الإمبراطورية العثمانية».
ورغم مكانة «الذميين» التي حددت وضعهم القانوني في أرض الإسلام، فإنهم «تمتعوا بقدر كبير من الاستقلال الذاتي وطوّروا حياة ثقافية مزدهرة في القرن السادس عشر». بل يشير إلى أنهم وصلوا إلى «مرتبات عليا» في الدولة العثمانية.ويتحدث المؤلف في أحد الفصول عن اليهود الأسبان الذين اعتنقوا الدين المسيحي «بدافع الإيمان أحيانا، وإنما خوفا من الاضطهاد غالبا، أو لتجنب الطرد».
ويشير إلى أن العديد من هؤلاء «المسيحيين الجدد» احتفظوا حتى أجيال لاحقة بـ «هويتهم اليهودية» وإلى عدة أجيال لاحقة بعد «الاعتناق القسري للدين المسيحي». وكان قد خرج من هؤلاء من عاد إلى اليهودية، ومن «تجاوز اليهودية والمسيحية بنفس الوقت».
والمثال الذي يضربه المؤلف على هذه الحالة الثانية هو الفيلسوف الكبير سبينوزا. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الكثيرين في إسبانيا والبرتغال «اكتشفوا من جديد أصولهم اليهودية» خلال القرن العشرين. بل إن سكان بلدة «سيرتاو» في البرازيل قد نظّموا مؤتمرا لهم بعد أن «أدركوا أصولهم»، وذلك في مدينة «تريسيف» عام 1997.
ويتم التأكيد على الدور الاقتصادي الكبير الذي لعبه اليهود، أو الذين من أصول يهودية، في الازدهار الأوروبي منذ القرن السادس عشر، وفي تحولات «العالم الحديث». وبالتالي «ارتبطوا، بما هو جيد وما هو سيّئ، بالحداثة الغربية». كما يتم التأكيد على أنهم لم يكونوا بعيدين عن عولمتين: العولمة الاقتصادية وعولمة الأفكار.
وفي قسم يحمل عنوان: «الانفصال داخل الاندماج» يبيّن إدغار موران كيف جرى «اندماج» حوالي 5,9 ملايين يهودي في مختلف الأمم الأوروبية، وبما في ذلك في أوروبا الشرقية. لكن هؤلاء اليهود «احتفظوا بنفس الوقت خارجيا وداخليا باختلافهم».
ورغم «تقاسمهم» آمال وآلام الشعوب التي يعيشون فيها فإنهم لم يتوصلوا إلى الاندماج الكامل في الأوساط المسيحية التقليدية. وبكل الحالات «ورغم أن اليهودي أصبح مواطنا في أمته فإنه يبقى بالنسبة لهذه الأمة وبالنسبة لليهودية في حالة نصف منفى، إنما تبقى كامنة أو في اللاوعي وتبرز أحيانا في ساحة الوعي».
وبكل الحالات يؤكد المؤلف أنه لا يمكن الحديث عن اندماج «كامل» لليهود ولا عن انحلال كامل للهوية اليهودية. هذه الهوية تتغذى بذكريات «معاداة اليهودية» سابقا و«معاداة السامية» حاضرا، مما يوجد نوعا من التضامن بين اليهود وما يصنع بالمقابل عداءً للسامية. وبالمحصلة «إن الانفصال يبقى قائما في الاندماج».
القسم الأخير من هذا الكتاب يحمل عنوان «المأساة»، ويختار المؤلف لتصديره جملة تقول: «العين بالعين والعالم سيغدو أعمى». وبعد أن يقدم لمحة تاريخية موجزة عن السياق الذي قامت به إسرائيل منذ مشروع هرتزل حتى أصبحت «قوة مسيطرة ومحتلة».
إنه يشير إلى أن إسرائيل قد قامت على قاعدة مأساة تاريخية تمثلت في اضطهاد من أوروبا المسيحية طيلة ألفي عام ثم من «مأساة» اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية. ولكن «منذ ولادتها بدأت مأساة جديدة» كما يقول ويحددها بـ «المأساة التي دفعت إسرائيل الشعب الفلسطيني للمعاناة منها»، لتصبح «إسرائيل الحل هي إسرائيل المشكلة».
ثم يكتب: «إن المسألة اليهودية ليست يهودية فقط، وإنما هي مسألة مسيحية ومسألة الأمم الحديثة ومسألة الحضارة الغربية ومسألة الإسلام ومسألة عصر العولمة».وفيما يخص الإسلام لا يتردد المؤلف في القول: «لقد كان الإسلام متسامحا - مع اليهود - عندما لم تكن المسيحية متسامحة».
ويعيد تصاعد التطرف في العالم العربي الإسلامي عامة إلى واقع أن «المجتمعات العربي- الإسلامية كانت خاضعة للسيطرة وللاستعمار من قبل أوروبا ولم تحقق لها أشكال تحررها الوطني وعود الديمقراطية ولا وعود الاشتراكية».
ثم جاءت سياسة أوروبا المعروفة باسم «ميزانين ومقياسين» حيال إسرائيل وفلسطين. والحل؟. تقول الجملة الأخيرة من الكتاب: «إن هذه الحلقة المفرغة لن تتحطم إذا لم ندرك إنسانيتنا المشتركة».
*الكتاب:العالم الحديث والمسألة اليهودية
*الناشر: سويل ـ باريس 2006
*الصفحات: 270 صفحة من القطع المتوسط
Le monde moderne et la question juive Edgar Morin
Seuil - Paris 2006
P.257
