مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور جيمس بيتراس، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة باميفامتون في نيويورك. وكان قد نشر سابقا ما لا يقل عن اثنين وستين كتابا ترجمت إلى تسع وعشرين لغة عالمية. وكان قد نشر أيضا ما لا يقل عن ستمائة وخمسين مقالة أكاديمية في المجلات المختصة كالمجلة الاجتماعية الأميركية، والمجلة البريطانية لعلم الاجتماع، الخ.
كما ونشر ما لا يقل عن ألفي مقالة صحفية في كبريات الجرائد كالنيويورك تايمز، والغارديان، ولوموند ديبلوماتيك، ومجلة الشؤون الخارجية، الخ. وبالإضافة إلى ذلك فإن جيمس بيتراس هو عضو في محكمة برتراندرسل التي تناضل ضد القمع السياسي في أميركا اللاتينية. وهو يحلل هنا النتائج الكارثية للدعم غير المشروط الذي تقدمه أميركا لإسرائيل منذ سنوات طويلة، وهي نتائج ترتد سلبا على مصالح الولايات المتحدة نفسها.
والواقع أن الكتاب يحلل فصلا بعد فصل كيفية تغلغل اللوبي اليهودي في الإدارة الأميركية ومراكز صنع القرار. ومعلوم أن هذا اللوبي يضغط بقوة على السياسة الخارجية للولايات المتحدة ويوجهها في اتجاه واحد: خدمة مصالح إسرائيل أولا وقبل كل شيء حتى ولو تعارضت مع مصالح أميركا ذاتها!
كما ويستعرض المؤلف بالتفصيل مدى الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري والدبلوماسي الذي تقدمه أميركا لدولة إسرائيل منذ أربعين عاما على الأقل.ويرى المؤلف أن هدف القوة الإسرائيلية في الولايات المتحدة هو توفير الدعم الأميركي الكامل للسياسة الإسرائيلية الهادفة إلى استعمار فلسطين درجة فدرجة، أو مرحلة بعد مرحلة.
وهذا اللوبي الخطير الذي ينتشر كالسرطان في كل أقسام الإدارة الأميركية لا يعبأ أبدا بالنتائج السلبية المدمرة لهذه السياسة على مصالح الولايات المتحدة ذاتها. ويرى المؤلف أن أميركا هي التي أصبحت تقلّد إسرائيل وليس العكس، فهي تتبع تجاه العراق وأفغانستان ومحاربة «الإرهاب»
عموما نفس السياسة التي تتبعها إسرائيل تجاه الفلسطينيين، بل إن ممارسات التعذيب في سجن غوانتانامو وابوغريب مأخوذة حرفيا عن الممارسات الإسرائيلية في سجونها سواء داخل فلسطين أن في جنوب لبنان. ويرى المؤلف أن إسرائيل هي التي تحث أميركا الآن على الانخراط في حرب جديدة في المنطقة من أجل تحقيق مصالحها الخاصة ولكي تبقى القوة الذرية الوحيدة في الشرق الأوسط كله.
ثم يردف المؤلف قائلا: يوجد في أميركا ستة ملايين يهودي، أي ضعف عدد العرب هناك. ولكنهم ليسوا جميعهم منخرطين في اللوبي الصهيوني. وبحسب استطلاعات للرأي حصلت عام 2004 فإن 36 بالمائة من اليهود الاميركان لا يشعرون بأنهم معنيون بقصة إسرائيل.
ولكن الأغلبية المتبقية تدعم الدولة العبرية وتشعر بالارتباط العاطفي بها. ويمكن القول بأن اللوبي اليهودي هناك مشكل أساسا من لجنة الشؤون العامة الأميركية- الإسرائيلية ثم من مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية المختلفة. ويمتلك هذا اللوبي فروعا في مختلف الولايات الأميركية وله علاقات وثيقة بمراكز القرار، أي بالبيت الأبيض،
أو الكونغرس، أو مجلس النواب، أو البنتاغون، الخ. وهذا اللوبي يدعم عموما السياسة التوسعية لحزب الليكود الإسرائيلي ولا يعبأ إطلاقا بحركة السلام الآن أو بالتيار المعتدل داخل المجتمع الإسرائيلي. من هنا خطورته ليس فقط على أميركا وإنما على إسرائيل ذاتها.
وعموما فإن قادة اليهود في أميركا يستشيرون الحكومة الإسرائيلية قبل أن يتخذوا قراراتهم ويرفضون توجيه أي انتقاد لسياسة إسرائيل وأعمالها في الأراضي المحتلة حتى ولو كانت دموية وتثير اشمئزاز العالم أجمع.
والدليل على هذا الدعم اللا مشروط هو أن رئيس المؤتمر اليهودي العالمي أو غار برونغمان تجرأ مرة وطلب من الرئيس بوش أن يضغط على إسرائيل لكي تحد من بناء الجدار العنصري العازل الذي يتم على حساب الأراضي الفلسطينية ويقضم منها الكثير، وكان ذلك عام 2003.
وعندئذ ثارت عليه ثائرة اللوبي اليهودي وأفهموه بأنه لا ينبغي ممارسة أي ضغط على دولة إسرائيل. نقول ذلك على الرغم من أن الرجل هو أحد أعمدة اللوبي الصهيوني بالذات!! ولكنه وجد أن إسرائيل تبالغ في قمع الفلسطينيين فتجرأ على رفع صوته قليلا ثم سكت.
ثم يردف المؤلف قائلا: لقد أسس اليهود الأميركان عددا كبيرا من المنظمات من أجل التأثير على السياسة الخارجية للولايات المتحدة وتوجيهها في الاتجاه الذي يدعم إسرائيل على طول الخط غير عابئين بمصالح أميركا نفسها، أو قل إنهم يعتبرون أن مصالح أميركا لا يمكن أن تتناقض مع مصالح إسرائيل. فالبلدان بالنسبة لهم شيء واحد.
والأخطر من ذلك هو أن اللوبي اليهودي لا يضم فقط اليهود وإنما المسيحيين الأصوليين المتعصبين. فهؤلاء يعتقدون أن عدم دعم إسرائيل وتوسعها مضاد لإرادة الله! كما ويعتقدون بأن المسيح لن يظهر مرة أخرى في فلسطين إلا بعد عودة جميع اليهود إليها ثم اعتناقهم للمسيحية أو تدميرهم!
وبالتالي فمن مصلحة كل أصولي مسيحي أن يدعم إسرائيل حتى ولو أدى ذلك في نهاية المطاف إلى تدمير اليهود، وهو اعتقاد خرافي بالطبع ولكن المنظمات اليهودية تعرف كيف تستغله إلى أقصى حد ممكن لأنها تعلم أنه سيناريو مجنون لا يمكن أن يتحقق. ولكن ما يهمها من السيناريو هو المرحلة الأولى أي دعم التوسع الإسرائيلي في فلسطين.
ويمكن أن نذكر من قادة اليمين المسيحي الذين يدعمون إسرائيل بدون قيد أو شرط الشخصيات الدينية التالية: غاري باوير، جيري فالويل، رالف ريد، بات روبيرتسون. ومن الشخصيات العلمانية يمكن أن نذكر: جون بولتون الذي فرضه بوش بالقوة كممثل لأميركا في مجلس الأمن قبل أن يتخلى عنه مؤخرا.
وهو ينتمي إلى فئة المحافظين الجدد غير اليهود. ولكن هناك غيره من أمثال روبرت بارتلي، ويليام بينيت، وجين كيركباتريك، والصحافي النافذ جورج ويل.وأما على رأس المحافظين الجدد اليهود فنجد ريتشارد بيرل، ايليوت أبرامز ، دافيد ورمر، وبيل كريستول، وبول ولفويتز وآخرين عديدين.
والأول هو أشد تعصبا لإسرائيل من الليكود . وقد نصح قادة إسرائيل بطرح الشعار التالي: السلام مقابل السلام وليس السلام مقابل الأرض! وقال لهم: هذه هي اللغة الوحيدة التي ينبغي أن تستخدموها مع العرب.ويستطيع اللوبي اليهودي أن يعتمد على الدعم المطلق للكونغرس الأميركي.
بمعنى أنه حتى لو أراد الرئيس اتباع سياسة أكثر توازنا في الشرق الأوسط فإن الكونغرس يضغط عليه لكي يتراجع. بل ووصل الأمر إلى حد أن ناحوم غولدمان رئيس المؤتمر اليهودي العالمي قال للرئيس كارتر عام 1978: ينبغي سحق اللوبي اليهودي لأنه أصبح قوة تدميرية وعقبة حقيقية أمام السلام في الشرق الأوسط!
فإذا كان غولدمان ينزعج من تعصب اللوبي فما بالك بالآخرين؟ وقد فهم الملك حسين هذه الحقيقة عندما صرح عام 1984 قائلا: الولايات المتحدة لا تمتلك أي هامش حرية في منطقتنا. إنها مجبرة على مراعاة اللوبي اليهودي وحكومة إسرائيل وعدم الخروج على إرادتهما.
والملك حسين يعرف عما يتحدث لأنه كان أكبر منفذ للسياسة الأميركية في المنطقة. إنه يعرف أن هامش الحركة الذي تتمتع به السياسة الأميركية ضيق جدا في الشرق الأوسط. ومن يحدد لها هذا الهامش؟ إنه اللوبي اليهودي ولا شيء غيره.
والواقع أن كل المسؤولين الاميركان يعرفون أنهم سيسقطون في الانتخابات إذا ما عارضوا السياسة الإسرائيلية حتى ولو قليلا. وقد حصل لبعض أعضاء الكونغرس أن فعلوا ذلك فدفعوا الثمن فورا.والسبب هو أن اللوبي منظم جيدا وغني جدا وقادر على الضغط وبخاصة في الولايات التالية: نيويورك، نيوجيرسي، ايلينوي، كاليفورنيا، فلوريدا.ولكن حتى في الولايات الأخرى التي يقل فيها عدد اليهود فإن تأثير اللوبي ضخم.
صحيح أن نسبة اليهود في أميركا لا تزيد على اثنين ونصف بالمائة 5,2 بالمائة من عدد السكان ولكن تأثيرهم على السياسة الأمريكية يتجاوز 70 بالمائة من عدد السكان! والسبب هو سيطرتهم على الصحافة والإعلام والرأسمال. هل نعلم مثلا بأن عشرين بالمائة من كبار الميليارديريين في أميركا هم من اليهود؟
*الكتاب:قوة إسرائيل في الولايات المتحدة
*الناشر: كلاريتي بريس - نيويورك 2006
*الصفحات:191 صفحة من القطع الكبير
The force of Israel in the United States James Petras
Clarity Press- New York
p.191
